12 ألف شجرة زيتون قلعت ..خسارة الأرض وغياب الموسم
مجزرة زراعية في المغير بفعل الاستيطان والاحتلال

* 80% من أهالي البلدة خسروا موردهم الزراعي المباشر نتيجة الاجتياح التدميري
رام الله- الحياة الاقتصادية- ميساء بشارات- في سهول بلدة المغير، شرق رام الله، حيث كانت أغصان الزيتون تنبض بالحياة وتتهيأ لحمل موسمها الجديد مع اقتراب تشرين، تحول المشهد إلى صحراء من الجذوع المقتلعة، ثلاثة أيام متواصلة من اقتحام جيش الاحتلال، انتهت بانتزاع نحو 12 الف شجرة زيتون لتتحول حياة مئات العائلات إلى انتظار فارغ، بعدما كانت تتأمل موسم القطاف القادم ليكون ركيزة دخلها.
لا يقتلع الاحتلال أشجار الزيتون من أجل إضعاف المزارعين فقط، بل من أجل فتح الطريق أمام زحف استيطاني مدروس. فالمغير، وتحديدا سهلها الشرقي، يشكل الحاجز الطبيعي بين البؤر الاستيطانية المتناثرة وبين ربطها ببعضها البعض في كتلة متصلة.
ووفقا لما أفاد به مسؤولون محليون، فإن اقتلاع الأشجار يأتي في إطار خطة تهدف إلى عزل البلدة عن محيطها الجغرافي وخلق تواصل بين بؤر استيطانية، مما يمهد لاحقا لضم الأراضي فعليا.
وهذه الجريمة البيئية والزراعية ليست حدثا طارئا، بل حلقة جديدة في سلسلة ممنهجة من سياسات الاستيطان والضم التدريجي للأراضي، تهدف إلى خنق الحيز الزراعي الفلسطيني، وتفريغ سهل المغير من مزارعيه، تمهيدا لتحويله إلى رابط جغرافي بين البؤر الاستيطانية المحيطة.
لكن ما لا يظهر في صور الجرافات، هو الألم الاقتصادي العميق الذي يتكبده أصحاب الأرض: فموسم الزيتون ليس مجرد طقس زراعي تقليدي، بل مورد دخل أساسي للمئات من العائلات في المغير. وبحسب تقديرات رئيس جمعية المغير التعاونية للإنتاج الزراعي، فإن اقتلاع هذا العدد الهائل من الأشجار يشكل نكسة اقتصادية في لحظة كان المزارعون يعولون فيها على عائدات الموسم لتسديد ديونهم، أو لإعالة أسرهم في ظل تدهور الأوضاع المعيشية.

لم يكن رئيس جمعية المغير التعاونية للإنتاج الزراعي غسان أبو عليا يتحدث عن "أرض"، بل عن سيرة حياة. في حديثه لـ"الحياة الاقتصادية"، يروي كيف أن عائلته تملك أراض في سهل المغير تعود ملكيتها لوالده وأجداده، زرعت فيها أشجار الزيتون منذ أجيال.
يقول: "الزيتون اللي هناك زرعه سيدي، وكمل عليه أبوي، وأنا كملت معهم... في أشجار زرعها أبوي وهو طفل، واليوم عمره 75 سنة."
هذه الأراضي أكثر من 22 دونما كانت مزروعة بالكامل بأشجار الزيتون، أغلبها معمرة عمرها يتجاوز المئة عام، وبعضها أعيد تجديده في العقود الأخيرة. لكن خلال اقتحام استمر ثلاثة أيام فقط، جرفت قوات الاحتلال مئات الأشجار في تلك القطع، وأغلقت الطرق المؤدية لقطع أخرى مصادرة لا يمكن الوصول إليها.
يشير أبو عليا إلى أن التقديرات الأولية في البلدة ترجح أن عدد الأشجار المقتلعة في سهل المغير يتراوح بين 10 إلى 12 ألف شجرة زيتون، مضيفا: هذه ليست عملية عشوائية، الاحتلال عنده خطة، الهدف مش بس الشجر، الهدف هو الإنسان... لما تقتلع الشجرة، أنت بتقتلع العائلة اللي عايشة منها."
وعن الأثر الاقتصادي، يوضح أن المغير بلدة زراعية كانت تعتمد بشكل أساسي على الزيتون، والمحاصيل الحقلية، وتربية الأغنام، لكن الاحتلال لم يكتف بقلع الأشجار بل كانوا قد طردوا أصحاب الأغنام من المراعي، وحاصروها، وحتى من كان يملك أراض بعيدة أحرقوها.
وكانت تبلغ مساحة المغير 43 ألف دونم، واليوم لم يتبق منها إلا حوالي 950 دونم فقط. يوضح أبو عليا
ويضيف بأسى: "إحنا كنا ننتظر موسم الزيتون مثل الناس بتستنى راتب السنة، الزيت اللي ننتجه كنا نبيعه، وكل عائلة تعتاش منه، وكان يعتبر موسم جيد ممكن يجيب 30 أو 40 تنكة زيت، كل تنكة تنباع بـ 400 شيكل... واليوم راح الموسم، وراح التعب، وراح مصدر دخل العيلة."
