حين يصبح الإصلاح فنًّا.. نزلاء يصوغون الأمل في معرضٍ للحياة
بالعمل والفن.. مبادرة لإعادة دمج النزلاء في المجتمع

رام الله- الحياة الجديدة- عبير البرغوثي
في زاويةٍ من مدينة رام الله، وبين جدران دار البلدية، وُلدت حكاية مختلفة. لم تكن لوحات فنية وحِرف يدوية عادية، بل كانت أصواتًا صامتة من خلف الجدران، تشق طريقها إلى المجتمع، لتقول: "نحن ما زلنا هنا، قادرون على التغيير، ومستعدون للبدء من جديد".
هذا ما عبّرت عنه منتجات نزلاء ونزيلات مراكز الإصلاح والتأهيل الفلسطينية في معرض الأشغال اليدوية والتراثية، الذي افتتحته وزارة الداخلية ممثلةً بوزيرها اللواء زياد هب الريح، والمديرية العامة للشرطة - قسم إدارة مراكز الإصلاح، بالتعاون مع مركز علاج وتأهيل ضحايا التعذيب، وبمشاركة عدد من الشخصيات الحقوقية والدولية، وعلى رأسها المستشار أكرم الخطيب، النائب العام، ومدير عام الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان عمار الدويك، وممثل هيئة الأمم المتحدة للمرأة سيمون ريدلي.

عند دخول المعرض، لا تشعر أنك أمام أعمال صنعها نزلاء قضوا سنواتهم خلف أسوار المراكز، بل كأنك في محترف فني راقٍ. فسيفساء دقيقة، مطرزات تراثية، نحاسيات وفخاريات، وكل تفصيلة مشغولة بعناية، تدل على أن هذه الأيدي لم تفقد الإحساس بالجمال، ولا التوق إلى التواصل.
منتجات بعضها ينتمي إلى التراث الفلسطيني بكل رموزه، وبعضها الآخر يُظهر لمسة إبداع حديث. وبين الألوان والخيوط، قصصٌ تختبئ… قصص نزلاء خانهم الطريق، لكنهم لم يفقدوا بوصلتهم الداخلية، فاختاروا أن يطرقوا باب الحياة من جديد، عبر الفن والعمل والإنتاج.
بألوان زاهية ومطرزات مزركشة، وخيوط صوفٍ منسوجة بدقة، اصطفت لوحات فنية وتحف يدوية داخل أروقة مسرح بلدية رام الله، شاهدةً على قصص إنسانية حيكت بأنامل نزلاء ونزيلات مراكز الإصلاح والتأهيل.
وزير الداخلية اللواء زياد هب الريح، الذي افتتح المعرض، اعتبر أن ما عُرض لا يُعبّر فقط عن قدرات مهنية، بل عن رسالة وطنية وروح فلسطينية قادرة على تجاوز التحديات. ورأى أن هذا الحدث يعبّر عن رهان القيادة الفلسطينية على وحدة الشعب وصموده، مشيرًا إلى أهمية تفعيل الطاقات الإيجابية، حتى في أكثر الظروف صعوبة.
المعرض الذي حمل رسائل حب وسلام خرجت من خلف القضبان، جاء ليكشف للعالم أن الأمل يمكن أن يولد في أحلك الظروف، وأن إعادة الدمج المجتمعي تبدأ من فرصة صغيرة لصناعة حياة أفضل.
في جولة بين زوايا المعرض، لفتتنا أعمال يدوية مدهشة تنوعت بين الفخاريات، الخرزيات، النحاسيات، والتحف التراثية. كلها نُفذت بمواد بسيطة، لكنها حملت في طياتها دلالات كبيرة ومعاني أعمق، فقد تجاوزت هذه الأعمال حدود المكان والزمن، وعبّرت عن أحلام أصحابها بحياة جديدة خارج الأسوار، بدخل يرفدهم ويساند أسرهم، ولو قليلاً.
النائب العام أكرم الخطيب، الذي حضر الافتتاح، شدد على أن العدالة لا تتحقق بإنزال العقوبة فحسب، بل بمنح من أخطأ فرصة حقيقية للإصلاح، وقال:"نقف اليوم أمام إبداعات لأشخاص خانهم الطريق، لكنهم لم يفقدوا القدرة على التعبير والإسهام، وهذه الأعمال تقول: نحن قادرون على التغيير".
وأضاف: "دعم برامج التأهيل ليس ترفًا، بل مسؤولية، لأننا نؤمن أن كل إنسان يمكن أن يُمنح فرصة جديدة، وإذا اقترنت العدالة بالرحمة فإنها تعيد تشكيل المصير"..
إعادة بناء الإنسان لا السجن فقط
أما المدير التنفيذي لمركز علاج وتأهيل ضحايا التعذيب، خضر رصرص، فقد أكد أن مراكز الإصلاح لم تعد مجرد أماكن حجز، بل مساحات لبناء الإنسان. وقال:"هذه المراكز أصبحت أماكن تعيد ترميم العلاقة بين الفرد والمجتمع، وما نراه من مشاغل فسيفساء وخياطة وأشغال يدوية هو تعبير عن إنتاجية حقيقية وانتماء حيّ رغم الانفصال المؤقت عن المجتمع".

