قريوت.. في مواجهة حرب الاستيطان الممنهجة

نابلس– الحياة الجديدة– حنين خالد- بين تلال جنوب نابلس، تقف قرية قريوت نموذجًا صارخًا لما تتعرض له الضفة الفلسطينية المحتلة من استيطان ممنهج يلتهم الأرض والموارد ويضيّق على أهلها في تفاصيل حياتهم اليومية. فمنذ السابع من تشرين الاول من عام 2023، تسارعت وتيرة الهجمة الاستيطانية بشكل غير مسبوق، محوّلة القرية إلى "جزيرة محاصرة"، لم يتبق لأهلها سوى أقل من 10% من أراضيهم. هنا، لا تُقاس النكبة بالتاريخ، بل تُعاش يوميًا، كجرح مفتوح منذ عقود، يتعمّق مع كل شجرة تُقتلع، وكل دونم يُصادر، وكل طفل يُرعبه الليل على وقع اقتحام جديد.
قرية قريوت تمتد على مساحة تقارب 8000 دونم، واليوم الاحتلال يُحكم قبضته على أكثر من 7200 دونم، تم ضمها فعليًا إلى مستوطنات 'عيليه'، 'هيوفال'، 'شيلو' و'شفوت راحيل'، إضافة إلى سلسلة من البؤر الاستيطانية الرعوية.
قبل الاستيطان الإحلالي، كانت قريوت تمتد على مساحة تجاوزت 22,600 دونم، منها سهول خضراء مزروعة بالزيتون، وأراضٍ زراعية تُروى من ينابيع البلدة الطبيعية. اليوم، لم يتبقَّ منها سوى 1,200 دونم – أغلبها مناطق مصنفة "خطرة"، يُمنع الفلسطينيون من دخولها، وتُفتح أبوابها فقط أمام المستوطنين لتوسيع بؤرهم الاستيطانية. أما المخطط الهيكلي للبلدة فلا يتجاوز 366 دونمًا، ما يعني تجميد أي أفق للتوسع العمراني أو التطوير الخدمي، وإبقاء قريوت في حالة خنق دائم.
وفي وصف مرير وبكلمات موجعة يلخص بشار القريوتي، الناشط في مقاومة الجدار والاستيطان المشهد بقوله: "نحن لا نعيش في قرية، بل في سجن مفتوح يضيق علينا يومًا بعد يوم... قريوت تُخنق، أرضًا وسكانًا وهويةً، في واحدة من أبشع صور المشروع الاستيطاني الإحلالي في الضفة الفلسطينية المحتلة، وكأنما الأرض نفسها تشكو من جرح غائر لا شفاء له".
حرب اقتلاع ممنهجة
رئيس مجلس قروي قريوت، يوسف معمر، يؤكد أن ما يجري ليس طارئًا بل تتويج لمخطط استيطاني قديم، تسارعت خطواته بعد السابع من أكتوبر. ويشير إلى أن الاحتلال سيطر على جميع الأراضي المصنفة (C) وأجزاء واسعة من (B)، بما فيها تلك التي شملها المخطط الهيكلي الجديد للقرية عام 2019. النتيجة: نحو 7200 دونم باتت تحت سيطرة المستوطنات، فيما لم يتبقَّ للأهالي سوى مساحات ضيقة لا تكفي للتوسع العمراني أو الزراعة.
معمر يؤكد أن قريته تتعرض لما وصفه بـ"حرب اقتلاع ممنهجة"، تقودها سلطات الاحتلال الإسرائيلي ومليشيات المستوطنين بحماية جيشها، في سياق تصعيد غير مسبوق أعقب أحداث السابع من أكتوبر.
