عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 27 تموز 2025

متفوقو الخليل.. فرحة مخنوقة وغصة في صميم القلب!

 

الخليل- الحياة الجديدة- وسام الشويكي- ساد صمت لم تألفه شوارع الخليل في التعبير عن ابتهاجها وفرحتها بحصول أبنائها على المراتب العليا والأولى في قوائم الأوائل من نتائج الثانوية العامة "التوجيهي".

كانت الفرحة في الخليل نتيجة تبوئها المراتب الأولى في فروع العلمي والأدبي والشرعي والزراعي والفندقي، عارمة لكنها منقوصة، أو مخنوقة؛ بفعل استمرار حرب الإبادة المتواصلة على قطاع غزة، التي أسقطت كل معاني الإنسانية عن هذا العالم الصامت؛ بل سقط في "اختبار الإنسانية"، والتي لم تُمكّن -بطبيعة الحال- طلابها ممن بقوا على قيد الحياة من المشاركة في امتحانات الثانوية العامة.

بدت الفرحة على وجوه المتفوقين والناجحين، تماماً مثلما بدا الحزن والألم بين ثنايا "ابتسامة مسروقة" من وسط ركام هذا الدمار والخراب والقسوة التي يعيشها شعبنا في القطاع وفي مناطق بالضفة. وقد عبّروا عن غصة شديدة في أعماق القلوب نتيجة الحروب المستمرة التي يذيقها الاحتلال الاسرائيلي ويلحقها بشعبنا في القطاع المكلوم، ليست آخرها حرب التجويع التي تأكل أجساد الأطفال والنساء والشيوخ بلا رحمة ولا ضمير.

 

المتفوقة القواسمي: لا فرحة وغزة تنزف

فبقدر ما تعيش الطالبة ندين سفيان القواسمي، الحاصلة على المرتبة الأولى مكرر في الفرع العلمي (99.7%)، من طالبات مدرسة وداد ناصر الدين، من فرحة لنتيجة مستحقة وحتمية لجهود حثيثة وكبيرة بذلتها طوال دراستها في الثانوية العامة، إلاّ أن تعبيرها عن الغصة التي تعتمل في قلبها كانت كبيرة وظاهرة على ثغرها وبين كلماتها التي لم تخلُ من توجيه إهداء هذا التفوق إلى شعبنا في القطاع المذبوح الذي يقدم التضحيات الجسام في سبيل حرية الوطن ومن أجل أن "ينجح ويتفوق بتحريره من المحتل"، وهي تقول "لا فرحة وغزة مازالت تنزف".

وتتابع القواسمي: "دماء شهدائنا التي تذرف في كل مكان بالوطن، خاصة في القطاع الحزين، لن تضيع هدراً وسيكون الانتصار نتيجتها مثلما حصدنا اليوم نتيجة شهور وسنوات من الكد والسهر والحرص من أجل أن ننجح ونتفوق في التوجيهي ونرفع رأس الوطن عالياً".

مشاعر القواسمي المختلطة بين الفرحة والغصة، تشكل بالنسبة لها دافعاً متيناً نحو استمرار النجاح ونيل التفوق في مسيرتها التعليمية المستقبلية، سواء انخرطت في ركب دراسة الطب أو الهندسة، على ما تعتقد ولم تقرر بشكل نهائي وواضح في أي الطريقين ستسلك دراستها الجامعية، وهي مشاعر تقول إنها تعبر عن كل ما يجول بخواطر عموم شعبنا المثقل بالهموم والويلات.

ورغم أن نتيجتها كانت متوقعة من حيث المعدل إلاّ أنها كانت مفاجِئةً لها بكونها إحدى العشر الأوائل في الفرع العلمي، وتعتبر أن الإهداء الأول والأخير لهذا التفوق لأهل غزة الصابرين الصامدين الذي يواجهون ظلم الاحتلال وقسوته بأمعائهم الخاوية وأجسادهم النحيلة وبأرواح أطفالهم.

وعبر تمديرة مدرستها المربية سحر القواسمي عن فخرها بهذا التفوق والانجاز الذي لطالما التصق بمدرسة وداد ناصر الدين لسنوات طويلة، وبقيت حريصة على ألاّ يغادر اسمها من قوائم العشر الاوائل للمتفوقين على مستوى الوطن. 

