منصات التواصل والوعي السياسي في فلسطين.. من يُشكّل من؟
خبراء لـ "الحياة الجديدة": المنصات الرقمية ساحة حرب ضد السردية الفلسطينية

رام الله- الحياة الجديدة- عبير البرغوثي- تحوّلت منصات التواصل الاجتماعي في زمن التحولات الرقمية السريعة، من مجرد مساحة للتفاعل الشخصي إلى ساحة مركزية لتشكيل الرأي العام وصناعة الوعي السياسي. وفي فلسطين، حيث يتقاطع المشهد الإعلامي التقليدي مع الفضاء الرقمي في بيئة سياسية معقدة، يطرح خبراء ومختصون أسئلة جوهرية: من يقود الآخر؟ هل تصنع المنصات جمهورها، أم أن الجمهور هو الذي يفرض ترنداته على المنصات؟ وكيف تتداخل الخوارزميات، وضغوط الجمهور الرقمي، والانقسامات السياسية، في صياغة أولويات النقاش العام؟
ولم تعد المعركة على الأرض وحدها، بل انتقلت إلى الشاشات والمنصات الاجتماعية، حيث تخوض السردية الفلسطينية مواجهة يومية مع خوارزميات تفرض قيودًا على المحتوى وتحدّ من انتشاره. وبينما يزداد اعتماد الجمهور الفلسطيني على هذه المنصات كمصدر رئيسي للمعلومة السياسية، يحذر خبراء من أن هذه الأدوات قد تتحول إلى سلاح موجه ضد الحقيقة الفلسطينية.
الخوارزميات.. اليد الخفية التي توجه الميول السياسية
الدكتور محمد أبو الرب، مدير مركز الاتصال الحكومي، يؤكد أن الخوارزميات تتحكم في حجم ونوعية المحتوى الذي يصل للجمهور، وتعمل على إبراز مواد معينة وحجب أخرى، مشيرًا إلى أن المحتوى الفلسطيني يخضع لتقييد متعمد، حيث تؤدي بعض الكلمات المفتاحية المرتبطة بالقضية الفلسطينية إلى خفض الوصول أو حذف المحتوى كليًا.
ويرى أبو الرب أن هذه السياسات الرقمية تمثل شكلاً جديدًا من أشكال الحرب على الرواية الفلسطينية، ما يجعل الناشط الرقمي في مواجهة مستمرة مع منصات يفترض أنها مساحة حرة للتعبير.
ويوضح أبو الرب، أن الخوارزميات هي "العقل الخفي" الذي يتحكم في طبيعة المحتوى الذي يراه المستخدم، إذ ترتبط بآلية إبراز الترندات والمحتوى الأكثر تداولًا، وتعمل على إعادة عرض مضامين مشابهة لما سبق أن جذب المتابع. وبذلك، تتحول واجهة المستخدم إلى فضاء متجانس في الأفكار والمواضيع، ما يوجه الميول العامة بشكل غير مباشر.
ويرى أبو الرب أن منصات التواصل فتحت الباب أمام صعود الناشط الرقمي كمؤثر سياسي، منافسًا السياسي التقليدي في الوصول للجمهور، مستفيدًا من قلة التكلفة وسرعة الانتشار. لكن هذه المنافسة تحمل وجهًا سلبيًا، إذ قد تُهمّش الأصوات الأقل شعبية وتضعها خارج دائرة الاهتمام، ما يشكل خطرًا على تنوع الآراء وصحة الرأي العام.
الترندات.. مؤشر للرأي العام أم أداة للتوجيه؟
الدكتور إبراهيم ربايعة، الأكاديمي والباحث في السياسة والعلاقات الدولية، يؤكد أن الترندات السياسية على منصات التواصل أصبحت مرآة لتوجهات الرأي العام، لكنها ليست دائمًا انعكاسًا حقيقيًا، إذ قد تكون موجّهة ضمن حروب إعلامية وإستراتيجيات دعائية عابرة للحدود.
ويشير إلى أن ما يبدو "ترندًا" سياسيًا على السوشيال ميديا قد يكون موجهًا ومصطنعًا ضمن حروب إعلامية منظمة، وأن الصحافة المحلية كثيرًا ما تجد نفسها تحت ضغط هذه الموجات، ما ينعكس على أولويات التغطية.
ويضيف أن هذه البيئة الرقمية المشحونة قد تدفع الصحفيين إلى ممارسة رقابة ذاتية خشية خسارة الجمهور أو التعرض للإغلاق، وهو ما يفتح الباب أمام تراجع المساحة المتاحة للسردية الفلسطينية.
ويحذر ربايعة من أن غرف الأخبار المحلية قد تخضع لهذه الموجات، إما تماشيًا مع رغبة الجمهور في سبيل رفع نسب المشاهدة وجذب الإعلانات، أو خوفًا من النقد والهجوم، وهو ما يدفع بعض الصحفيين لممارسة رقابة ذاتية والابتعاد عن ملفات حساسة.
الإعلام التقليدي.. بين التكيّف والتراجع
وفي سياق العلاقة بين الإعلام التقليدي والصحفيين المستقلين على المنصات، يرى ربايعة أن الصحفي اليوم بات مصدرًا مباشرًا للمعلومة عبر حساباته، ما أوجد منافسة بين الأفراد والمؤسسات. ومع ذلك، يحتفظ الإعلام التقليدي الذي يطوّر محتواه ويتفاعل مع التحول الرقمي بمكانة قوية وموثوقة، في حين فشلت مؤسسات أخرى في مواكبة التغيرات، فخسرت جمهورها لصالح المنصات الفردية والبودكاست.