المياه والزيتون.. شريان حياة مقطوع
لم تتوقف المصادرة عند الأرض فقط، بل طالت ينابيع المياه التي حُولت إلى متنزهات للمستوطنين، بينما يُحرم المزارعون من دخول أراضيهم واستخدامها. هذا الواقع انعكس بشكل مباشر على موسم الزيتون، العمود الفقري لاقتصاد القرية يُقتل. "نُحرم من دخول أراضينا في موسم الزيتون، والمستوطنون يسرقون المحاصيل ويقتلعون الأشجار". أما المياه، فلا تشكّل استثناء. فقد صودرت الينابيع ، في وقت أصبحت فيه المياه رفاهية تُشترى بأسعار باهظة، وكأن حياتنا أصبحت عبئًا على هذه الأرض". يوضح بشار القريوتي.
الاستيلاء على الأراضي الزراعية أدى إلى انهيار شبه كامل في إنتاج زيت الزيتون: "فقدنا أكثر من 80% من سلتنا الغذائية. بعض العائلات كانت تنتج نحو 200 تنكة زيت سنويًا، واليوم بالكاد تنتج ثلاث تنكات. هذا التراجع دفع عشرات العائلات إلى الهجرة قسرًا، في ظل انعدام مقومات الحياة الكريمة". يقول رئيس المجلس القروي.
قريوت تحاصر اليوم بثلاث مستوطنات رئيسية: "شيلو"، "عيليه"، "شفوت راحيل"، يُضاف إليها أكثر من عشر بؤر استيطانية تطوق القرية من كل الجهات، وتعزلها بالكامل عن محيطها الفلسطيني، في محاولة لفرض حصار شامل على هذه البلدة الصغيرة.
استهداف استراتيجي
مدير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في شمال الضفة، مراد اشتيوي، يوضح أن موقع قريوت الاستراتيجي جعلها هدفًا لمخطط إسرائيلي يسعى لفصل شمال الضفة عن وسطها عبر توسيع البؤر الاستيطانية وربطها بالمستوطنات الكبرى. ويؤكد أن هذا المخطط لا يقتصر على قريوت وحدها، بل يندرج ضمن مشروع أوسع لتفكيك الجغرافيا الفلسطينية.
"ومن خلال وحدة متخصصة، تواصل هيئة مقاومة الجدار والاستيطان توثيق الاعتداءات ومتابعتها ميدانيًا بالتنسيق مع المجلس القروي وأهالي القرية ونشطاء من حقوق الانسان، رغم قلة الامكانيات، وتعد وترفع تقارير قانونية وحقوقية إلى الجهات المختصة. الدعم لا يقتصر على الجانب القانوني فقط، بل يشمل إعادة تأهيل الأراضي المهددة، وفتح طرق زراعية مغلقة، وتأمين الحماية للمزارعين بالتعاون مع مؤسسات دولية"، يقول اشتيوي.
ويصف اشتيوي واقع قريوت اليوم بـ "الجزيرة المحاصرة"؛ اذ تحاصرها المستوطنات والبؤر الاستيطانية من كل الجهات، ما تسبب بخنق الامتداد الطبيعي للقرية وبتقليص المخطط الهيكلي بشكل خانق، الأمر الذي يؤثر بشكل مباشر على قدرة الأهالي على البناء والتوسع.
أصوات من الأرض
بين الزيتون والذاكرة، يجلس حسين موسى المعلم المتقاعد ذو الـ62 عامًا وأحد المزارعين، يُصارع في زاوية من القرية ويتأمل بمرارة ما تبقى من أشجار الزيتون في أرضه التي كانت يومًا مصدرًا للرزق والكرامة. ليست هذه مجرد قصة عن أرض سُلبت، بل شهادة حية على نكبة مستمرة، وقصة صمود في وجه آلة استيطانية لا تتوقف عن التوسع والقضم والاقتلاع.
موسى يلخص المأساة بمرارة: "في 23 حزيران 2025، اقتلعت آليات الاحتلال 75 شجرة زيتون زرعتها بيدي منذ أكثر من أربعين عامًا. لم يقتلعوا أشجاري فقط، بل اقتلعوا ذاكرتي وتاريخي".
