الطالب محمد أبو شاهين يتفوق على وجع الفقد وغربة المرض

نابلس– الحياة الجديدة– حنين خالد- رغم نجاحه في الثانوية العامة، بدا خلال لقاء "الحياة الجديدة" معه وكأن في عينيه وجع وطن، وفي صدره صوتا لم تنطفئ فيه الحياة رغم كل ما أحاطه من موت، محمد إبراهيم أبو شاهين، طالب من غزة، لم يكن طالبا عاديا وهو يخوض امتحانات الثانوية العامة لهذا العام، بل كان سيرة تمشي بين الألم والأمل، بين العلاج والفقد، بين الحرب والنجاح.
محمد من مواليد عام 2006 في قطاع غزة، لم يكن مجرد طالب يدرس للثانوية العامة "التوجيهي"، بل كان في معركة مفتوحة على أكثر من جبهة. كان يقاتل وجع داء كرونز المزمن (التهاب القولون التقرحي)، بينما يتلقى العلاج بعيدا عن أسرته، وقد خرج من غزة قبل أيام فقط من اندلاع حرب الإبادة بحثا عن شفاء صعب في مستشفى النجاح بنابلس.
لم يقرأ محمد فصول دراسته على طاولة هادئة بل درس على أنقاض وطن، وكتب إجاباته بين دمعات الفقد؛ وغصات الألم، ألم الفقد والمرض، فقد شقيقيه في غارة جوية إسرائيلية، ذروة وجعه الجسدي بينما كان يتلقى العلاج في عزلة سرير، ودفاتر، وآهات. ويستعد لاجتياز امتحانات التوجيهي. كان نبأ الاستشهاد كالصاعقة، وصل إليه في ليلة امتحان الرياضيات، لكنه لم يسقط، بل وقف، شد على جراحه، وأكمل الطريق.
جاءه النبأ الصاعق عشية امتحان الرياضيات، فبكى، وارتجف، لكنه لم يسقط. نهض، وغسل وجهه، ومضى إلى قاعة الامتحان، بقلب مثقوب، لكنه مرفوع الرأس.
يسرد محمد لـ "الحياة الجديدة" بعضا من فصول معاناته: غادرت غزة مريضا، أبحث عن دواء لداء كرونز الذي أنهك جسدي، فوجدت نفسي فجأة في عزلة عن عائلتي، تلقيت النبأ الصاعق: استشهد شقيقاي في قصف إسرائيلي، فيما كنت أستعد لامتحان الرياضيات". ورغم الجراح، لم يتراجع، ورغم الغربة، ورغم ألم الفقد والمرض لم ينكسر.
تسلح محمد بإرادته، وتمسك بحلمه كما يتمسك الغريق بخشبة نجاة، ونجح، ليكتب قصة لا تشبه سوى المعجزات.
لم يكن وحده في رحلته تلك، إذ كان الطبيب شادي خلفه يرافقه بكل ما تعنيه الكلمة من إنسانية، يقول عنه محمد: "كان لي أبا قبل أن يكون طبيبا".
يقول محمد بصوت يرتجف كأن روحه تتحدث: "استشهد شقيقاي، وتقطعت بي السبل، وابتعدت عن أهلي، لكنني لم أنكسر، الألم كان نارا، لكنه أيضا نور.. نور قادني نحو حلمي".
في وحدته، لم يكن له سوى وصية والده: "الاعتماد على النفس أساس النجاح".. حملها كزاد يقيه برد الليالي القاسية، وقد تقاسم مع المرض يومه 18 حبة دواء، قيء، نزيف داخلي، وإرهاق لا يحتمل.
وفي حضن عمته التي تركت أبناءها خلفها في غزة، وجد عائلة مؤقتة، لكنه ظل يفتقد دفء أمه، رائحة بيته، وضحكة إخوته التي لم تعد.
ورغم كل ذلك، انتصر.. حصل على معدل 82.5% لم يكن مجرد رقم في شهادة، بل شهادة على أن الإرادة قادرة على قهر المستحيل، وأن من خرج من تحت الركام، يمكنه أن يصنع المعجزات.
يقول محمد بدمعة تختبئ خلف ابتسامة متعبة: "درست وسط أصوات الحرب والفقد، وكتبت إجاباتي بيد تمسك القلم وأخرى تمسح الدموع. فرحتي ناقصة لأن أهلي ليسوا حولي، لكن الله رزقني بأهل في الغربة، لا يحملون اسمي، لكنهم حملوني في قلوبهم".
في قلبه، غزة لا تغيب.. أزقتها، بحرها، الخبز تحت الحصار، ضحكة أمه، ودم إخوة صاروا شهداء.
"أجمل أيام حياتي كانت في غزة". ويكمل بصوت مبحوح: "أنجح لأجل إخوتي، ولكل أم ودعت أبناءها، ولكل طفل فقد بيته، ولكل صامت لا يجد صوتا في هذا العالم المزدحم بالخذلان".
يحلم محمد بإكمال تعليمه في مجال الطب أو الإعلام، ليروي ما رآه، أو يعالج جراحا تشبه جرحه.
ويختم رسالته بنداء يشبه صرخة حياة: "لا أريد صدقة، أريد فرصة. أريد من يؤمن بي، من يمنحني فرصة لأكمل طريقي، لأصنع من ألمي أملا، ومن مرضي قوة، ومن غربتي طريقا للعودة مرفوع الرأس".
قصة محمد أبو شاهين ليست رقما في سجل وزارة التربية والتعليم العالي، بل ملحمة وطنية من لحم ودم، من وجع وكرامة، من صبر تجاوز حدود الاحتمال.
هو ابن غزة، وابن فلسطين، والناجح من تحت الركام.. هو الدليل الحي على أن الحلم لا يُقصف.
مواضيع ذات صلة
المرأة الغزية.. أم معيلة ودرع في زمن العواصف
جنين "تداوي" مشفاها
مواجهات مع الاحتلال في بيت فوريك شرق نابلس
الاحتلال يقتحم جيوس شرق قلقيلية
الاحتلال يُجبر مواطنا على هدم منزله في بلدة سلوان
سفارتنا لدى مصر تنظم يوما ثقافيا يسلط الضوء على الحضور الفلسطيني في معرض القاهرة الدولي للكتاب
غزة: الصليب الأحمر يسهل نقل 9 معتقلين محررين إلى مستشفى شهداء الأقصى