أزمة المياه في رام الله والبيرة.. معاناة متفاقمة وحلول مؤجلة

وفرة المياه في المحافظة رهينة لتقلبات سياسية، تقنية، وبيئية خارجة عن السيطرة الفلسطينية
رام الله- الحياة الاقتصادية- حنين خالد- تشهد محافظة رام الله والبيرة واحدة من أشد الأزمات المائية في تاريخها الحديث، أزمة لم تعد موسمية أو ظرفية، بل أصبحت بنيوية تمس كل بيت وحي وتجمع سكني.
ومع ارتفاع درجات الحرارة في فصل الصيف، تتصاعد معاناة المواطنين؛ ويصبح الحصول على المياه تحديا يوميا يهدد أبسط مقومات الحياة.
مصادر محدودة
عادل ياسين، مدير عام التخطيط في سلطة المياه، يكشف في لقاء مع "الحياة الاقتصادية" عن الصورة الكاملة لأزمة انقطاع المياه في محافظة رام الله والبيرة.
ويؤكد ياسين أن "أزمة المياه في رام الله والبيرة أزمة بنيوية"، تعود في جوهرها الى نقص حاد في المصادر وتحديات في التوزيع، وسط ارتفاع حاد في الطلب خلال فصل الصيف.
ويقول: نعتمد على مصدرين رئيسيين للمياه هما: حقل آبار عين سامية الذي يغطي 12% فقط من احتياجات المحافظة، وشركة "ميكوروت" الإسرائيلية التي توفر 88% من المياه عبر عدة نقاط تزويد، أبرزها محطة ضخ بيتونيا.
ويتابع: هذه المعادلة المختلة جعلت المحافظة رهينة لتقلبات سياسية، وتقنية، وبيئية خارجة عن السيطرة المحلية.
وحسب ياسين فانه لا توجد منطقة "مروية بالكامل"، ولا توجد منطقة في المحافظة تتلقى المياه بشكل دائم أو منتظم طوال الأسبوع، مؤكدا ان كافة المناطق في المحافظة تخضع لجدول توزيع صارم؛ في بعض الأحيان مرتين في الأسبوع، وأحيانا مرة واحدة، وقد تمتد الفجوات إلى أسبوعين في بعض المناطق؛ كمناطق شمال غرب رام الله وفي مقدمتها: مزارع النوباني، قراوة بني زيد، عارورة، وكفر عين، إلى جانب القرى المجاورة. كما أن مناطق شمال شرق رام الله مثل دير جرير، سلواد، بيرزيت، وعين سينيا تواجه نقصا متوسطا لكنها مستمرة.
خمسة أسباب
ويحدد ياسين خمسة أسباب رئيسية لانقطاع المياه المتكرر هي:
أولا: القيود الإسرائيلية على كميات المياه الموردة.
ثانيا: الطلب المتزايد في الصيف.
ثالثا: بنية تحتية متهالكة في بعض المناطق، تتسبب بفقد كميات كبيرة من المياه.
رابعا: انخفاض الضغط من المصدر الرئيسي (ميكوروت)، ما يؤدي لحرمان المناطق الطرفية والمرتفعة من الحصص المستحقة.
خامسا: نظام التوزيع القائم على "الدور" والذي يترك بعض المناطق دون مياه لفترات طويلة.
تداعيات الأزمة.. شاملة ومتشعبة
ويصف ياسين تداعيات الأزمة بأنها شاملة ومتشعبة: فعلى الصعيد الفردي تتدهور النظافة الشخصية، وتنتشر الأمراض، وتزداد المعاناة النفسية نتيجة الإحساس بالعجز عن تلبية الحاجات الأساسية للعائلة.
أما الصعيد الاجتماعي؛ فتؤثر على العلاقات المجتمعية، حيث يتحول النزاع على الماء إلى خلافات بين الجيران، ويصل الأمر إلى خلافات مع الهيئات المحلية، كما حدث مؤخرا في منطقة غرب رام الله بين بلديات بيت لقيا وبيت عور التحتا وصفا بسبب الاعتداء على الحصص المائية.
