عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 26 تموز 2025

حين تتحول الحافلة إلى مأوى.. سبعيني من مخيم طولكرم يواجه النزوح بكرامة

طولكرم- الحياة الجديدة- عزيزة ظاهر- لم يكن يدرك الحاج عبد السلام عودة أن رحلة اللجوء التي بدأت قبل عقود ستعيد نفسها من جديد، ولكن هذه المرة دون خيام وكالة الغوث، بل في "حافلة متعطلة" تحولت إلى مأوى من حديد صدئ، هناك، في زاوية نائية بين بلدتي المسقوفة واكتابا بمحافظة طولكرم، يرقد رجل سبعيني، وامرأة شريكة في القهر، يبحثان عن ظلٍ يقيهما شمس تموز، وأمان لم يعد يُقاس بالجدران، بل بعدم وجود جرافة على الأبواب.

فلم يجد اللاجئ عبد السلام عودة مأوى بعد تهجيره من منزله في مخيم طولكرم، سوى حافلة مهترئة كانت مركونة منذ سنوات، تحت حر الشمس، وبلا أي تجهيزات إنسانية، أصبحت الحافلة منزلا له ولزوجته، ومأوى اضطراريا بعد أن طرده الاحتلال من منزله في المخيم، وتركه مهجورا لا يجرؤ على العودة إليه، جراء تصاعد عمليات الهدم والاقتحامات من قبل قوات الاحتلال.

 

تهجير جماعي

ليست هذه مجرد قصة فردية، بل مرآة لوجع جماعي يعيشه آلاف الفلسطينيين في المخيمات، من نور شمس إلى طولكرم، وجنين بعدما حول الاحتلال الإسرائيلي بيوتهم إلى ركام وأجبرهم على النزوح تحت القصف والاقتحامات المتكررة.

يقول الحاج عبد السلام لـ "الحياة الجديدة" بنبرة تخنقها الحسرة: أجبرنا الاحتلال على الرحيل، لم نخرج بإرادتنا، بل طردونا من بيوتنا، وسرقوا كل شيء خلفنا حتى ذكرياتنا، لم يبق لنا إلا هذا الصندوق الحديدي، نعيش فيه كما يعيش الناس في المنافي، ولكن الفرق أننا في وطننا.

داخل الحافلة، بالكاد يتسع لفرشتين للنوم، ومروحة صغيرة لا تتغلب على حر الصيف، ولا تحرك ساكنا من حرارة تموز اللاهبة، وعلى الأرض ترامت بعض الأواني القديمة، وثلاجة تبرع بها أهل الخير، وعلى السطح، ابتكر عودة طريقة تبريد بدائية، قطعة سجاد مبللة بالماء تقلل من وهج الشمس، علها تمنح قليلا من الراحة له ولزوجته ليتمكنا من النوم.

حول حافلته، أقام عبد السلام ساحة صغيرة، مظللة بنايلون متهالك، تحت شجرة زيتون صامدة، هناك، يجلس مع زوجته لساعات النهار القاسية، بينما يقصدون بيت أحد الجيران عند اشتداد حرارة الشمس.

 

ذاكرة تحترق

رغم تقدمه في السن، ما زال الحاج عبد السلام يخرج كل يوم إلى أطراف المخيم، يراقب عن بعد، يستعيد ذاكرة المكان التي تحترق، في هذه الزاوية كانت غرفة ابني، هناك كنا نشرب القهوة، والآن لا يملك إلا النظر إلى الحطام.

يتحدث عودة وعيناه تسبحان في الأفق وكأنه يبحث عن أطلال بيته القديم: "هناك كنا عائلة واحدة، اليوم نحن مشتتين، لا بيت ولا مأوى، فقط مصير مجهول نعيش على هامشه".

"كأنهم لا يريدون أن يبقى أحد هناك، المخيم صار أطلالا، ونحن منفيون فيه، بلا خيام، بلا صوت، ولا حتى أرض نبكي فوقها"، يهمس عبد السلام وهو يتأمل من بعيد ركام منازل المخيم، ومنزله الذي لم يُسمح له حتى بالوصول إليه، ويتابع، لا قدرة لي على استئجار بيت، حتى الكرفان الذي طلبته من الجهات المعنية، لم يصلني بعد رغم تقديم عدة طلبات.

 

النكبة تتكرر

يرى عودة فيما يحدث إعادة إنتاج للنكبة، لكن هذه المرة في مخيمات لجوء أنشئت أساسا بعد نكبة 1948، فيقول: "نزحنا أول مرة من حيفا ويافا، ثم بنت لنا الأونروا هذا المخيم، واليوم نُهجر من جديد، ويُهدم المخيم كأن النكبة لا تنتهي".

ورغم معاناته الطويلة، لا يتخلى عودة عن حلم العودة إلى مخيمه، يقول بثقة: "لن نبقى في الحافلة للأبد، المخيم هو بيتنا، هناك يجب أن نعود، لأننا أصحاب الحق".

ومن اللافت أن عبد السلام عودة نفسه كان عاد من الكويت بعد سنوات من الغربة، اختار المخيم بيتا وأرضا له، ليجد في نهاية المطاف أن الاحتلال لا يزال يطارد الفلسطيني، حتى لو كان فوق تراب بلده، يقول: "الغربة في الكويت كانت مريحة، لكن لا شيء يعوضك عن بلدك، حتى لو صارت خيمة أو حافلة صدئة".

 

المخيمات في عين الاستهداف

لم تكن مأساة عبد السلام إلا نموذجا واحدا من أكثر من 5000 عائلة فلسطينية هجرتها آلة الحرب الإسرائيلية من مخيمي طولكرم ونور شمس.

فمنذ 21 كانون الثاني الماضي، يشهد مخيما طولكرم ونور شمس تصعيدا عسكريا متواصلا من قبل الاحتلال، الذي أطلق عمليات اقتحام ممنهجة دمرت أكثر من 600 منزل بشكل كلي، وألحقت أضرارا جزئية بـ 2573 منزلا آخر، وفق معطيات رسمية.

ويأتي ذلك ضمن مخطط إسرائيلي بدأ في أيار الماضي، ويهدف لهدم 106 مبانٍ لتغيير معالم المخيمات، منها 58 مبنى في مخيم طولكرم تضم أكثر من 250 وحدة سكنية، إضافة إلى منشآت تجارية وأحياء كاملة.

مخيم طولكرم الذي تأسس عام 1950 لإيواء اللاجئين من نكبة 1948، بات اليوم في عين الاستهداف، حيث يعمل الاحتلال على إفراغه تدريجيا من ساكنيه، في محاولة مكشوفة لإنهاء قضية اللاجئين.