وبنبرة تختلط فيها مرارة الخسارة بعزيمة لا تنكسر، يروي موسى: "منذ أكثر من أربعين عامًا، وأنا أزرع أرضي في سهل عين مرة. زرعت بيدي 75 شجرة زيتون عام 1982، كانت تكبر معي ومع أولادي. وفي 23 حزيران 2025، جاءت جرافات الاحتلال واقتلعتها من جذورها. وكأنهم اقتلعوا قلبي معها."
ويروي موسى لحظات الألم منذ بدايتها: "بدأت المعاناة عام 1978، مع إقامة مستوطنة 'شيلو' على أراضٍ زراعية جنوب قريوت، تفصلها عن بلدة ترمسعيا. لم تكتفِ بسرقة الأرض، بل بدأت بالتوسع شرقًا وغربًا، مستبيحة مئات الدونمات من أراضي 'رأس مويس'، 'الصرارة'، 'عين مرة'، و'المرحان'."
ثم توالت الكارثة، كما يقول، مع إقامة مستوطنة "رحيل" شرق "شيلو"، ومن بعدها "عيليه" غربًا، تتبعها بؤر استيطانية متناثرة كأورام خبيثة، تُحاصر القرية من ثلاث جهات.
"اليوم، لم يتبقّ لنا سوى حدود بيوتنا، فيما أُغلقت كل المنافذ الأخرى. لا نُمنع فقط من زراعة أرضنا.. بل يُعرض علينا شراؤها! في وصف دقيق لسياسات الاستيطان، يقول موسى.
ويختتم موسى.. نحن لا نطلب المستحيل، فقط نطالب بالعدالة.. أن نعيش على أرضنا دون خوف، وأن تُردع يد البطش والاستيطان.
أثمان إنسانية باهظة
الاقتحامات شبه اليومية، غالبًا في أوقات دوام المدارس، حولت حياة الأهالي إلى جحيم دائم. الطفلة بانا أمجد بكر، التي استشهدت داخل منزلها برصاص قناص، تمثل شاهدًا على استهداف حياة المدنيين والأطفال بشكل مباشر. إلى جانب ذلك، دفعت الاعتداءات المتكررة والعجز عن الزراعة عشرات العائلات إلى الهجرة القسرية، ما يهدد النسيج الاجتماعي للقرية.
ما يجري في قريوت ليس حدثًا معزولًا، بل نموذج مصغّر للنكبة المستمرة التي يعيشها الفلسطينيون. الأرض تُسلب، والموارد تُصادر، والإنسان يُستنزف في معركة بقاء يومية. وبينما يواصل الاحتلال مخططه الاستيطاني بخطى متسارعة، يبقى صمود الأهالي أملهم الوحيد لوقف نزيف الأرض والهوية.
قريوت، بكل ما تحمله من معاناة، تبقى صامدة رغم الظلام الذي يحيط بها. ولكن، هل سيسمع العالم ندائها قبل فوات الأوان؟ لا تتركوا قريوت تسقط في صمت. فكل حجر هنا هو تاريخ، وكل شجرة هي صرخة من الأرض، وكأن الكلمات وحدها لم تعد كافية لشرح حجم المعاناة.
مواضيع ذات صلة
الأحمد: الصين لعبت دورًا سياسيًا ودبلوماسيًا مميزًا دعمًا للقضية الفلسطينية
3 شهداء في قطاع غزة برصاص الاحتلال منذ صباح اليوم
جائزة زايد للأخوّة الإنسانية تُكرّم مؤسسة «التعاون» الفلسطينية لعام 2026
إصابة مواطن واقتحام وعمليات هدم واسعة في مخيم قلنديا وكفر عقب وشارع المطار شمال القدس المحتلة
"بتسيلم": سجون الاحتلال تحولت إلى شبكة معسكرات تعذيب.. 84 شهيدًا وقرابة 11 ألف أسير
إصابة مواطن واقتحام وعمليات هدم واسعة في مخيم قلنديا وكفر عقب وشارع المطار شمال القدس المحتلة
السفيرة الخالدي تُطلع وزير الخارجية السلوفاكي على آخر المستجدات بشأن حرب الإبادة وخطة الإعمار