ويضيف: على الصعيد البيئي تتراكم النفايات وتغيب النظافة العامة، ما يسيء إلى صورة المدينة، ويهدد الصحة العامة.
أما على الصعيد الاقتصادي فترتفع تكاليف صهاريج المياه و"السوق السوداء"، ويؤدي نقص الري إلى تراجع الإنتاج الزراعي، خصوصا في قطاع الخضراوات والورقيات، ما يؤدي الى ارتفاع اسعارها ويضعف الأمن الغذائي المحلي.
أزمة مزدوجة
يؤكد ياسين ان "الأزمة مزدوجة"، حيث يوجد نقص فعلي في كميات المياه المتاحة من المصدر (ميكوروت)، كما توجد مشاكل في نظام التوزيع نفسه.
ويقول: الضغط غير المستقر في الخطوط الناقلة، وطبوغرافية المناطق المرتفعة والمنخفضة، تؤدي إلى تفاوت كبير في التزويد، فالأحياء المرتفعة لا تصلها المياه بسبب ضعف الضغط، في حين تعاني الأحياء المنخفضة من ضغط مرتفع يؤدي إلى تشقق الأنابيب وزيادة نسبة الفاقد.
ويتابع: تعمل سلطة المياه بالشراكة مع مصلحة مياه القدس ودائرة مياه الضفة على إجراءات عاجلة وايجاد حلول ووضع محاولات اسعافية وخطط طويلة الأمد من خلال إرسال صهاريج مياه للمناطق التي لا تصلها المياه، وتعزيز فرق الصيانة وتوفير قطع الغيار، وحملات توعية لترشيد الاستهلاك، وإعادة جدولة التوزيع لصالح المناطق الأكثر تضررا.
ويضيف: أما على المدى المتوسط والطويل، تواصل سلطة المياه تنفيذ مشروع نقاط الربط (مشروع عابود) شمال غرب رام الله، لشراء 25 ألف متر مكعب يوميا من (ميكوروت) ومن المتوقع اكتمال المشروع، الذي سيمثل تحولا جوهريا في واقع المياه بالمحافظة، نهاية عام 2027.
تمويلات دولية وجهود بنيوية
ويشير ياسين الى انه تم تخصيص 30 مليون يورو من وكالة التنمية الفرنسية والاتحاد الأوروبي لتمويل مشروع عابود، كما تنفذ مصلحة مياه القدس مشاريع تطويرية بتمويل من بنك التنمية الألماني تشمل توسيع الشبكات وإنشاء خطوط ناقلة جديدة، واستخدام عدادات ذكية لضبط الاستهلاك وتقليل الفاقد، اضافة لكفاءة التزويد وإن كانت محدودة.
ويؤكد إن رام الله والبيرة تمتاز نسبيا بكفاءة مقبولة مقارنة بباقي المحافظات حيث ان نسبة الفاقد في المحافظة لا تتجاوز الـ 28% مقابل 38% كمعدل عام في الضفة المحتلة، مشيرا الى ان ذلك يعود إلى الصيانة الدورية واستبدال العدادات، وحملات التوعية، إضافة لارتفاع معدل التحصيل لأكثر من 90%، ما يمكن المصلحة من تحسين خدماتها واستجابتها للأعطال.
تقليل الإمدادات في فترات الذروة
خلال الصيف، ترتفع درجات الحرارة، ويزداد التبخر، ما يعني فاقدا مائيا إضافيا، كما ان الطلب يتضاعف في ظل تراجع التزويد، ما يؤدي إلى ضغط غير مسبوق على الشبكة، وتعطل المضخات أحيانا، حسب ياسين.
