أحمد نجيب عساف.. راوي السردية الفلسطينية ومهندس خطاب الإعلام الرسمي (2-2)
كتبت: د. إيمان هريدي

"من كسر الصمت إلى صناعة الصوت.. فلسطين كما تقول نفسها"
في زمن تراجعت فيه الحقيقة إلى ما وراء الشاشات، وأصبحت تقاس لا بصدقها، بل بمدى انتشارها… لم يعد يكفي أن نكون على حق، بل صار علينا أن نحسن قول هذا الحق، أن نحمله من عتبة الألم إلى منصة العالم، لا كندبة في الذاكرة، بل كصوت لا يقبل الإلغاء. حين تولى الدكتور أحمد عساف الإشراف على الإعلام الفلسطيني الرسمي، كان يدرك أنه لا يمسك بزمام مؤسسة فقط، بل يمسك بخيط الرواية الوطنية الممزقة، في زمن تحاصر فيه فلسطين ليس فقط بالأسلاك والأسلحة، بل بالقصص المفبركة، وبالصور المقلوبة، وبالعناوين المسمومة. فلم يكن كل ما هو فلسطيني مستهدفا على الأرض فقط، بل في المخيلة، وفي النشرات، وفي كتب التعليم الأجنبية، وفي شبكات الأخبار العالمية التي تدمن المحايدة المزيفة، تلك التي تساوي بين القاتل والمقتول، وتجيد تسمية الضحية "خطرا"، وتصنع من المحتل "مواطنا يدافع عن نفسه". بينما كانت الجرافات تهدم القرى، والطائرات تقصف المخيمات، والأرض تبتلع دون أن تصرخ، والأمهات يدفن أبناءهن تحت صمت عربي رسمي، كان الإعلام الإسرائيلي يبني صورة أخرى: وطن بلا شعب، ودولة بلا دم، وقصة بلا مجازر.
من هنا لم يكن أمام الإعلام الفلسطيني الرسمي سوى أن يثور، أن يتمرد على صمته، أن يكسر قالب النشرات المحفوظة، ويعيد اختراع دوره: لا كناقل خبر، بل كصانع وعي.
عساف، ابن جنين التي تعلمت أن تقاوم بالتراب والصوت معا، لم يتسلق على مقعده، بل غاص في أسئلة الوجود الأولى: لماذا لا يسمعنا العالم؟ هل نعاني من نقص في العدالة… أم من عجز في روايتها؟ هل أخفقنا في إيصال صوتنا، أم أننا لم نمنح فرصة الحديث؟ وإن منحنا، هل كنا نملك اللغة التي تقنع لا التي تبكي؟
من هنا، لم يكن الانفتاح على لغات العالم خطوة تجميلية أو بادرة دبلوماسية، بل كان خيارا وجوديا، شبه ما يقارب الضرورة الوطنية في زمن الإعلام المتحول إلى ساحة حرب. وصار لزاما على من يحمل المايكروفون الفلسطيني أن يجيد لغات العالم، لا ليطلب التضامن، بل ليقدم الحقيقة كما هي: واضحة، حية، كاملة، دون وسيط أو مترجم يعيد تشكيلها.
من هنا، كان الانفتاح اللغوي والجغرافي الذي قاده عساف عمقا إستراتيجيا نابعا من إدراك وجودي: أن من لا يملك القدرة على قول نفسه، سيتكفل الآخر بقولها عنه… وبما يناسبه.
أطلق عساف أكثر من 25 منصة إعلامية، تنطق بلغات شعوب العالم: بالإنجليزية لاختراق الجدار الغربي المحصن بالسردية الصهيونية، بالعبرية ليس فقط لمخاطبة الآخر، بل لتفكيك بنيته ومساءلة منطقه، وبالفرنسية، والألمانية، والإسبانية، والبرتغالية… ليقال للعالم كله: هذه فلسطين، لا كما تعرفونها… بل كما هي.