دعم النساء في قلب العدالة
ممثل هيئة الأمم المتحدة للمرأة في فلسطين، سيمون ريدلي، قال:"ننظر إلى هذا المعرض كصورة من صور الصمود، ونقر بالسياق الصعب الذي يعيشه الشعب الفلسطيني، خاصة النساء في مراكز الإصلاح، اللواتي هنّ الأكثر تهميشاً."
وأكد أن دعم النزيلات من خلال برامج تمكينية وتوفير بيئة عادلة لهن هو جزء من التزام المجتمع الدولي تجاه حقوق الإنسان والعدالة المتوازنة، مركّزًا على أهمية تلبية احتياجات النساء بشكل خاص.
نافذة نحو الأمل
لم يكن هذا المعرض مجرد عرض فني، بل نافذة على حياة جديدة تُصنع في الظل، بأيدٍ قررت ألا تستسلم للخطأ أو العزلة. وبين التحف واللوحات والمطرزات، تقف حكايات لأشخاص أعادوا اكتشاف أنفسهم، ومن خلف جدران الإصلاح، أطلقوا رسائل محبة، وقدرة، وأمل، تنتظر أن تجد صداها في المجتمع.
العميد الدكتور الحقوقي صالح البرغوثي، مدير عام مراكز الإصلاح والتأهيل في فلسطين، أشار في تصريح لـ "الحياة الجديدة" إلى أن هذا المعرض يأتي ضمن رؤية إصلاحية تعتمد على إعادة تأهيل النزلاء وتأمين عودتهم إلى المجتمع كأفراد منتجين.
وقال:"ركّزنا على البرامج التأهيلية كجزء من خطتنا الاستراتيجية الممتدة منذ أكثر من ثلاث سنوات، والتي تهدف إلى بناء بيئة آمنة وفعالة داخل مراكز الإصلاح، تساعد النزلاء على الاندماج بعد الإفراج عنهم وتمنحهم مهارات مهنية تُمكّنهم من كسب عيشهم بكرامة، ما يقلل من احتمالات العودة للجريمة".
وإيمانًا بهذا النهج، تنوّعت برامج التأهيل لتشمل الحرف اليدوية وتصميم لوحات الفسيفساء باحتراف، ومشاريع البستنة والإنتاج الغذائي مثل الأجبان والمخللات، وبرامج التمديدات الكهربائية بالتعاون مع شركة كهرباء القدس. كما تم تخصيص برامج تعليمية أكاديمية تتيح للنزلاء مواصلة تعليمهم حتى مستويات البكالوريوس والماجستير، من خلال شراكات مع جامعات محلية.
وأكد البرغوثي أن هذه البرامج تُصمّم بما يتناسب مع خصوصية كل محافظة ومواردها المتاحة، مشيرًا إلى تجهيز المراكز بطريقة نموذجية تدعم هذا التوجّه الإصلاحي، عبر ورش ومشاغل متخصصة مثل ورش الكهرباء ومشاغل الفسيفساء والزراعة.
واختُتم المعرض برسالة واضحة:السجن ليس نهاية الطريق، بل قد يكون بداية لحياة أخرى تُصنع بالأمل والعمل والمهارة.
فما شاهده الزوار من أعمال فنية لم يكن مجرد منتج يدوي، بل انعكاسٌ لرحلة إنسانية داخل الجدران، بحثًا عن ذات جديدة، أكثر سلامًا وإنتاجًا.
أبعد من مجرد معرض.. إنه فرصة لحياة ثانية
المعرض، الذي يستمر حتى اليوم الخميس، لا يُقدّم منتجات فنية فقط، بل يطرح تساؤلات حول معنى "العقوبة"، ويُعيد تعريفها كفرصة للتغيير، لا كنهاية للحياة.
إنه تذكير بأن الإصلاح الحقيقي لا يتم بالقوة، بل بإعادة منح الإنسان الثقة بنفسه، والفرصة ليُثبت أنه قادر على النهوض مجددًا.
وبين كل لوحة فسيفساء، وكل قطعة فخار، وكل خيط مطرز، حكاية شخص قرر أن يعيد صياغة مصيره، من الداخل، من حيث تبدأ كل التغييرات الحقيقية.

مواضيع ذات صلة
غزة: مجتمعون يبحثون قرارات الفصل الجماعي ويطالبون الأونروا بالتراجع عنها
قوات الاحتلال تقتحم تجمع "خلة السدرة" البدوي قرب مخماس
الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء: الاحتلال يواصل احتجاز جثامين 776 شهيدا
إصابة طفل برصاص الاحتلال في مخيم قلنديا
لجنة الانتخابات تتسلم تعديلا على قانون انتخاب الهيئات المحلية 2026
الاحتلال يعتقل مواطنا من بلدة السيلة الحارثية
اليونيسف: حملة واسعة للعودة للتعلم في غزة تشمل 336 ألف طفل