عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 23 تموز 2025

أحمد نجيب عساف.. راوي السردية الفلسطينية ومهندس خطاب الإعلام الرسمي (1)

كتبت: د. إيمان هريدي

في حضرة الفقد والحلم

في أوائل كانون من عام 2016، لم يكن الشتاء وحده من طرق الأبواب كان الحزن هو الزائر الأول، ولم يخرج منذ ذلك الحين. فقدت أخي، سندي، رفيق أيامي، من كنت أستند إليه كلما تعثرت الحياة أو تثاقلت الأحلام. رحل "عيسى"، وسقط جزء من ظهري معه. تغيرت ملامح أيامي، تبدلت خريطة قلبي، وانكسرت أجنحتي فجأة. تركت دراستي، انقطعت عن حلمي، وحوصرت بتغيرات مفاجئة في العمل. كل شيء بدا معطوبا عدا ذلك النبض البعيد الذي كان يهمس لي: لا تستسلمي.

وبين عزاء أخي، وحوار داخلي مرير مع فكرة البقاء أو الرحيل، دخلت إلى مكتب رجل اسمه: أحمد عساف، المشرف العام على الإعلام الرسمي. كأن جنين الصمود قد أعارته شيئا من صلابتها، وشيئا من حنينها كذلك. كنت أحمل طلبا بسيطا، لكن حلما ضخما: إجازة من غير راتب، أعود بعدها لأكمل الدكتوراة في الإعلام، لعلي أستحق مكانا لا يستعار ولا يمنح شفقة. أردت أن أكون امرأة فلسطينية تكتب اسمها في دفتر الوطن، لا على هامش الملفات. لكنني حين وقفت أمامه، لم أعد أنا. صوتي انكسر، كلماتي هربت، وقلبي خانني.

لم تكن تلك لحظة رهبة من "سلطة"، بل لأن الرجل أمامي لم يكن رجل سلطة. كان يشبه الفكرة أكثر مما يشبه الكرسي مكتبه بلا تكلف، حضوره بلا ضجيج، ونظارته لا تشبه تقاسيم من اعتادوا "أن يتفرجوا علينا من الأعلى". خرجت من مكتبه حائرة، ليس لأن الباب أغلق، بل لأنني أنا من لم أفتح قلبي جيدا. كنت تائهة بين ما أريد وما أستحقه، بين ما خيل إلي عن المسؤولين، وما وجدته في الرجل الذي لم يتحدث كثيرا لكنه أنصت حين تحدثت.

ثم جاء اللقاء الثاني، صدفة، في المصعد. صدفة من تلك الصدف التي تشبه الإشارات. كان يقف كأي موظف، لا يسبق أحدا، ولا يلوح بلقب. رجل تعرفه من صمته، لا من صورته. وفي تلك اللحظة، أيقنت أن السلطة أحيانا تخف، وتتجرد من جبروتها، حين تسكن قلبا لم تفسده. ومنذ ذلك اللقاء، بدأت أعيد ترتيب فهمي للأشياء.

لكن الطريق إلى الحلم لم يكن مفروشا بالورود. تخرجت، رجعت، قلت: "الآن أبدأ". لكنني وضعت في زاوية معتمة، في صفحة تطوى في ملفات الآخرين. وقيل لي: "الوزير لا يريدك"، وصدقت. لا تسألني لماذا صدقت فالإنسان، حين يرهق، يصبح هشا، وحين تتكرر العبارة من أفواه من يحيطون بك، يبدأ الشك بالتسرب إلى جلدك.

انطفأت لكن لم أمت. ظل الحلم في داخلي يتأجج، يرفض الموت. وقررت: سأعود إليه. طرقت الباب، وكان كما كان دائما: لا يسألني "من أنت؟"، بل يقول: "تحدثي". فقلت كل شيء، عن الظن، عن الشك، عن الحصار النفسي، عن الأكاذيب التي لبست هيئة نصائح، وأحاطتني. وحين أنهيت، لم يعاتب. لم يقل: "لماذا لم تأت مبكرا؟" بل قال ببساطة: "أنت هنا الآن فلنبدأ." تلك الجملة كانت بوابة ضوء. من هناك، بدأت أولى خطواتي. كانت بسيطة، خجولة، ولكنها كانت "لي". شيئا فشيئا، تدحرج الحلم… برنامج صغير، إدارة البرامج الأجنبية، ثم مذيعة بالإنجليزية، ثم صوت لفلسطين بلغة العالم. لكن لم يكن الطريق ممهدا، فثمة دائما من يخافك حين تكون صادقا، من يراك تهديدا لا لأنك تتآمر، بل لأنك تجيد العمل. اتهموني، شوهوني، جرحوني، لكنني كنت أعود إليه كل مرة، لا كي يشفع لي، بل كي يسمعني كبشر. في كل مرة، كنت أجد فيه إنصافا بلا صخب، وعدلا بلا استعراض. وربما لم يهبني معجزة، لكنه لم يسلبني الأمل. ربما نسي مرة، لكنه لم يتعمد التجاهل. وربما نسيت أنا أن أشكره في العلن، لكني الآن أكتب، لا مدحا، بل شهادة.

