غزة.. القفص الحديدي بين العدوان والتجويع ومفاوضات تبرر الإبادة
د. تحسين الأَسطل

لم يعد قطاع غزة، ذاك الشريط الساحلي المفعم بالحياة، كما كان يتحدى كل الصعاب. اليوم، تبدو غزة أشبه ما تكون داخل قفص حديدي مغلق، يُشبه ما يُعرف في المصارعة الأميركية باسم "Hell in a Cell"، حيث يُمنع على المصارعين الخروج، وتُستخدم أدوات العنف بلا قوانين، في نزال لا يتوقف إلا حين يُنهك أحد الطرفين.
تعيش غزة هذا المشهد -ولكن بحقيقته القاسية- منذ واحد وعشرين شهرا، بلا توقف، وبلا جمهور يصرخ لوقف المجزرة.
غزة ليست مجرد "ملف أمني" أو "منطقة معارك وقتال عنيف" كما تصفها أجهزة الإعلام العبرية، وتردد خلفها "الجزيرة" وأخواتها. غزة مدينة تعيش إبادة ممنهجة، حولت الحياة اليومية إلى صراع مستمر من أجل البقاء. كل شيء في القطاع مقيد: حرية الحركة، وصول الغذاء والدواء، الخدمات الأساسية، وحتى الأمل أصبح مفقودا.
في غزة، القفص الحديدي ليس رمزا، بل واقع. كما وصفها الرئيس محمود عباس في كلمته أمس الأول: "شعبنا يتعرض لأكبر كارثة إنسانية في هذا الزمان"، في ظل تحركات دولية لم تتمكن من ردع المحتلين. متسائلا: كيف يمكن للعالم أن يتخلى عن إنسانيته أمام ما يتعرض له شعبنا في غزة من تجويع وقتل أمام مراكز المساعدات، وهو ما يمثل وصمة عار في جبين المجتمع الدولي إن لم يتحرك فورا لوقف هذه الإبادة الجماعية؟
غزة اليوم تعيش الجحيم والإبادة الجماعية بكل تفاصيلها، في ظل عدوان واسع يستهدف الحجر والبشر والشجر، ويُقدم من قبل الاحتلال للعالم بمبررات "الدفاع عن النفس"، وسط تضليل إعلامي لمعارك طاحنة لم يخضها جيش الاحتلال قط.
وفي كل مرة، ترتكب جرائم بشعة بحق شعبنا، الذي يرتقي منه يوميا ما يقارب مائة شهيد ومئات الجرحى، وتُدمر مئات الآلاف من المنازل، في إطار مخططات التهجير القديمة والجديدة لشعبنا. فقد هُجّر بعد سيطرة حماس على غزة عام 2007 أكثر من 500 ألف مواطن، نصفهم بعد السابع من أكتوبر 2023م، في حين كانت منظمة التحرير الفلسطينية تعمل على إعادة مليون فلسطيني إلى كل الوطن.
في غزة، تُقصف البيوت فوق ساكنيها، ويُقتل الأطفال الجائعون في أحضان أمهاتهم، فيما تبقى إسرائيل خارج نطاق المحاسبة، كأن العدالة تُعلَّق على جدران مجلس الأمن وتُنسى حين يتعلق الأمر بالشعب الفلسطيني.
وفي ظل هذا المشهد الدموي، تتواصل المفاوضات في الدوحة وغيرها، وتُطرح كأنها باب للتهدئة، إلا أن الواقع يُشي بغير ذلك: جولات تفاوض تُدار بالتزامن مع التصعيد، والإبادة الجماعية تُستثمر لشراء الوقت لا لوقف النار. وكأن وظيفتها لم تعد إنهاء الحرب، بل إدامتها بطريقة "ناعمة" تحت غطاء سياسي وتوافق كامل.
من داخل غرف التفاوض، يخرج الاحتلال بغطاء إضافي ليعود إلى الجو والأرض، يقصف، ويهدم، ثم يطالب بجولة جديدة. وهكذا، تتحول المفاوضات من وسيلة لوقف العدوان إلى أداة لتطبيع إيقاعه واستمراره، وتحييد الغضب الدولي أمام الجرائم ضد الإنسانية التي يرتكبها الاحتلال، رغم فداحتها، التي لم تمر مثيلاتها عبر كل العصور.
ولا يمكن هنا فصل استمرار العدوان عن غياب الإرادة الدولية لكسر القفص الحديدي المفروض على غزة، وعن حرب الإبادة الجماعية التي تُرتكب داخله. فالاحتلال لا يتحرك في فراغ، بل في ظل صمت عالمي، وتواطؤ إقليمي، وفشل سياسي متراكم في بناء جبهة حماية وطنية عربية ودولية، تحمي الشعب الفلسطيني بإشراف كامل من دولة فلسطين ومنظمة التحرير الفلسطينية، التي يتفق الاحتلال وحركة حماس على منعها من القيام بواجبها في خدمة شعبنا في غزة.
غزة، والشعب الفلسطيني، لم يكونا يناضلان من أجل لقطة في الإعلام، بل من أجل الحياة، من أجل أن يبقى الفلسطيني موجودا على أرضه، حرا، حتى وهو داخل قفص الوطن.
وحين ينكسر القفص، بإقامة الدولة الفلسطينية، بفضل دبلوماسية القيادة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية، التي تتحدث بلغة يفهمها شعبها والعالم، وتُكسر قيود الحصار، سيتذكر العالم أن غزة لم تكن ضحية وأيقونة فحسب، ولم تكن محاصَرة فقط، بل كانت تواجه وحدها مشروع شطبها عن الوجود الفلسطيني، وتُعلن في كل مرة: نحن هنا، رغم الحديد والنار، ورغم المفاوضات التي تُدار باسمنا دون أن تحمينا.
مواضيع ذات صلة
مكيالان في الفضاء الرقمي: ضجيج الضفة وصمت غزة
حربان في زمن واحد: المعركة على الأرض والمعركة على الوعي ...
متى نرى الجميع سعداء؟!
التعليم لأجل التعافي… حين يصبح التعلم فعلَ صمودٍ في زمن الحرب
معا نحمي الحياة… الوعي مسؤولية وطن في زمن الظروف الاستثنائية
حين تبتلع الصورة المعنى: أزمة الذائقة في الإعلام الجديد
الوطن أم القلاع المبنية من حجارة هشة ؟!