وأشارت إلى أن المدرسة حققت هذا العام نسبة عالية ومرتفعة في قوائم المتفوقين، عازيةً ذلك إلى جهود مديرية التربية وجهود الطاقم التدريسي الذي وصفته بأنه نخبوي ويبذل جهود مضاعفة في العناية بالطالبات اللواتي وصفتهن بأنهنّ لا ينافسن على النجاح فحسب، وإنما على التفوق والإبداع والتميز.

وأوضحت مديرة المدرسة القواسمي في هذا الصدد، إلى أن أكثر من 50 % من نسبة طالباتها في الفرع العلمي اللواتي التحقت بالامتحانات (366 طالبة) حققن معدل 90 % فأعلى (206 طالبات) منهن 21 طالبة نالت درجة الـ 99 % فأعلى، إلى جانب نجاح طالبات الفرع التجاري ( 52 طالبة) بنسبة 100%.

 

المتفوق العصافرة.. نجم بزغ من بيت كاحل

المشاعر المختلطة أو حتى المتضاربة نفسها يشاركها الطالب طارق العصافرة، من مدرسة الشهيد داود العطاونة، الحاصل على المرتبة الاولى مكرر في الفرع العلمي (99.7%)، من بلدة بيت كاحل غرب الخليل، الذي أصر أن يرفع اسم بلدته عالياً، رغم جملة التحديات والصعاب التي مر به في هذه الظروف العصيبة. وحمل حلماً كبيراً بأن يضع اسمه في قائمة العشر الأوائل، متسلحاً بقوة الإرادة والإصرار وقوة الإيمان واليقين بأنّ الله تعالى لن يضيع جهوده.

يقول الطالب العصافرة: "إنه بقدر التعب والكد والاجتهاد كانت المعرفة التي قادت هذه النتيجة المشرفة، حيث قطعت على نفسي منذ بداية العام بأن أبذل جهود مضاعفة لنيلها، وآثرت على نفسي بالبقاء في مدرستها (داود العطاونة) لأثبت من جديد أنّ التحدي يصنع المعجزات رغم الضغوط النفسية التي عشناها بفعل الحرب والعدوان المستمر للاحتلال في كل المناطق والمدن وتقتيل شعبنا".

وبفخر واعتزاز تحدث مدير مدرسته المربي عوّاد اغريب عن هذا اليوم المميز لعموم شعبنا الذي تعود على النجاح والتفوق رغم الظروف الصعبة والحروب والكوارث، التي تحل به خاصة أثناء الامتحانات المدرسية.

وأثنى المدير على الطالب العصافرة واصفاً إياه بأنه طالب مؤدب وخلوق ومتميز، مستطرداً: "ما كان لطالب يتصف بهذه الأخلاق ويجمع بين أكثر من صفة في الأدب والاجتهاد إلاّ أن ينجح ويتفوق وينال ما يبتغيه".

وأشار إلى أن من بين 30 طالباً من التحقوا هذا العام في الفرع العلمي بمدرسة الشهيد داود العطاونة استطاع سبعة منهم أن يحصلوا على علامة اكثر الـ 90% من المعدل، وهو رقم يُحسب للمدرسة والبلدة الصغيرة التي حافظت على بريقها في سلك التعليم، ولجهود طاقمها التدريسي القادر على إعداد طلبة متميزين قادرين على منافسة نظرائهم على مستوى الوطن.

 

المتفوقة الشويكي: الفرحة الحقيقية بانتهاء الحرب

الطالبة جنى هاني الشويكي الأولى مكرر في الفرع الأدبي (99.6%)، لم تكن هي الأخرى بعيدة عن اختلاط المشاعر، فهذا التناقض المريب ربما لا تجده في دولة أخرى؛ مشاعر فرحة ممزوجة بمشاعر ألم وحزن على ما يجري في قطاع غزة المذبوح.

بمنتهى البساطة تصف الشويكي هذا التفوق بأنه كبير، لكنه غير مكتمل ولا تام، في ظل غياب طلبة غزة عن هذا مقاعدهم. وتقول: "لا فرحة ولا سعادة في توجيهي أو غيره في ظل هذه الحرب الظالمة التي دمرت البشر والحجر".

وتضيف: "فرحتنا الحقيقية يوم نرى غزة وقد تخلصت من الحرب اللعينة، وعادت الحياة إليها من جديدة، ونالت نتيجة صبرها وصمودها بالانتصار والخلاص، وبتحرير وطننا من المحتل الغاصب".

وتعبر الشويكي عن غبطتها: "أحمد الله عز وجل على هذه النتيجة التي شرفت أهلي وعائلتي ومدينتي ووطني وأن أكون من الأوائل، وأن جهدي لم يضع ولم يذهب هباءً".