الغزيون.. معارك يومية مع أبسط متطلبات الحياة

غزة - الحياة الجديدة - مؤمن محمود الطلاع- تبدأ الأيام في قطاع غزة بدوي الانفجارات، أو بصراخ صامت في عيون تنتظر الخبز، أو النجاة، أو جثمان تحت الأنقاض.. الحرب في القطاع لا تترك مجالا للتراخي؛ فالساعة قد تكون الفاصلة بين الحياة والموت.
المشهد اليومي أشبه بلوحة سيريالية.. مدارس تحولت إلى ملاجئ مكتظة بمواطنين يحملون حقائب الذكريات بدلا من الكتب، منازل بلا نوافذ تمسك جدرانها كي لا تنهار، وأطفال يلعبون بكرة من خرق ممزقة وكأن الحرب مجرد خلفية عابرة.
المقاومة اليومية في قطاع غزة هي الكفاح من أجل أبسط مقومات الحياة.. نساء يخبزن على نار هشة إن وجدن دقيقا، ورجال يحفرون بأياد مجروحة بحثا عن ماء أو بضع حطبات، وعائلات تختزل السعادة في لحظة هادئة بين القصف.
هنا في غزة، حيث الموت يطارد الحياة، تكتب أجمل قصص الإنسانية بقلم من دم وإرادة.
خبز من رصاص
رحلة يوسف بين الموت واللقمة الحرة، ففي إحدى زوايا مدرسة "الأونروا" في النصيرات، حيث الرطوبة تخنق الجدران المتشققة، والوجوه المتعبة تحكي قصصا لا تكتب، يجلس أبو محمد، نازح من جباليا منذ 15 شهرا، يعد الدقائق على ساعته البلاستيكية المكسورة. كل يوم قبيل المغرب، يودع ابنه يوسف (15 عاما) وهو يعلم أن هذه اللحظة قد تكون الأخيرة.
يوسف ليس مجرد فتى، بل أصبح "معيلا مؤقتا" في حرب لا ترحم منذ أن تحول قطاع غزة إلى جحيم مفتوح، لم يعد البحث عن الطعام رفاهية، بل مغامرة بالموت. كل مساء، يندس بين مئات المواطنين نحو مقر المساعدات الأميركية في رفح، حيث تدوس دبابات الاحتلال الإسرائيلي أكياس الدقيق قبل أن تدوس على الأجساد.
"عشرة أيام من الجوع، ويوم واحد من النجاة" هذه هي المعادلة التي يحفظها كل طفل في غزة الآن.
يقول أبو محمد: "عندما يخرج يوسف، لا يهدأ لي بال، أسير طوال الليل في ممرات المدرسة، لا أستطيع الأكل ولا الشرب حتى يعود".
الرحلة التي لا تنتهي
عاد محمود – رفيق يوسف– بمفرده، وجهه شاحب كالقمر تحت القصف. "أبو محمد.. يوسف أصيب!" كلمات ثقيلة كالرصاصة التي اخترقت كتف ابنه. لم ينتظر أبو محمد التفاصيل، فذاكرته ما زالت تحمل صورة ابنه محمد الممدد على فراش موحل في نفس المدرسة، جرحاه النازفان منذ أشهر شاهدان على أن الحرب لا تنسى أحدا.
في المشفى.. الجرح ليس جسديا فقط
هرع مع زوجته إلى المستشفى بعد سماعه خبر إصابة ابنه في الكتف، يحمل في قلبه وجع الأبوة وخوف الفقد، وقلق الأيام القادمة التي تزداد قسوة مع إصابة المعيل الوحيد.
وجداه هناك، الدماء تجف على كتفه، لكن عيناه كانتا تقاتلان من أجل البقاء. "لم أحصل على الطعام اليوم"، همس يوسف بصوت أجش. في تلك اللحظة، أدرك أبو محمد أن الجوع أقسى من الرصاص. فحتى الجرحى هنا لا يعفون من معركة الخبز!
في المشفى، سمعوا دوي انفجار قريب: "الدبابات قصفت طابور المساعدات.. أكثر من 20 شهيدا!".
نظر أبو محمد إلى يوسف، ثم إلى زوجته، وعيناه تقولان ما لا يقال: "غدا سأذهب أنا.. الجوع لا ينتظر".
مواضيع ذات صلة
مصطفى يؤكد دعم كل جهد لإغاثة شعبنا في غزة بما يضمن وحدة شطري الوطن
الاحتلال يُصدر ويجدد أوامر الاعتقال الإداري بحق 28 معتقلا
ارتفاع حصيلة الشهداء في قطاع غزة إلى 71,662 والإصابات إلى 171,428 منذ بدء العدوان
المرأة الغزية.. أم معيلة ودرع في زمن العواصف
جنين "تداوي" مشفاها
مواجهات مع الاحتلال في بيت فوريك شرق نابلس
الاحتلال يقتحم جيوس شرق قلقيلية