شهادة حق، عن رجل لم يختبئ خلف مكتبه، ولم يتسلح بلقب، بل اختار أن يكون "إنسانا". في زمن كثر فيه الازدحام بالهتاف، كان عساف، صوتا بلا صراخ.. لم يصنع مني بطلة، لكنه أعاد لي ثقتي بنفسي، ومنحني حق المحاولة. وإن كان لا يقرأ هذه الكلمات، فأنا أكتبها كي أقول لزمن قادم: في قلب المؤسسات، أحيانا، يولد إنسان… وحين يولد الإنسان، تعود الكلمة إلى معناها. في حضرة ذلك الحلم، لم أعد موظفة، كنت أنا… كاملة، حرة، ومستحقة. وما زلت أؤمن: أحيانا، تكفي فرصة واحدة، كي تعود الحياة إلى حلم كاد أن يمحى.

 

حين يصير الإعلام سلاحا.. أحمد عساف ورواية فلسطين التي لا تسرق

أكتب اليوم، لا لأرسم صورة وردية، ولا لأختبئ خلف المجاز الأدبي، بل لأقول كما هو: نعم، تلعثمت أمامه أول مرة… وما زلت. لست ممن يهابون المواقف، لكن في حضرة الحلم، أحيانا تتعثر الخطى. وحين يتحول المسؤول إلى مرآة، ترى نفسك بوضوح مؤلم… وتنتظر أن يستفيق الحلم.

نحن أبناء وطن لا تقاس فيه الأشياء بعدد اللافتات، بل بعدد المرات التي حملنا فيه الحقيقة على ظهورنا، وركضنا بها إلى النور. في زمن لم يعد فيه للحياد مكان، وحين تغدو الحقيقة ضحية بين شريط إخباري وآخر، في زمن انكسرت فيه الموازين وتقدمت فيه الصورة على الرصاصة، والكلمة على القرار… كان لا بد من رجل يدرك أن المعركة لم تعد فقط على الأرض، بل على الذاكرة، على السرد، على من يكتب الرواية… ومن يرويها.

رجل كـأحمد نجيب عساف جاء من رحم التجربة الفلسطينية الكبرى، حاملا في صمته مشروعا، وفي حضوره ظل فكرة تقاتل لا بالبندقية، بل بالكلمة التي تعرف إلى أين تتجه. كان أشبه بقائد بلا ضجيج، يسير في حقول الألغام الإعلامية، ويعرف أن المعركة اليوم لا تخاض في الخنادق فقط، بل على الشاشات، وفي تفاصيل اللغة، وفي هيئة الرواية التي إن لم نكتبها نحن… كتبها عنا الآخر.

 لقد فهم عساف، قبل كثيرين، أن الاحتلال لا يكتفي بقنص الأجساد، بل يذهب أبعد: يقنص الرواية، يعيد تفصيلها، يملأ فراغاتها بالكذب، ويقدمها إلى العالم كما يشاء… لا كما حدثت. أدرك أن الرواية الفلسطينية تستهدف في جوهرها، لا في تفاصيلها فقط. في لغتها، في صورتها، في ملامحها التي تتلاشى حين يقصى الفلسطيني عن المنصة. ومن هنا، لم يكن عساف يبحث عن إعلام "يغطي"، بل عن إعلام يكشف، يواجه، يجيد الصياغة لا البكاء.. عن صوت لا ينوح، بل يشرح.. لا يتوسل، بل يفكك منظومة الظلم، ويقيم الحجة على العالم.

 

عساف.. الميكروفون الفلسطيني في زمن المعركة

في زمن تتسابق فيه المنصات، وتنحني فيه بعض الميكروفونات أمام أول ضغطة، كان عساف يرفع الميكروفون مثل متراس فلسطيني، ويحول كل مقطع، كل نشرة، كل صورة من أشلاء طفل في رفح أو عجز عجوز في مخيم جنين إلى وثيقة قانونية وإنسانية وسياسية. ما فعله عساف لم يكن إصلاحا تجميليا في مؤسسة لها وزنها، بل كان تحولا بنيويا في وظيفة الإعلام الفلسطيني، نقله من خانة التلقي إلى موقع الفعل الجاد، من خانة المفعول به إلى خانة من يصنع الفعل ويدير خطابه.