ويضيف: "ما يزيد الطين بلة، أن شركة (ميكوروت) الإسرائيلية تقلل الإمدادات في فترات الذروة وتعطي الأولوية للمستوطنات، ما يضاعف الأزمة".
ويشير إلى وجود ظواهر سلبية ومخاطر اجتماعية متزايدة كظاهرة العبث بشبكات المياه والمحابس، سواء من قبل أفراد أو هيئات محلية، في محاولة للحصول على حصص أكبر، ما يحدث خللا بجدول التوزيع ويهدد الاستقرار المجتمعي ويزيد من صعوبة إدارة الأزمة.
ويختتم ياسين حديثه قائلا: "خلاصة المشهد ان ما تواجهه محافظة رام الله والبيرة ليس مجرد مشكلة مياه، بل أزمة مستفحلة تهدد الحياة اليومية على كل المستويات، وتحتاج هذه الأزمة إلى إجراءات سريعة، ومحاسبة عادلة، وتكامل في العمل بين جميع الأطراف، بعيدا عن التجاذبات السياسية والمحاصصة الجغرافية.
ويؤكد: "المواطنون لا يطلبون رفاهية، بل حقا أساسيا في الحياة: كوب ماء نظيف في زمن الجفاف والعطش".
واقع مأزوم وحلول بطيئة التنفيذ
فارس المالكي مدير العلاقات العامة في مصلحة مياه محافظة القدس يقول لـ "الحياة الاقتصادية": "أزمة المياه في رام الله والبيرة واقع مأزوم وحلول بطيئة التنفيذ؛ في ظل صيفٍ قائظٍ وظروفٍ معيشيةٍ تزداد صعوبة، تتفاقم أزمة المياه في محافظة رام الله والبيرة لتتحول من مجرد"."انقطاعات عابرة إلى معاناة يومية تثقل كاهل المواطنين وتضعهم في مواجهة قاسية مع أساسيات الحياة. الأزمة التي طال أمدها، لم تعد تقتصر على ندرة المياه، بل كشفت عن خلل هيكلي في البنية التحتية، وسوء في إدارة التوزيع، وضعف في الاستجابة الطارئة، وسط تفاقم الأوضاع السياسية والاقتصادية في البلاد".
ويضيف: توجد مناطق منكوبة بالعطش، بلدات وقرى مثل بيرزيت، عطارة، جفنا، وعين سينيا باتت ترزح تحت وطأة الانقطاع المتواصل للمياه. هذه المناطق، التي تفتقر لربط مباشر بمصادر المياه القريبة، أصبحت بؤرا لأزمة خانقة، خصوصا بعد التراجع عن قرار سابق بربطها بمصادر مياه من بلدة عابود، في أعقاب الحرب على غزة.
ويتابع: " القاسم المشترك بين معظم التجمعات السكنية هو غياب انتظام المياه. ففي بعض البلدات، لا يرى المواطنون المياه لأسابيع، بينما يحصل سكان منطقة الامتياز على المياه بمعدل يومين أسبوعيا فقط. وفي الوقت الذي ترتفع فيه درجات الحرارة، يتسع العطش وتتزايد الحاجة، لكن المياه لا تأتي".
ويشير الى وجود اسباب متعدد لأزمة المياه لكن أخطرها هو اعتداءات المستوطنين المتكررة على آبار المياه، خصوصا في منطقة عين سامية، ما يحرم 19 تجمعا فلسطينيا من مصدرهم الأساسي، اضافة الى قطع شركة "ميكوروت" الإسرائيلية، للمياه بشكل مفاجئ تحت ذرائع "صيانة الخطوط"، ما يربك الإمدادات، ناهيك عن تقليص الكميات الموردة من قبل الجانب الإسرائيلي، وهو ما أدى مؤخرا إلى خسارة أكثر من 15,000 متر مكعب من المياه خلال ساعات قليلة.
