قمة شرم الشيخ.. بداية الطريق لحل الدولتين
باسم برهوم

دفع الشعب الفلسطيني ثمنا باهظا جدا من دمه ومقدراته قبل أن يصل العالم لاستنتاج أن حرب الإبادة الجماعية يجب أن تتوقف، وأن يفكر بالطرق الافضل لتحقيق السلام والامن والاستقرار في الشرق الأوسط. لقد تعرض الشعب الفلسطيني لأبشع عقاب جماعي، تعرض لمذابح، ولتدمير شامل للقطاع، وفي الضفة إرهاب المستوطنين، مئات البوابات والحواجز، اعتقالات واقتحامات، وتدمير مخيمي جنين وطولكرم. ومحاصرة السلطة الوطنية الفلسطينية ماليا وسياسيا، والتهديد بتفكيكها، مر الشعب الفلسطيني بأوقات صعبة، وحدثت له فاجعة كبيرة قبل ان يحدث التغيير.
مشهد الإبادة الذي رفضه الرأي العام العالمي، وبدا أن القادة السياسيين، وخاصة في أوروبا، انه لم يعد بمقدورهم رؤية هذا المشهد وتحمل مسؤولية استمراره، وبدأ هؤلاء القادة بالتحرك وممارسة ضغط، ونذكر عندما وجهت بريطانيا وفرنسا انذارا لنتنياهو بأنه اذا لم يوقف الحرب فإن هذه الدول ستعترف بدولة فلسطين ونفذوا تهديدهم، ومن ثم انضم الرئيس الأميركي ترامب لهذه القناعة في محاولة انقاذ إسرائيل من غطرستها.
النتيجية لكل ذلك جاءت قمة شرم الشيخ التي من الواضح انها بداية لمرحلة جديدة في الشرق الأوسط، مرحلة تحمل مؤشرات تبعث بالأمل بمسار سلمي يقود إلى حل الدولتين. وهو الحل الذي بات معظم العالم يدعمه بقوة بعد ان اعترفت 151 دولة بالدولة الفلسطينية، بما فيها بريطانيا التي اصدرت قبل اكثر من قرن وعد بلفور.
بهذا المعنى قمة شرم الشيخ تمثل عمليا الارادة الدولية التي اوقفت الحرب، والتي تريد إعادة دولة فلسطين إلى خريطة المنطقة بعد غياب استمر 77 عاما، عندما تم تفكيك فلسطين التاريخية في نكبة عام 1948 وتم تمزيق الشعب الفلسطيني وتشريد معظمه إلى خارج وطنه.
وتكمن اهمية القمة بطبيعة ونوعية الحضور، الولايات المتحدة والرئيس ترامب، الزعماء الرئيسين من أوروبا، الرئيس الفرنسي ماكرون، رئيس الحكومة البريطانية ستارمر، رئيسة وزراء إيطاليا ميلوني، ورئيس وزراء إسبانيا بيدرو سانشيز وغيرهم من الزعماء، إلى جانب حضور الزعماء العرب والمسلمين، فان اهمية القمة تأتي من حضور الرئيس محمود عباس بصفته رئيسا لدولة فلسطين، التي تعترف بها الغالبية العظمى من دول العالم هذا الحضور هو ثمرة أولا لتضحيات الجسيمة للشعب الفلسطيني خاصة في قطاع غزة، وهو ثانيا ثمرة لتاريخ طويل ومرير لكفاح الشعب الفلسطيني من أجل حريته واستقلاله. وثالثا، السياسية العاقلة والذكية والواقعية للرئيس عباس والقيادة الفلسطينية، ورابعا، ثمرة لجهود دول عربية، السعودية، مصر، والاردن وقطر والامارات، مع جهود دولية من مختلف القارات من أوروبا بقيادة فرنسا، واسبانيا، ودول مثل جنوب أفريقيا، البرازيل، والدور الخاص لتركيا.
واذا كانت الاهمية بطبيعة الحضور، فان القمة تشكل ضمانة لوقف الحرب بشكل نهائي على قطاع غزة، وضمانة لالتزام جميع الاطراف بخطة ترامب، التي يجب ان تقود لحل الدولتين ليس لان البند التاسع عشر في خطة ترامب الذي يتحدث عن الدولة الفلسطينية، وانما أيضا لان ذلك أصبح يعبر عن إرادة دولية وإرادة الرأي العام العالمي.
القمة هي بداية لمرحلة جديدة فيها درجة من التضامن والتنسيق بين الدول العربية الرئيسية، وتضامن دول إسلامية رئيسية مثل تركيا وباكستان وإندونيسيا، وهو ما ساعد في معادلة شيء من ميزان القوى التي تبدلت كثيرا في المنطقة بعد عامين من حرب إقليمية لم تنحسر بقطاع غزة ومن دون شك ان سرائيل قد نجحت بدعم أميركي بتغير الكثير مما كان عليه الشرق الأوسط، فوحدة الموقف العربي الاسلامي هي محاولة لتعديل الموقف.
وخلال العامين الصعبين، والتي كانت القضية الفلسطينية مهددة بالفعل بالتصفية عبر التهجير والضم، فإن جزءا مهما من امتصاص الاندفاع اليميني الإسرائيلي في محاولته للتصفية، هو الموقف المتوازن للرئيس محمود عباس وعدم انجراره لردات فعل كانت يمكن تعصف بكل مكتسبات النضال الفلسطيني، وفي نهاية المطاف وجد المجتمع الدولي في مواقف الرئيس عباس الرافعة لاعادة الحياة لحل الدولتين، والضغط لمنع الضم والتهجير والوصول الى اللحظة لوقف الحرب، ولعل المصافحة الحميمة بين الرئيس عباس والرئيس ترامب تعكس طبيعة المرحلة الجديدة.