ملاذهم الصامت يقصف بالانفجارات.. أطفال التوحد في غزة بين الحرب ونقص المستلزمات

خان يونس- الحياة الجديدة- لميس الأسطل- تحت سقف خيمة مهترئ يحلها الخوف والرعب في منطقة البراق غربي محافظة خان يونس جنوبي قطاع غزة، يحاول الطفلان أحمد وعمر الاختباء من أصوات القصف والدمار في زوايا صمتهم الخاص التي اختارها التوحد ملاذا لهما؛ لتقف والدتهما عاجزة عن إدخال الطمأنينة إلى قلبيهما والتهدئة من روعيهما والوصول إلى صمت لن يعود؛ بسبب وحشية عدوان إسرائيلي لا يحترم هشاسة أرواحهما، باحثة وهي تهرول بقدميها عن قطع من القطن الناعم لهما دون أن تجدها؛ لتبقى بشرتهما تناجي السماوات بحثا عن قطرة من الرحمة.
تقول والدة الطفلين، هبة الصوفي: "يعاني طفلي أحمد البالغ من العمر 12 عاما من اضطرابات طيف التوحد من الدرجة المتقدمة، إضافة إلى زيادة الكهرباء على أعصاب الدماغ لديه، والآخر عمر البالغ من العمر سبع سنوات يعاني من ذات المرض ولكن بدرجة متوسطة، إضافة إلى ضعف عضلي طرفي".
وتضيف الصوفي: "اكتشفت إصابة طفلي بالمرض منذ نعومة أظفارهما، وكان الأمر صعبا جدا، لكنني كنت قوية صابرة لأقدر على إعانتهما ولأواجه المجتمع المتنمر عليهما؛ فلأجلهما درست إلى جانب التمريض تخصص التربية الخاصة والتأهيل المجتمعي، وحصلت على عدة تدريبات ودورات للتعامل مع اضطرابات طيف التوحد".
وتتابع: "تابعت حالة طفلي في مركز خاص، وكنت أعمل به في ذات الوقت، متبعة التعليمات الخاصة بمرضى التوحد، مكملة طريقي معهما في مجال التأهيل المجتمعي، ومساعدة إياهما في النطق والكلام والتعبير عن مشاعرهما، والاعتماد على نفسيهما في كثير من الأمور كارتداء ملابسهما، وإطاعة الأوامر البسيطة وتنفيذها، واللعب مع الآخرين بصورة جماعية، والخروج إلى الشارع بطريقة سليمة، والتمييز بين الحيوانات وغيرها الكثير، ولكن كل شيء هدم وعاد إلى نقطة الصفر منذ بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في أكتوبر 2023م، ما أدى إلى حرمانهما من أبسط حقوقهما في الحصول على غذاء خاص والتنعم بالهدوء والاستقرار والأمان، وما زاد الطين بلة شح الأدوية والعلاج الخاص والحفاظات وارتفاع أسعارها؛ فكانت المعاناة ضعفين".
وتستكمل الصوفي: "كان طفلي يحيان بين جدران حجرية، وفي ظل بيئة مناسبة لهما، متوفرة لهما حقوقهما الإنسانية، من حمية غذائية خاصة بهما، مساعدة طفلي أحمد في تناول طعامه، فهو غير قادر على القيام بذلك وحده إلا في حالة الشطائر (الساندويتشات)، إضافة إلى أوقات محددة للنوم والحصول على قسط من الراحة، وغرفتهما المهيئة من إنارة وألعاب خاصة بهما، دون أن يكون هناك أي خطر على حياتهما، والعناية بالنظافة الشخصية ومساعدتهما في تغيير الحفاظات لهما، والحصول على الدواء والعلاج الملائم لهما، ولكن الآن وبين الأقمشة الممزقة، وأصوات القصف المتكررة المرتفعة القاتلة، وانتشار المجاعة القسرية على قطاع غزة، بات الأمر معقدا جدا".
وتبين أن: "النزوح المتكرر الذي كان يطالبنا به جيش الاحتلال الإسرائيلي والتنقل من بيئة لأخرى مرارا وتكرارا؛ أثر رجعيا على حياة طفلي، فلم يعد يستطيعان التمتع ببعض لحظات من الهدوء؛ فأصبحا لا يشعران بالأمان والاستقرار، وتراجعت صحتهما، ملقيان بنفسيهما مع نوبات الغضب والبكاء، ضاربا أحمد رأسه باستمرار، فضلا عن تقدم حالة التشنجات المتاالية؛ لإصابته بالصرع، حتى النوم يحصلان عليه بغاية الصعوبة.
وتوضح الصوفي: "حصل طفلي عمر على تحويلة من النموذج الأول للعلاج في الخارج؛ لأن الأطباء لم يستطيعوا تحديد المشكلة الصحية لديه بخصوص الضعف العضلي الطرفي إذا ما كانت في العمود الفقري أم في العضلة نفسها أو حتى في العصب المغذي، ولكن العدوان الإسرائيلي عرقل الأمور كلها؛ فلم نستطع السفر وازدادت مشكلته مع سوء التغذية وحرمانه من أبسط حقوقه".
وتتحدث عن مخاوفها قائلة: "أخشى فقدان طفلي في ظل هذه الظروف القهرية وتراجع حالتهما الصحية، أو حتى أن أفارق الحياة، ليعيشا دون سند حقيقي يستطيع فهمها والاعتناء بهما كما أعتني أنا؛ فهما لا يهدءان إلا بوجودي قربهما وطبطبتي الخفيفة على جسديهما، والمسح على ظهريهما وشعريهما، وتغطيتهما ببطانية إلى جانب احتضانهما للعبتيهما".
وتوجه الصوفي رسالة إلى العالم الإنساني فحواها: "شاهدوا أطفالنا بقلوبكم لا بأعينكم، ومدوا يد العون لهم بقلوب رحيمة إنسانية، ولا تنسوا ذوي الاحتياجات الخاصة من مستلزماتهم، وأوقفوا الإبادة الجماعية على قطاع غزة، واسمحوا لسفينة الأمان أن تمر".
مواضيع ذات صلة
المرأة الغزية.. أم معيلة ودرع في زمن العواصف
جنين "تداوي" مشفاها
مواجهات مع الاحتلال في بيت فوريك شرق نابلس
الاحتلال يقتحم جيوس شرق قلقيلية
الاحتلال يُجبر مواطنا على هدم منزله في بلدة سلوان
سفارتنا لدى مصر تنظم يوما ثقافيا يسلط الضوء على الحضور الفلسطيني في معرض القاهرة الدولي للكتاب
غزة: الصليب الأحمر يسهل نقل 9 معتقلين محررين إلى مستشفى شهداء الأقصى