لكن الأهم، لم تكن اللغة وسيلة للترجمة فقط، بل أداة للمخاطبة، للحوار، ولإعادة تعريف الإنسان الفلسطيني في الوعي العالمي. تحول الإعلام الفلسطيني الرسمي من رد الفعل إلى الفعل، من التبرير والدفاع، إلى صناعة خطاب مقنع، إنساني، قانوني، ومؤسس على وثائق لا انفعالات. لم تعد القضية تقتصر على صور الجرحى والشهداء وركام البيوت، بل أصبحت تروى أيضا من خلال روافدها الحضارية، من الثقافة، والفن، والتعليم، من حياة الفلسطيني اليومية… التي تشهد على الاحتلال، لكنها لا تختصر به. بهذا التوسع، لم يكسر فقط احتكار الرواية، بل كسر أيضا الجدار النفسي الذي فرض على الفلسطيني دور "الضحية" وحده. ففي تلك اللغات، خرج صوت الفلسطيني لا ليتسول تعاطفا، بل ليعلن عن كينونة كاملة: شعب حي، يقاوم… لا ليبقي على رماده، بل ليستعيد شعلة حريته.
وها هو الإعلام الفلسطيني، في هذا التحول، لا يعود مجرد أداة ضمن مؤسسة، بل يصبح ذاكرة ناطقة، وصفحة عالمية، وحضورا لا يمكن تجاهله… لأن الفلسطيني الذي يتكلم الآن، لم يعد يخاطب "الآخر" فقط، بل يخاطب العالم بلغة لا تترجم… بل تسمع، وتصغي، وتصدق.
"الرواية لم تعد تُروى عنا… بل نكتبها نحن، بلغات العالم"
لم يكن كافيا أن تنطق فلسطين بلغات العالم، بل كان لا بد أن تسكن في جيوب الناس، أن تدخل إلى الشاشات الصغيرة التي لا تفارق أيديهم، حيث تصاغ القناعات وتبنى السرديات في ثلاثين ثانية أو أقل.
في عهد الدكتور أحمد عساف، أدرك الإعلام الفلسطيني الرسمي أن ميادين المعركة لم تعد فقط على الأرض أو في نشرات الأخبار، بل باتت في الفضاء الرقمي، حيث الكاميرا تسبق الرصاصة، وحيث تغريدة واحدة قد تغير وعيا عاما. لم يدخل الإعلام الرسمي هذا الفضاء كإضافة تجميلية، بل كخيار إستراتيجي، جزء من معركة الرواية والوجود.
صفحات الإعلام لم تعد فقط تواكب الحدث، بل تلاحقه، تسبق التشويه بالصورة، وتكسر الصمت بالصوت، وترد على الرواية الإسرائيلية بلغة العصر: الفيديو، الإنفوغراف، البودكاست، الريلز. لم تعد فلسطين تقدم فقط كقضية دم وركام، بل كقضية شعب حي، ينتج ويعيش ويقاوم. وهكذا، لم تعد فلسطين مختزلة في مشهد، بل أصبحت حاضرة في كل إشعار يظهر على الشاشة، تحكى بلغات متعددة، وتسمع بوضوح، لأن من يتقن أدوات عصره، لا يخشى على روايته من الضياع.
"حين خرجت فلسطين من عزلتها الإعلامية… وكتبت نفسها بلغات العالم"
لم تكن فلسطين يوما غائبة عن ضمير الشعوب، لكنها غابت –أو غُيبت– طويلا عن شاشات العالم. لم يكن الغياب صدفة عابرة، بل نتاج تراكمي لهيمنة الرواية الإسرائيلية على مراكز التأثير، ولتقاعس متواصل عن اقتحام الفضاء الدولي بما يكفي من أدوات، ومن حضور، ومن خطاب قادر على إقناع لا على استجداء.
في هذا السياق، لم يكن الخيار أمام الإعلام الفلسطيني الرسمي أن يرضى بواقع التهميش، ولا أن يعيد إنتاج ذاته في الدائرة نفسها من الانتظار، بل كان لا بد من تحول في الرؤية والوظيفة. تحول حَمَله أحمد عساف، لا بوصفه مشروع إدارة، بل بوصفه مشروع حضور فلسطيني فعّال، يدرك أن الصوت الوطني لا يجب أن يبث من الداخل فقط، بل أن يبنى له امتداد خارجي يحاكي نبض الأرض بلغة الآخرين.