وعن اللحظة التي شاهد فيها الخراب، يقول غسان: "اليوم الثالث بعد ما انسحب الجيش، دخلنا من مسرب جبلي. لما وصلت، شفت الأرض صارت صحراء... الزيتون مخلوع، الأرض ناشفة، كأنها نكبة جديدة، والله ما في وصف، هاي مش شجرة، هاي حياة، هذا تاريخ أجيال اقتلعوه بثلاثة أيام."
لكنه رغم كل شيء، لم ينهزم: "إحنا بنشتغل الآن مع مؤسسات لإعادة زراعة الأشجار المقتلعة، في الأرض أو في حاويات، وبنحاول ننقذ اللي بنقدر عليه، ونرجع الحياة للسهل."
وفي ختام حديثه، شدد على أن ما يجري ليس مجرد جريمة بيئية أو زراعية، بل سياسة ممنهجة لاقتلاع الناس من الأرض:"قلعوا الزيتون حتى يحاصرونا اقتصاديا ونفسيا... بس إحنا بنعرف، الأرض إلنا، وهم مارقين، والأرض بتعرف صحابها، وبتشتاق إلهم".
الحاج محمد: " اقتلاع حياة كاملة في خدمة مشروع استيطاني متسارع"
في حديثه لـ"الحياة الاقتصادية"، يؤكد الناشط المجتمعي كاظم الحاج محمد أن ما جرى في سهل المغير لم يكن حادثا طارئا، بل فصل جديد من سياسة ممنهجة هدفها تفريغ الأرض من أصحابها لصالح مشروع استيطاني متسارع.
"تم اقتلاع ما يقارب 12 ألف شجرة زيتون في ثلاثة أيام فقط"، يقول الحاج، مشيرا إلى أن الأشجار التي اقتلعت ليست حديثة الغرس، بل أشجار معمرة يزيد عمر معظمها عن مئة عام، تنتج زيت وزيتون يعتبر مصدر دخل رئيسي لعشرات العائلات في البلدة.
ويضيف الحاج محمد: "الزيتون كان موردنا الرئيسي، عائلات كانت تعتاش على عشرين أو ثلاثين تنكة زيت سنوي، هذا الموسم انتهى، بل محي تماما".
ووفق تقديره، 80% من أهالي البلدة خسروا موردهم الزراعي المباشر نتيجة هذا الاجتياح، مؤكدا أن كل عائلة في المغير تملك على الأقل قطعة أرض في المنطقة الشرقية وهي ذاتها التي حوصرت وتم تدمير أشجارها أو مصادرتها.
لكن الأضرار لم تقتصر على الزراعة. يقول كاظم: "نحن نتحدث عن تدمير بيئي، وتدمير اقتصادي، وتضييق ممنهج، والاحتلال لا يكتفي باقتلاع الزيتون، بل يمنعنا من الوصول إلى آلاف الدونمات منذ السابع من أكتوبر، وهي أراض شاسعة لا زلنا محرومين من دخولها."
ويشرح الحاج محمد كيف يجري تنفيذ هذه السياسة بطريقة مدروسة، تأتي متزامنة مع خطوات استيطانية واضحة في محيط البلدة، عبر التوسع، وشق الطرق، وبناء وحدات استيطانية، وكل ذلك تحت ذرائع أمنية مكررة، بل وأحيانا بحضور مسؤولين سياسيين إسرائيليين.
يقول: "حتى أعضاء في الكنيست شاركوا في اقتلاع الأشجار، الأمر يتم بغطاء سياسي وعسكري كامل".
وكان العام الماضي قد نصب المتطرف بن غفير خيمته على المدخل الشرقي للمغير، وأخذ يحرض المستوطنين على مهاجمة القرية، مطالبا بترحيل سكانها وهدم وتجريف كل البيوت والأراضي.
ويشير إلى أن مساحة أراضي المغير سابقا بلغت حوالي 45 ألف دونم، لكن معظمها أصبح اليوم تحت السيطرة الإسرائيلية أو في مناطق لا يمكن الوصول إليها. "لم يتبق لنا من الأرض إلا أقل من ألف دونم"، يقول بأسى.
وعند سؤاله عن التوجه للمؤسسات الحقوقية أو الدولية، يجيب بصراحة: " الكل جاء، وصور، ووثق. لكن فعليا، لا أحد يوقف الجرافات، الناس تنتظر فعلا لا أرشفة."
ويختم حديثه بنبرة حزينة: "هذا تهجير صامت، ما لم يستطيعوا فعله دفعة واحدة، ينجزونه عبر الاقتلاع التدريجي لكل مقومات البقاء".
