أم يسار قرارة ذاكرة البيرة الحية.. من الحوش إلى الثوب سيرة امرأة تحرس هوية مدينة

كتبت د. ايمان هريدي
في أحضان مدينة البيرة، حيث الحجارة العتيقة تفوح بعبق الليمون والزعتر، وحيث كل زقاق يُفضي إلى حكاية، وكل حوش يهمس بأسرار الأجداد، تنبثق شخصية ام يسار قرارة كأنها فصل حيّ من تاريخ غير مدوّن. لم تكن هذه السيدة الفلسطينية مجرّد شاهدة على زمن مضى، بل هي راوية مثقّفة بالفطرة، تستنطق الذاكرة الجمعية بشهادتها الحيّة، وتختزل في كلماتها طبقات من المعنى التراثي والاجتماعي والإنساني.
لقاؤنا معها لم يكن عابرًا، بل كان بمثابة وقوف على تخوم الماضي، حيث يتداخل الشخصي مع الجماعي، ويصبح الحديث عن "ثوب" استعادة لهوية، وعن "نملية" قراءة في فلسفة الحياة اليومية، وعن "حوش" إعادة تعريف للجغرافيا الثقافية. هذه ليست مقابلة عادية، بل هي تأريخ بأدوات صحفية وأكاديمية لامرأة تقف على تماسّ مع الزمن الفلسطيني بكل تجلياته.
حين تتحوّل المعاناة إلى هوية
كان السؤال بسيطًا في شكله: كيف تعرّف بنت البيرة نفسها؟
لكن الإجابة لم تكن كذلك. لقد فُتح بابٌ على سيرة ذاتية مشحونة، تتقاطع فيها تفاصيل الألم الخاص مع البنية العامة لنساء المدينة. تجلس أم يسار قرارة، بملامح حفر الزمن فيها خطوطه، فتقول بنبرة لا تخلو من وجع:
"لا توجد كلمات تعبّر عن نفسي... حياة الشقاء التي عشتها، ومعاناة إصابة ابني كانت نقطة تحوّل."
هنا، لا تعود الإجابة مجرّد سرد ذاتي، بل تتخذ شكل وثيقة اجتماعية، تُعيدنا إلى سرديات النساء الفلسطينيات اللواتي لم يكنّ مجرّد شهود على الزمن، بل صنّاعًا له. في كلماتها، تتبدّى المرأة الفلسطينية كما عرفناها دومًا: لا تكسرها العواصف، بل تعلّمت كيف تزرع في الريح.
إن معاناة أم يسار ليست استثناءً، بل تكثيف لتجربة جمعية، تتوارثها النساء جيلًا بعد جيل. ذلك النوع من النساء اللواتي لا يتحدثن كثيرًا، لكن حين يفعلن، يصمت التاريخ احترامًا.
عيناها – وهي تتحدث عن لحظة إصابة ابنها نصير بالشلل خلال الانتفاضة الأولى – ليستا مجرد مرآة لحزن أم، بل مرآة لذاكرة مدينة كاملة، عاشت الانتفاضات والحصارات والأمل الخافت.
تبدو سيرة أم يسار قرارة كسيرة موازية للبيرة ذاتها. كلاهما لا تُروى دفعة واحدة. كلاهما تحمل طبقات من الألم والأمل، التماسك والانكسار، لكنهما دومًا تنهضان – واحدة بثوب مطرّز، والثانية بحكاية لا تموت.
الثوب البيراوي: خيطٌ من الذاكرة ولون من الهوية
في فلسطين، لا يُعد الثوب مجرد رداء تقليدي، بل هو لغة أخرى للانتماء. وإذا كان لكل مدينة فلسطينية "قاموسها" المطرّز، فإن "البيرة" نسجت لنفسها صفحة خاصة، تقرأها النساء من جيل إلى جيل كأنها مخطوطة حمراء على نسيج الحياة. وحين سألنا أم يسار قرارة عن سرّ ثوب نساء البيرة، جاء الجواب وكأنه استدعاء حيّ لذاكرة ملبوسة:
"اللي بميّز ثوب البيرة هو التطريز الأحمر والنقشات البسيطة. إحنا منحب البساطة... مش كتير عجقة بالألوان ولا بالرسمة."