وأكد ان تأثيرات الأزمة تمتد إلى كل نواحي الحياة (الصحة، النظافة، الزراعة، والاقتصاد)، فالعائلات باتت تؤجل غسل ملابسها، وتستخدم مياه الأواني والمكيفات لأغراض التنظيف، وتضطر إلى شراء صهاريج مياه بأسعار باهظة لا تتناسب مع ظروفها الاقتصادية. أما المزارعون، فتكبدوا خسائر جسيمة، بعد أن جفت أراضيهم وذبلت محاصيلهم.
وقال المالكي: رغم ضخ أكثر من 20 مليون شيقل خلال السنوات الماضية في مشاريع تطويرية، إلا أن الأزمة ما زالت تراوح مكانها، مشيرا الى ان مصلحة مياه محافظة القدس تعمل بالتعاون مع سلطة المياه على تطوير شبكات جديدة، أبرزها في بيرزيت وكوبر، إلى جانب مشروع إنشاء خزان مركزي في منطقة (ج) وهو مشروع طموح لكنه لا يزال رهينة الموافقة الإسرائيلية.
وأضاف: رغم الجهود الفنية المبذولة، تتسبب أعطال الشبكات وتسرب المياه الناتج عن أعمال الإنشاءات بخسائر فادحة، حيث يقدر الفاقد من المياه بنحو 25% وهي نسبة تمثل عبئا إضافيا في ظل الشح القائم.
أصوات من قلب المعاناة
أم ناصر من رام الله تقول لـ "الحياة الاقتصادية": "أعيش على حد الكفاف. المياه تنقطع لأيام طويلة، وأضطر لاستخدام مياه الجلي ومياه المكيف للنظافة. لا أملك ثمن شراء صهريج مياه، والرواتب لا تكفي لسد احتياجاتنا الأساسية. هناك ظلم واضح في توزيع المياه بين المناطق".
وتوجه نداء عاجلا للمسؤولين: "نطالب بتوزيع عادل ومواعيد منتظمة. يجب إصلاح الخطوط بشكل دوري، خاصة في هذا الحر اللاهب. نريد حلا حقيقيا، لا وعودا مؤجلة".
أما أم مهند من البيرة فتقول: "الوضع لا يطاق! نعيش أسبوعا أحيانا دون نقطة ماء. نشتري صهاريج بأسعار مرتفعة، ونحن أصلا نكافح من أجل لقمة العيش. لا يجوز أن يتحمل المواطن وحده أعباء هذه الأزمة. نحتاج إلى خطة طوارئ حقيقية تنقذنا".
وختاما؛ يؤكد المالكي أن أزمة المياه في رام الله والبيرة هي أزمة بنيوية تتطلب حلولا جذرية، تبدأ من تحسين البنية التحتية، وتنتهي بتعزيز السيادة على الموارد المائية. ويضيف: "لن نتوقف عن السعي لتأمين المياه للمواطنين. نعلم أن الطريق شاق، لكن لا بديل عن التخطيط السليم والتعاون الفعال. الأزمة مستمرة، لكننا لن نسلم بها كقدر".
ويبقى السؤال المطروح : متى يتحول الحق في المياه من شعار إلى واقع يومي ملموس؟ وهل ننتظر موسم عطش جديد، أم نبادر قبل أن تروى الأرض بدموع العطش بدلا من مياه الحياة؟
مواضيع ذات صلة
الذهب يتجاوز عتبة الـ5 آلاف دولار للأونصة والنفط يواصل الارتفاع
الشائعات تشعل أزمة غاز مصطنعة في الضفة
أزمة الغاز .."التخزين الزائد يساوي الحرمان لغيرك"
أسعار الذهب تقترب من 5 آلاف دولار للأونصة
"الإحصاء": عجز الميزان التجاري ارتفع بنسبة 43% خلال تشرين ثاني الماضي
انخفاض أسعار الذهب في المعاملات الفورية
الذهب يرتفع إلى مستوى قياسي