في قرية المغير الواقعة على تخوم الغور، لا يحتاج الأهالي إلى دراسات استراتيجية لفهم ما يجري، كل شجرة تقتلع، وكل دونم يجرف، هو مؤشر على مشروع تهويدي ينفذ بدم بارد وبأدوات مدنية وعسكرية.
بهذه النبرة تحدث مرزوق أبو نعيم، عضو مجلس قروي المغير، وواحد من المتضررين المباشرين من حملة التجريف والاقتلاع التي تنفذها قوات الاحتلال وجرافاته منذ أيام في السهل الشرقي للقرية.
يقول أبو نعيم: "35 شجرة زيتون مثمرة تم اقتلاعها من أرضي الشخصية أمام عيني، أشجار عمرها يزيد عن مئة عام، ليست ملكا لنا فقط، بل إرث أجداد، اقتلعوها في لحظات، وكأنهم يقتلعون قلب الإنسان".

هجوم ممنهج... يبدأ بالجرافة وينتهي بالإخلاء القسري
لم يكن ما جرى بحسب أبو نعيم وغيره من البلدة حدثا عابرا أو رد فعل أمني كما تدعي سلطات الاحتلال، بل جزء من مخطط واضح بدأ منذ أشهر، يتضمن شق طريق استيطاني جديد يربط منطقة "الرفيد" بمنطقة "قلاصون"، مرورا بالسهل الشرقي لبلدة المغير، وصولا إلى شارع "ألون" الاستيطاني.
ويتابع ان الهدف ليس الطريق فقط، بل إعادة ترسيم حدود القرية جغرافيا بما يخدم التوسع الاستيطاني ويحول آلاف الدونمات الزراعية إلى مناطق عسكرية مغلقة.
ويؤكد أبو النعيم أن جرافات الاحتلال حولت آلاف الدونمات المزروعة بالكامل إلى أرض مجردة، كما منعت المزارعين من محاولة إنقاذ أشجارهم المقتلعة أو إعادة زرعها في أماكن أخرى.
ويشدد أبو نعيم على أن استهداف الزراعة ليس قضية عاطفية بل ضربة اقتصادية حاسمة ضد نمط الحياة الريفية الذي تعيشه المغير، فالناس كانت تنتظر موسم الزيتون لتأمين الزيت والرزق لعام كامل، الآن لا زيت، ولا موسم، ولا شجر، بل نكبة اقتصادية شاملة.
ويضيف: "لم تتوقف الاعتداءات على الزراعة فقط، الاحتلال صادر الأراضي والمراعي، ما أجبر مئات المزارعين على بيع قطعانهم من الأغنام، فالمراعي صودرت أو أُغلقت، والأعلاف باتت مكلفة، ومن كان لديه 200 رأس غنم، لم يبق معه سوى 30 رأسا بالكاد يستطيع إطعامها.
ويؤكد أبو النعيم اننا اليوم أمام عملية تفريغ بطيئة، ترحيل مقنع.، كل شيء مدروس: شق الطرق، تدمير المواسم، التضييق على المراعي، وفرض معادلة اقتصادية مستحيلة تجعل البقاء خيار غير ممكن.
يعتقد أبو نعيم أن موقع المغير الاستراتيجي، باعتبارها آخر قرية فلسطينية شرقية تتبع لمحافظة رام الله وتشرف على امتداد الغور، هو ما يجعلها هدفا رئيسيا للمشروع الاستيطاني.
يشير الى ان المغير شوكة في ظهر المخطط الاستيطاني، هي عقدة وصل بين مستوطنات محيط الغور، ولذلك يسعون بكل الوسائل إلى اقتلاع سكانها تدريجيا.
ويتابع: "حتى صفحات المستوطنين على وسائل التواصل باتت تتحدث بصراحة عن ضرورة ترحيل المغير، هذا ليس رأي فردي، بل سياسة حكومية واضحة، تنفذها الجرافات والجيش معا.
واعتمدت المغير لعقود على الإنتاج الزراعي بشقيه النباتي والحيواني، ولكنها اليوم تشهد انهيارا متسارعا في منظومتها الاقتصادية.
أبو نعيم يلخص المأساة بقوله: "كنا ننتج، نزرع، نحصد، نطعم أولادنا من أرضنا، اليوم صرنا نشتري الزيت، نبيع الأغنام، وننتظر المعونات".
ويختم بغصة: "هذا ليس فقط احتلال أرض، بل احتلال حياة، الاحتلال يعرف أن السيطرة على الاقتصاد المحلي هي الطريق الأسرع لتهجيرنا دون الحاجة لجندي واحد".
الزيتون ليس فقط محصول موسمي، بل شبكة اقتصاد اجتماعي، من جني المحصول إلى عصره وتخزينه وتسويقه محليا وتصديره، وغياب الموسم يعني حرمان مئات العمال من فرص عمل مؤقتة يعتاشون عليها في أشهر القطاف.
مواضيع ذات صلة