منصات التواصل كبديل للميدان
المدرب والمستشار الإعلامي وليد بطراوي يرى أن منصات التواصل أصبحت نافذة حيوية خلال العدوان على غزة، خاصة مع غياب الصحفيين الدوليين، لكنها في الوقت نفسه لم تكن ساحة محايدة، إذ عملت بعض الشركات على حذف أو حجب المحتوى الفلسطيني بحجة "انتهاك المعايير".
ويشدد بطراوي على أن مواجهة هذه السياسات تتطلب تمسك المؤسسات الإعلامية بالمهنية والحقائق، لا الوقوع في فخ "التوازن المصطنع" الذي قد يضع الضحية والجلاد في مستوى واحد.
ويرى بطراوي أن المؤسسات الإعلامية يجب أن تلتزم بالمهنية والحقائق بدل محاولة إيجاد "توازن مصطنع" بين الطرح السياسي والمصداقية، مؤكدًا أن دور الصحفي هو نقل المعلومة المؤكدة، وترك للجمهور حرية تشكيل موقفه.
كيف يصنع النقاش العام على السوشيال ميديا؟
الصحفي محمود حريبات يرى أن صناعة النقاش عبر المنصات قد تكون مفتعلة أحيانًا، لكن خطورتها تكمن في قدرتها على توجيه اهتمامات الرأي العام.
ويضيف أن حرية التعبير الرقمية في السياق الفلسطيني مقيدة بثلاثة مستويات من الضغط: الرقابة الذاتية، القيود المجتمعية، والانتهاكات الإسرائيلية، فضلًا عن تحيز الخوارزميات ضد المحتوى الفلسطيني.
ويوضح حريبات أن المواضيع التي تثير النقاش المجتمعي قد تكون مفتعلة أو عفوية. ففي الحالة المفتعلة، يجري التخطيط المسبق لإطلاق قضية معينة عبر المنصات، لتثير موجة من التفاعل المؤيد والمعارض، ما قد يقود إلى قرارات أو تغييرات في السياسات.
أما القضايا العفوية، فهي غالبًا أحداث مفاجئة أو إخفاقات حكومية أو قضايا اجتماعية وسياسية تلامس حياة الناس، وتتحول إلى ترند بفعل الاهتمام الجماهيري المكثف.
ويشدد حريبات على أن حرية التعبير على المنصات ليست مطلقة، إذ تتقاطع قيود الرقابة الذاتية، والقيود المجتمعية، والانقسامات السياسية، وإجراءات الاحتلال، مع انحياز الخوارزميات، ما يجعل سقف الحرية هشًا وقابلًا للانكسار عند أي صدام.
الترندات تحكم غرف الأخبار
نسرين عواد المذيعة ومقدمة البرامج الإذاعية والتلفزيونية في الهيئة العامة للإذاعة والتفلزيون الفلسطيينة تشير إلى أن الترندات أصبحت من أهم محددات عمل غرف الأخبار، إذ تسعى وسائل الإعلام لمجاراة ما يطلبه جمهور المنصات الرقمية من أجل رفع نسب التفاعل والأرباح.
وتحذر من أن سعي وسائل الإعلام وراء الترندات التي تفرضها المنصات أفقدها دورها التاريخي كمصدر موثوق للخبر، وجعلها تتماهى مع متطلبات السوق الرقمي حيث تحكم المشاهدات ونسب التفاعل، لا القيم المهنية.
وترى عواد أن الفارق بين الصحفي التقليدي و"صحفي السوشيال ميديا" بات ضئيلًا، لأن الجميع يخضع لمعايير المنصئت القائمة على الإثارة والانتشار، لا على الاستقلالية.
بهذا المشهد، يبقى السؤال مفتوحًا: في فلسطين، من يشكّل وعي من؟ هل تصنع المنصات جمهورها أم يصنع الجمهور ترنداته؟ وبين الخوارزميات، والرقابة، وضغوط السوق الرقمي، تبدو الإجابة أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.
في ظل هذا التداخل المعقد بين الإعلام التقليدي ومنصات التواصل الاجتماعي، وبين الخوارزميات الموجهة وضغوط الجمهور الرقمي، كيف يمكن استعادة فضاء إعلامي يضمن التنوع والحرية بعيدًا عن القيود الخفية والمعلنة؟ في فلسطين، تبدو الإجابة مرهونة بقدرة المؤسسات والأفراد على التكيف مع المشهد الرقمي، دون التضحية بالمهنية أو الحقيقة.
مواضيع ذات صلة
المرأة الغزية.. أم معيلة ودرع في زمن العواصف
جنين "تداوي" مشفاها
مواجهات مع الاحتلال في بيت فوريك شرق نابلس
الاحتلال يقتحم جيوس شرق قلقيلية
الاحتلال يُجبر مواطنا على هدم منزله في بلدة سلوان
سفارتنا لدى مصر تنظم يوما ثقافيا يسلط الضوء على الحضور الفلسطيني في معرض القاهرة الدولي للكتاب
غزة: الصليب الأحمر يسهل نقل 9 معتقلين محررين إلى مستشفى شهداء الأقصى