ومن ثلاث عواصم عربية تقليدية –عمان، القاهرة، بيروت– انطلقت التجربة إلى أربعين نقطة في العالم، لا لتضيف عددا في ملف المؤسسات، بل لتكسر الحصار الجغرافي والرمزي عن القضية. من شمال أفريقيا، إلى الخليج، إلى أوروبا الغربية والشرقية، إلى أميركا اللاتينية… كان الهدف واضحا: ألا تظل فلسطين محصورة في ذاكرة من يعرفها، بل أن تعاد كتابتها في وعي من لا يسمع عنها إلا ما يراد له أن يسمعه.
هذا الحضور لم يكن ديكورا دبلوماسيا، بل ميدانا لإنتاج الرواية من موقعها الطبيعي. لم تعد فلسطين تكتفي بالظهور في نشرات الآخرين، بل أصبحت تنتج خطابها، تحرر لغتها، وتقدم حكايتها من زوايا لا تختصر في الدموع، بل تبنى على فهم أعمق للسياق، وللإنسان، وللحق.
لقد أدرك الإعلام الرسمي، في هذا التحول، أن مجرد الوصول إلى الشاشة لا يكفي، بل يجب أن يكون الحضور قائما على شرعية الكلمة، وصدق الصورة، واستقلالية الصوت. وهكذا، لم تعد مكاتب الخارج مجرد ترجمة للعربي، بل منصات حوار مع الآخر بلغته، ومع أدواته، ومن داخل فضائه.
بهذا المعنى، لم يعد الإعلام يركز فقط على كيف تقال فلسطين، بل أين تقال، ومن يقولها، ولمن.
بين الاتفاق والتوأمة… تحالف إعلامي عابر للحدود
في العمل الإعلامي، لا يكفي أن تكون حاضرا، بل أن تكون جزءا من منظومة تعيد صياغة حضورك في وعي الآخر. من هذا الإدراك العميق، مضت التجربة الإعلامية الفلسطينية الرسمية، بقيادة أحمد عساف، إلى ما هو أبعد من مجرد البث؛ نحو التوأمة، والشراكة، وتوسيع قاعدة الحلفاء.
لم تكن الاتفاقيات التي وقعت مع مؤسسات إعلامية عربية ودولية مجرد أوراق رمزية تؤرشف في المناسبات، بل كانت مدخلا حقيقيا لإعادة التموضع الفلسطيني في قلب المشهد الإعلامي الإقليمي والدولي.
من وكالات أنباء وقنوات فضائية، إلى منصات ثقافية كانت حتى الأمس القريب مترددة، أو صامتة… أصبح لفلسطين فيها حيز واضح، لا بمنطق المجاملة، بل بمنطق الاعتراف بالدور والرواية.
لقد جرى، من خلال هذه الاتفاقيات، ليس فقط فتح أبواب بث جديدة، بل إعادة ترسيم موقع فلسطين في غرف التحرير، وفي أولويات الخبر، وفي مزاج الرأي العام.
الدبلوماسية الشعبية…حين يُصبح الإعلام سفيرًا
في هذا المشهد، لم يكن أحمد عساف يدير الإعلام كوظيفة، بل بوصفه ذراعا سياسية شعبية، تكمل ما قد تعجز عنه الدبلوماسية الرسمية أحيانا.
فهو يدرك أن الكاميرا ليست فقط أداة توثيق، بل أداة إقناع، وأن التقرير الجيد لا يقل تأثيرا عن بيان سياسي رفيع.
من هنا، تحول الإعلام الرسمي إلى ما يشبه السفير المتنقل: لا يتوقف عند حدود البث، بل يتقدم نحو الجمهور الخارجي بخطاب يخاطب الناس بلغتهم، ويعرض فلسطين ليس فقط كقضية عادلة، بل كصوت يتقن مخاطبة الآخر، دون انكسار، ودون مبالغة.