لم يعد الصحفي الفلسطيني الرسمي موظفا، بل مقاتلا شرسا واعيا، كاميرته سلاح، لغته موقف، وموضوعه ليس استجابة بل مبادرة سردية تنازع على الحقيقة. ولم يكن عساف في هذا كله خطيبا ولا شاعر منابر، بل رجل يصغي كثيرا ويتحدث قليلا، لكنه حين يتكلم تعرف أن الكلام ليس تزويقا، بل خطة، ليس شعارا بل وعيا بمعركة يعرف خرائطها جيدا. ربما لم يسع إلى المجد، لكنه أعاد الاعتبار للكرامة الإعلامية الفلسطينية، وجعل من النشرة المسائية ساحة مواجهة سياسية، ومن الفيلم الوثائقي أداة مساءلة أخلاقية، ومن الصحفي العادي شاهدا على زمن الاحتلال وزمن المقاومة.

ولأنه لا يحب الضجيج، لم يأت بخطاب انتصار بل بهدوء يشبه عمق المعركة نفسها، كان يعرف أن الكلمة حين تقال في وقتها وبصوتها قد تنقذ أمة كاملة من السقوط في فخ الصمت. ولذا، لم يكن عساف مجرد "المشرف العام على الإعلام الرسمي"، بل المشرف على خطاب فلسطين في عصر يتكاثر فيه التزويف وقلب الحقائق، وتصبح فيه الهوية نفسها عرضة للتشويه.

في زمن اختلطت فيه السرديات وتحولت فيه المنصات إلى ساحات قتال، كان صوت فلسطين بحاجة إلى من يحميه من التشظي دون أن يطفئه، وقد فعل.

 

"عساف.. حارس الرواية الفلسطينية في زمن السرقة والتشويه"

عندما تولى أحمد عساف مسؤولية الإشراف العام على الإعلام الرسمي، لم يكن ذلك في لحظة استقرار، بل في زمن بدا فيه كل شيء على المحك: الأرض تنهش، والقدس تهود، والدم الفلسطيني يستباح يوميا في وضح الشاشة، دون أن يجد له صدى عادلا في الإعلام العالمي أجمع. لم تكن النشرات تقنع، ولا الرواية تسمع، ولا الصوت الفلسطيني يجد طريقه خارج حدود الجرح.

كان الإعلام الفلسطيني، الرسمي منه تحديدا، يقف على حافة السؤال: هل ما زال قادرا على أن يكون حارس الرواية؟ أم أنه تحول إلى أرشيف بكاء يعلوه الغبار، لا يسمعه أحد؟ في هذا السياق المتصدع، لم يأت أحمد عساف ليدير أزمة مؤسساتية، بل جاء ليواجه سؤالا وجوديا: كيف يمكن للإعلام الفلسطيني أن يقاوم؟ وكيف يتحول من ناقل للحزن إلى صانع للوعي؟ لم يحمل عساف عصا سحرية، بل حمل رؤية. رؤية تعرف أن الحكاية الفلسطينية ليست مادة خاما للعواطف، بل قضية مشروعة تحكى بلغة العصر، وتخاض بمنطق المواجهة لا الشكوى. قال منذ اللحظة الأولى: "نحن لا نملك ترف الحياد، لأن الرواية تسرق من أفواهنا ونحن صامتون." وعلى هذا الأساس بدأ تحوله من الداخل. لم يغير الشعارات على الجدران، بل أعاد تشكيل البوصلة داخل العقول. ففي زمن باتت فيه الصورة أقوى من الخطب، والتغريدة أسرع من البيان، أدرك ض الإنجازات، بل من تشخيص العطب: ضعف لغوي، غياب التأثير، قلة انخراط في الفضاء الدولي، خطاب مكرر، مؤسسات منهكة، وكوادر تحتاج من يثق بها لا من يقصيها. وكانت البداية في الاعتراف بالحاجة إلى التحول: لا تجميل الواقع، بل مواجهته. لا تكرار الرواية، بل إعادة كتابتها بلغة لا تخون المعنى ولا تجامل الظلم. ولأن الحكاية تبدأ من الناس، من الصحفي والمعد والمراسل، فتح عساف أبواب التدريب لا كطقس بيروقراطي، بل كشرط للنهضة، وأعاد تشكيل غرف الأخبار كأنها غرف عمليات لصد الزيف وإنتاج المعنى. غادر الإعلام الرسمي لغة البيانات الباردة، ودخل فضاء المنصات الاجتماعية، بلغة تشبه الناس، وتحاكي وعيهم، فتحولت نشرة الأخبار إلى مساحة اشتباك سردي، وأصبح الخبر لا يركض خلف الرواية الإسرائيلية، بل يصنع روايته ويجر الآخرين للرد عليها.