عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 04 تشرين الأول 2025

" سمكة تحيي أرضا " .. قصة نجاح فلسطينية تُولد على سطح منزل

 

رام الله- الحياة الجديدة- عبير البرغوثي- على سطح منزله المتواضع في مدينة طولكرم، يراقب علاء بعيون مفعمة بالأمل حركة الأسماك وهي تشق طريقها داخل الماء. لم تكن هذه المشاهد مجرد متعة بصرية أو هواية شخصية، بل كانت بذرة حلم تحوّل إلى مشروع ريادي يحمل اسمًا رمزيًا: "سمكة تحيي أرضا"، مشروع يجمع بين الشغف والاقتصاد والرسالة الإنسانية.

فوق سطح منزل متواضع، وفي بركة ماء صغيرة لم تتجاوز في بدايتها بضع عشرات من الأسماك، نسج المواطن علاء جمال حسان (39 عامًا) حكاية نجاح مدهشة. حكاية تبدأ من شغف قديم بتربية الأسماك، وتتواصل اليوم كمشروع ريادي واعد يزرع الأمل في بيئة مثقلة بالصعاب والتحديات.

علاء جمال علي حسان، موظف في القطاع الخاص ومزارع شغوف، يجسد قصة نجاح فلسطينية في مواجهة التحديات الاقتصادية والبيئية، ليبرهن أن الإرادة قادرة على تحويل بركة ماء صغيرة فوق سطح منزل، إلى حكاية وطنية تزرع الأمل في زمن الصعاب.

بالنسبة لعلاء، "الاستزراع السمكي ليس مجرد تجارة، بل رسالة حياة وصبر وعطاء". ومن يزرع سمكة اليوم – كما يقول – يحصد غدًا غذاءً صحيًا، اقتصادًا محليًا أقوى، وأرضًا أكثر عطاءً.

 

البداية من شغف.. وحاجة السوق

انطلقت فكرة الاستزراع السمكي لدى علاء عام 2023، بدافع مزدوج: شغف قديم بتربية الأسماك وسد فجوة كبيرة في السوق الفلسطيني. فمعدل استهلاك الفرد الفلسطيني من السمك لا يتجاوز 4–6 كيلوغرامات سنويًا، مقارنة بأكثر من 20 كيلوغرامًا عالميًا، ما جعل القطاع المحلي مهددًا بالاندثار.

اختار علاء سمك المشط تحديدًا، لسرعة نموه وقدرته على التكيف مع الظروف البيئية، فبدأ المشروع على سطح المنزل ببركة صغيرة، معتمدًا على الماء والكهرباء المتاحين، وبإرادة صلبة رغم قلة الإمكانيات والمعرفة، كما يسرد بدايات المشروع لـ "الحياة الجديدة".

منذ الخطوة الأولى، اصطدم علاء بجملة من العقبات: نقص الخبرة، صعوبة الحصول على المعلومات بسبب قلة المربين، غياب العلف الخاص بالأسماك في السوق المحلي، وعدم وجود وسائل تدفئة في فصل الشتاء. وحتى على المستوى النفسي، واجه تثبيطًا من آخرين اعتبروا أن مشاريع السمك "محكومة بالفشل".

إلا أن عزيمته لم تخفت. استعان بخبراء من وزارة الزراعة وجمعية أريحا، تابع دورات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ودوّن ملاحظاته بدقة، ليتمكن بعد أربعة أشهر فقط من جمع مئات "الإصبعيات" والعناية بها حتى بات يمتلك اليوم ما يزيد على 12 ألف سمكة.

 

من فكرة منزلية إلى مشروع ريادي

التحول الجذري للمشروع جاء بعد قبول فكرة "سمكة تحيي أرض" ضمن منحة لدعم الاقتصاد الدائري الأخضر، ليحصل علاء على تجهيزات شملت بركًا حديثة، أنظمة طاقة شمسية، ومضخات ومستلزمات متكاملة. عندها تحوّل حلم السطح إلى مشروع ريادي حقيقي، يربط بين السمك والخضار والطاقة النظيفة، ويضع لبنة في مسار تحقيق الأمن الغذائي المحلي، وويقول علاء: "التحول الكبير جاء مع قبولي في منحة "مركز معًا" لدعم الاقتصاد الدائري الأخضر، حصلت على برك أكبر، ونظام طاقة شمسية، مضخات، وأدوات متطورة للاستزراع المكثف". وهكذا، انتقل المشروع من تجربة شخصية إلى نموذج واعد يساهم في الأمن الغذائي ويعزز الإنتاج المحلي.

لم يكن المشروع مجرد تربية أسماك، بل رؤية متكاملة. فقد استغل علاء مخلفات الأسماك كسماد عضوي، بديلًا عن الأسمدة الكيماوية باهظة الثمن والملوثة للتربة. وبهذا، أنتج خضارًا عضويًا يحافظ على صحة الإنسان ويحسّن خصوبة الأرض، رابطًا بين السماء (الطاقة الشمسية) والماء (الاستزراع) والأرض (الزراعة).

 

طموحات أبعد من السطح

لا يقف علاء عند ما أنجزه، بل يحلم بالكثير. يخطط لإنشاء مفرخات متطورة لإنتاج أصناف جديدة، وتوسيع عدد البرك، وبناء خط إنتاج محلي لصناعة علف السمك، بما يخلق فرص عمل للشباب الفلسطيني ويقلل الاعتماد على الاستيراد. كما يسعى لدمج أنظمة الزراعة المائية (Aquaponics) التي تنتج السمك والخضار معًا بكفاءة عالية، ويقول: ""طموحي أن أكون الرائد الأول في مجال الاستزراع السمكي في فلسطين. هدفي ليس الربح فقط، بل بناء قطاع اقتصادي وغذائي ينعكس إيجابًا على حياة الناس".

 

رسالة أمل

في ختام حديثه لـ "الحياة الجديدة"، يوجّه علاء رسالة لكل من يفكر في خوض غمار مشاريع مشابهة قائلا: "الاستزراع السمكي ليس مجرد تجارة، بل رسالة حياة وأمل. يحتاج إلى صبر، متابعة، وتعلّم مستمر.

بالصبر وتجاوز العقبات وخوض غمار التحديات، تحولت بركة صغيرة فوق سطح منزل إلى قصة نجاح فلسطينية تجسد الإصرار على قهر التحديات، وتفتح أفقًا جديدًا لقطاع حيوي قادر على أن يسد فجوة غذائية ويمنح المجتمع فرصة للعيش بصحة وأمل.