لقد كان الهدف مضاعفا: أن تقال الحقيقة… وأن تقال بثقة، لا كشكوى، ولا كرجاء. وهكذا، لم تعد فلسطين تتلقى أسئلة الآخرين فحسب، بل صارت تعيد طرح الأسئلة عليهم، من موقع الوعي، وموقع الشراكة، وموقع لا يحتاج إلى ترجمة.
"صوت لا يهادن… وصورة لا تُخدع"
الإعلام الرسمي الفلسطيني اليوم ليس مجرد شاشة تبث عبر الأقمار أو عدسة تراقب من بعيد، بل هو شاهد حي على الجرائم التي ترتكب أمام أعين العالم، صوت يسجل الحقيقة قبل أن تطمس، ويروي الرواية قبل أن تعيدها آلة الاحتلال تزويرا وتزييفا.
خرج الإعلام الرسمي من ثياب البروتوكولات الميتة وجدران المكاتب المغلقة، ونزل إلى الأزقة المدمرة، إلى المدارس التي تحولت مقابر، إلى أحضان الأمهات اللواتي لا يجدن سوى الكاميرا ليودعن بها صورة أولادهن الأخيرة. إعلام لا يخفي الدموع ولا يزين الألم، بل يقدم الواقع كما هو: عاريا، صارخا، بلا رتوش مبالغ فيها. ومع تصاعد آلة القتل الإسرائيلية من غزة إلى جنين، ومن الخليل إلى القدس، كان الإعلام الرسمي في الصفوف الأمامية، إذ لم تكن عدسته ناقلا فقط للأحداث، بل كانت في كثير من الأحيان "الحدث" ذاته. حين يقصف مكتب التلفزيون في غزة، وتغلق مكاتب الإعلام في القدس بقرارات الاحتلال التعسفية، ويطارد جنود الاحتلال الصحفيين في الضفة، يصبح الإعلام فعل مقاومة بالكلمة والصورة لا يقل شجاعة عن مقاومة البندقية.
دفع الإعلاميون ثمنا غاليا من شهداء ومعتقلين، وتحطمت الكاميرات على أبواب المخيمات، لكن الصوت بقي والمادة المصورة صارت شهادة حية، وأصبح الإعلامي الفلسطيني جنديا بزي الحرف.
في مواجهة ماكينة الاحتلال الإعلامية التي تجيد الكذب بصوت ناعم وتجمل المجازر بخمس لغات، يقف الإعلام الرسمي كحائط صد أخلاقي يقدم رواية إنسانية لا أيديولوجية، ويراهن على ضمير العالم مهما بدا غافلا. ما ينتج ليس مجرد محتوى بل وثيقة إدانة وأرشيفا وطنيا يمكن أن يستخدم في المحاكم الدولية والمؤتمرات الحقوقية كشهادة دامغة ضد محاولات إنكار الحقيقة، فهو يغرس ذاكرة جماعية كي لا يمحى الألم ولا ينسى الجلاد، ولا تعاد روايات التساوي بين الضحية والجلاد. هذا الإعلام هو المرآة المرة التي لا تجامل السلطة ولا تهادن الاحتلال، هو الصوت الذي بقي حين خفتت الأصوات، والصورة التي ثبتت حين سقطت الأقنعة، هو من يفضح تهجير الشيخ جراح ويحصي شهداء رفح ويرافق الأمهات في نعيهن البطيء، ولهذا يعتبره الاحتلال خطرا وجوديا لأنه يقول الحقيقة، والحقيقة في زمن الاغتصاب هي أشد أنواع المقاومة.
