عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 29 تشرين الأول 2025

نساء فلسطين.. حارسات الذاكرة بالعرق وزارعات الحلم في التراب

نابلس – الحياة الجديدة – بشار دراغمة- في حضن جبال بلدتها، حيث تتكئ الحقول على كتف الوجع، وحيث الزيتون ينبت كما تنبت الحكايات في الذاكرة، كانت آمنة محمد تمشط الصباح بأناملها المجبولة من تراب الوطن، لم تكن تعلم أن الأحد الماضي صادف اليوم الوطني للمرأة الفلسطينية، فكل أيامها في أرضها الممتدة بين الروح والرصاص هي "يومها".

تدرك آمنة ابنة بلدة بورين أن الوطن يعاش في التفاصيل الصغيرة، في قطرة العرق، في حبة الزيتون، في الخبز الذي تفوح منه رائحة الصبر.

تجلس آمنة عند جذع زيتونة رومية تشبهها، شامخة رغم ما مر عليها من رياح واحتلال، عمرها يمتد كظلها على التاريخ، شاهدة على أن هذه الأرض لا تُغلب. ترفع آمنة طرف غصن وتقول بصوت يشبه التراتيل: "هذه الشجرة أقدم من كل الذين حاولوا أن يقلعونا، جذورها تعرف أسماءنا واحدا واحدا، تحفظ دموعنا وصلواتنا".

لا تبعد أرضها سوى مئات الأمتار عن مستوطنة "يتسهار"، تلك التي تفتح شهيتها كل موسم على ما ليس لها، لكنها رغم القرب الذي يلسع القلب، تصر آمنة أن تسبقهم إلى الحصاد، كمن يسبق الموت بخطوة حياة، تحمل سلتها، وتدخل الحقل كما تدخل معركة، كل حبة زيتون تقطف انتصار صغير على الخوف.

تقول وهي تلتقط الثمار كمن يلتقط النجوم من السماء: "أعرف أني في سباق مع الزمن، إن لم أجن الثمار اليوم، سيأتي المستوطنون غدا لسرقتها، هذه ليست مجرد شجرة، إنها سيرة عمر بأكمله".

آمنة لا تملك رفاهية الاحتفال، لكنها تحتفل كل يوم بقدرتها على الصمود، بضحكة ابنها حين يعود من عمله سالما، بخبزة تنضج على صاج النار، بزيت يلمع تحت الضوء كدمعة فرح.

في ملامحها يلتقي الوجع بالكرامة، وتصبح التجاعيد قصائد محفورة بلغة لا تترجمها إلا الريح.

حين تسألها عن يوم المرأة الفلسطينية، تبتسم ابتسامة من يعرف سر الأشياء: "تكريم المرأة الفلسطينية جميل، لكنه لا يحتاج يوما واحدا، كل يوم نعيش فيه على هذه الأرض هو يوم وطني لنا، نحن نحرس الذاكرة بالعرق، ونزرع الحلم في التراب".

ثم تنحني نحو الزيتونة وتتابع عملها، كأنها تهمس لها: "لا تخافي، لن أتركك لهم، ما دام في نفس، ستثمرين حرية".

في الأفق البعيد، تتمايل أشجار الزيتون في صمت كأنها تصفق لها.

الشمس تميل قليلا، تضع قبلة ذهبية على جبينها المتعب، فتبدو آمنة كرمز من رموز هذا الوطن، لا تهزم، ولا تنحني، بل تتجذر أكثر في كل وجع جديد.

في قلب ميدان الشهداء وسط نابلس حيث تلتقي حيث تلتف الطريق لتحتضن طيور الصباح، تقف أم يمن على رصيف الحياة، هي الأخرى لم تعرف أن الأحد الماضي كان يوما وطنيا للمرأة الفلسطينية، فكل يوم تكافح فيه من أجل لقمة العيش هو يومها، فهي التي جعلت من زهور الزعتر والميرمية قصة حياة، ومن سلتها الصغيرة سلاحا تواصل به معركة الكرامة.

على حافة ميدان الشهداء، حيث يسمع دوي التاريخ في كل زاوية، كان صوت أم أيمن يعلو على صوت المارة الذين يسيرون في عجلتهم اليومية، يلتفتون، يتوقفون قليلا، ثم يمضون إلى حيث يعتقدون أن الحياة تبدأ وتنتهي. لكن الحياة بالنسبة لأم أيمن ليست مجرد مشهد عابر، هي حكاية تكاد تكتب كل يوم بأيد مجعدة من العمل، وأحلام ما زالت تلوح في أفق الغد.

ترتب أم أيمن الميرمية والزعتر، بعناية داخل سلتها الصغيرة، لا تترك فيها مكانا فارغا إلا وتملؤه بعطر الأرض، كان الزعتر بالنسبة لها أكثر من مجرد نبتة، وإنما رمز للأمل، ورائحة للحياة التي لا تنقض عليها رياح العيش اليومي.

تخرج أم أيمن كل صباح حيث تنبت الحياة بين خطواتها، وكأن الرصيف هو ساحة معركة يومية تخوضها بكل ما تملك من عزيمة، ترفع رأسها للسماء، ثم تبتسم ابتسامة صغيرة تحمل في طياتها مرارة السنين، لكنها مرارة لا تقتلها، بل تزيدها قوة وصلابة.

حال أم أيمن وآمنة يتشابه مع حال الكثير من المواطنات اللواتي ينحتن من صخور الحياة مسارات كرامتهن، ويخضن معارك يومية من أجل العيش بكرامة، فيخلقن من صبرهن قوة، ومن تحدياتهن انتصارات متراكمة.