حين صار البث فعلا وطنيا لا زمنا بين نشرتين
في زمن تتكالب فيه السرديات وتتسلل آلة الاحتلال الى ثنايا الذاكرة لا عبر الجدران فقط بل عبر الحكاية نفسها كان لا بد للإعلام الرسمي الفلسطيني من أن يختار إما أن يبقى عند تخوم الرسميات يكتفي بنقل الحدث كما يراد له أن يروى أو أن يصبح هو ذاته جزءا من هذا الحدث فاعلا لا ناقلا صانعا للرؤية لا تابعا لها وهكذا ومنذ تولي الوزير أحمد عساف مسؤولية الإشراف على هيئة الإذاعة والتلفزيون لم تعد الرسالة الإعلامية حرفة مهنية فحسب، بل مشروعا وطنيا متكاملا ينطلق من الإنسان الفلسطيني ليعود اليه ويترجم الحكاية الكبرى بلغة الناس وملامح البيوت وندبات الخوف التي لا ترى في البيانات لم تعد الشاشة الرسمية مرآة للحكومة بل أصبحت مرآة للناس فتحت الكاميرا على شوارع المخيم، دخلت بيوت الشهداء قبل أن تدخلها الأخبار واستبدلت البث الرسمي ببث الوجع حين صمتت المنابر واحتكر العالم الصورة.
لقد أصبح البرنامج الفلسطيني لا مجرد عرض تلفزيوني، بل شهادة ميدانية حية على زمن الحصار ومقاومة الرواية كان يعرض علينا وجه الوطن لا عبر الخريطة بل عبر عيون طفل في غزة وأم تنتظر ابنها في سجن مجدو، وشاب يحلم وسط الركام بمستقبل لا يطاله الاحتلال.
لم تعد التغطيات تنتهي عند الخبر السياسي، بل امتدت تمسك نبض الانسان ببرامج تحاكي الأطفال بلغة تربوية تعلمهم كيف يكون الانتماء فعلا لا شعارا وبمساحات تنصت لأصوات الشباب لا تلقنهم بل تسألهم من أنتم وماذا تريدون وبمبادرات تنصف المهمشين وذوي الاحتياجات الخاصة ليس من باب الشفقة، بل من باب الكرامة.
فما قدمه الاعلام الرسمي من منصات للفئات المغيبة لم يكن استعراضا للضمير، بل استعادة لفكرة أن الوطن لا يكتمل إن لم يظهر فيه الجميع، وأن الكاميرا لا تُسلط على القوي وحده بل تنحني أمام الضعيف لترفعه. وكانت القدس دائما حاضرة في البرامج كما هي في التاريخ، لا كبقعة محتلة فحسب، بل كوجدان يقاوم المسح والتهويد، فكل ما يبث عنها هو فعل مضاد للنسيان، فعل يكسر به الزمن الإسرائيلي الذي يحاول أن يمحو الأزقة والمآذن والعيون المفتوحة على الصبر.
حتى في المناسبات الدينية لم يكن الحضور شكلا طقسيا، بل إشراقا روحيا لتعدد فلسطين إسلامية ومسيحية وسامرية، فلسطين التي تتلو دعاءها بأكثر من نغمة وتصوم وتصلي وتحب دون أن تفقد جوهرها الواحد، فلسطين مباشر، هذه القناة التي تحولت من اسم إلى وعد، لم تغلق شاشتها عن أي فعل شعبي، نقلت الأعراس حين كان الوطن يحتفل، ووقفت في جنازاته حين كان الحزن سيد اللحظة، كانت شاشة لا تحركها الأوامر، بل تحركها الذاكرة وتقدم الوجع بلا مجاز، والمقاومة بلا زينة.
من هذا العمق لم يكن ما تغير في الإعلام الرسمي مجرد تحسين بصري، بل كان تحولا وجوديا، أصبحنا نشبه أنفسنا على الشاشة، نرى ملامحنا، نسمع صوتنا، ونكتب روايتنا بأيدينا لا بأقلام مستأجرة.
هذا هو المشروع الذي بدأ ولا يزال يقاوم كلما حاولوا إسكات المايكروفون أو إسقاط الكاميرا، حين يصبح الإعلام مظلة لا منبرا فقط في المشهد الفلسطيني المتقاطع حيث تتنازع القوى بين الفصائل وتتنافس الأصوات في ساحات الاعلام المفتوحة على الجروح اختار الإعلام الرسمي الفلسطيني أن يسلك طريقا ثالثا لا يخاصم ولا يقصي بل يبادر ويفتح ذراعيه، فلم يكن الإعلام الرسمي في عهد إشراف الوزير أحمد عساف حائطا يصد الإعلام البديل أو المستقل بل صار جسرا يمد الدعم حين تغلق الأبواب ويفسح المجال حين تضيق المساحات ويحتضن الطاقات الناشئة لا لتذوب في بيروقراطيته، بل ليكمل بها صورة المشهد. في هذا السياق لم ينظر إلى الإعلام المستقل كمنافس بل كصوت إضافي في جوقة واحدة تؤدي نشيدا واحدا، نشيد الهوية والحق والعدالة، فمنح الإعلام الرسمي أدواته الفنية واللوجستية وبعضا من ميزانيته وخبرته ليتيح للشركات الإعلامية الناشئة وللمجموعات الشبابية التي تصنع محتواها من الأزقة والمخيمات أن تنشر أعمالها، أن ترى، أن تسمع لا على هامش الشاشة بل في صلبها.
أما في المسار الثقافي فقد أدرك الاعلام الرسمي أن المعركة على فلسطين لا تخاض فقط بالمقال والتحقيق والتقرير، بل أيضا بالقصيدة واللوحة والمسرح، وأن الرصاصة لا تواجه بالرصاصة وحدها، بل تواجه بالأغنية التي تحيي، والرواية التي لا تموت. لذا كان الإعلام الرسمي الراعي الأوفى وربما الأكثر استدامة للمهرجانات الفنية والاعلامية التي تقام في الوطن. لم يكن حضوره شكليا ولا مشاركته ديكورا، بل كان شهادة التزام أن الثقافة ليست زينة وطنية بل سلاحا وهكذا تحولت قنوات الإعلام الرسمي الى منصات عرض للروح الفلسطينية تضيء على الأفلام الوثائقية المصنوعة بأيد شابة وتروج للكتب والعروض والمبادرات الثقافية لا لتكسب جمهور بل لتثبت انتماءها لفكرة فلسطين التي تقاتل وتبدع في الوقت نفسه.
خاتمة: حين يصبح الإعلام… حين قرر ألّا يكون تابعًا بل صانعًا للرواية
في سياق إعلامي تهيمن عليه السرديات المعلبة وتختزل فيه القضايا في عناوين طارئة، نهض الإعلام الفلسطيني الرسمي، تحت إشراف أحمد عساف، بوظيفة تتجاوز البث والإبلاغ نحو إعادة تشكيل الوعي الجمعي. لم يكن عساف بصدد إدارة مؤسسة إعلامية بقدر ما تولى مهمة إصلاح بنيوي لمفهوم الخطاب الفلسطيني ذاته، بالانتقال من منطق التلقي إلى منطق المبادرة.
تحول الإعلام الرسمي إلى فاعل سردي، يشتبك مع الرواية المهيمنة لا ليجادلها فقط، بل لينقضها معرفيا وأخلاقيا.
الكلمة والصورة لم تعودا أداتي وصف، بل أداتا مقاومة. وفي عالم يقايض المأساة بالمرئي والمؤثر، صارت الكاميرا الفلسطينية تنتج المعنى وتؤرشف للعدالة، لا للذاكرة فقط.
إن ما تحقق في عهد عساف ليس مجرد تحسين أداء، بل بناء شرعية إعلامية تستند إلى الحقيقة بوصفها حجة، وإلى الإنسان الفلسطيني بوصفه مركز الخطاب، لا مادته.
مواضيع ذات صلة
مكيالان في الفضاء الرقمي: ضجيج الضفة وصمت غزة
حربان في زمن واحد: المعركة على الأرض والمعركة على الوعي ...
متى نرى الجميع سعداء؟!
التعليم لأجل التعافي… حين يصبح التعلم فعلَ صمودٍ في زمن الحرب
معا نحمي الحياة… الوعي مسؤولية وطن في زمن الظروف الاستثنائية
حين تبتلع الصورة المعنى: أزمة الذائقة في الإعلام الجديد
الوطن أم القلاع المبنية من حجارة هشة ؟!