ثوب العروس البيراوية: حين كانت الزفة هوية، والثوب سيرة من حرير
في البيرة، كما في معظم المدن الفلسطينية، لم يكن العرس مجرّد مناسبة اجتماعية، بل مشهدًا ثقافيًا مكتملًا، تتداخل فيه الأزياء والأغاني والطقوس كأنها أجزاء من طقس مقدّس، تتقدمه العروس كرمز للجمال والانتماء. وكان الثوب، كما تصفه أم يسار قرارة، يتوّج هذه المناسبة بلغة المطرزات والخيوط الدمشقية.
"كان ثوب العروس يا أبيض يا بيج… بنسميه بناشر روحي، وغالبًا يلبسوه ليلة الحناء. أما الثوب الأحمر، فكان للأيام التالية. كل عروس إلها ثوبين."
لكن هناك ما يميز عروس البيرة "المعتبرة" – كما تقول أم يسار – وهي التي تملك القدرة على اقتناء ثوب رومي أو ما يُعرف بـ"ثوب الملكة". كان هذا الثوب فارهًا، تُخاط تفاصيله في بيت جالا من خيوط حرير دمشقية أصيلة، ويستغرق إعداده وقتًا طويلًا وتكلفة باهظة. لم يكن ثوبًا للبس اليومي، بل قطعة مهيبة من الزينة والهيبة، يُستعار لاحقًا لعرايس أخريات، في تعبير واضح عن مكانة الثوب كأصل يُورّث ويتباهى به.
"المرأة كانت تتباهى بثوب الملكة والذهب… كانت تشوف حالها فيه، وتتمنّى بنات الجيران يلبسوه بعدها."
ورغم ما يختزله هذا الثوب من قيمة، إلا أن جمال المناسبة كان في تفاصيلها الشعبية. تستعيد أم يسار تلك الطقوس بنبرة لا تخلو من الحنين:
"العروس كانت تزف على فرس… وسط النسوان. بكمّ الثوب العريض كانت ترقص، والنسوة يسحجن و يغنّين: وين مشرق وين مغرب."
تسرد أم يسار زفافها بتفصيل بسيط لكنه دال: لم ترتدِ الثوب التقليدي، بل فستانًا أبيض. كان ذلك في زمن بدأت فيه الموضة الغربية تتسلل شيئًا فشيئًا إلى الذاكرة المحلية. لكن الزمن، كعادته، يعيد ترتيب المعاني. فبعد إصابة ابنها نصير بالشلل خلال الانتفاضة الأولى، تغيّر كل شيء.
"من يوم إصابة نصير، ما عاد يفارقني الثوب… صار عنواني وهويتي."
تلك اللحظة كانت فاصلة. انتقلت أم يسار من ارتداء الفستان الغربي إلى الانغماس في هوية الثوب الفلسطيني. لم يكن قرارًا منسوجًا من قماش فقط، بل من قناعة وجدانية: أن الثوب ليس رداء بل موقف. ومنذ ذلك الوقت، كما تقول، أصبحت خزانتها مليئة بالثياب المطرزة، وأحبها إلى قلبها "الثوب السكّني المطرز بالأحمر".
في تفاصيل هذا التحول، نقرأ رحلةً روحية أكثر منها مادية. من الانبهار بالمستورَد إلى الاعتزاز بالأصيل، من فستان غربي إلى ثوب فلسطيني يتحدث بلغة الأجداد. تقول أم يسار:
حتى الثوب اليومي لم يكن مجرد زيّ. كان امتدادًا لحياة المرأة، ورفيقًا لأنوثتها وعملها ومسؤولياتها. في الجيب تُخبئ مقتنياتها الصغيرة، وفي التطريز تُخبئ قصة عمر. أمّا الرجال، فلباسهم التقليدي كان "حطّة بيضا وعقال"، في انسجام بصري واجتماعي مع ثياب النساء.
البيت البيراوي: حوش، نملية، وامرأة تحمل ذاكرة الحيطان
لا تكتمل رواية التراث البيراوي دون عبور أبواب "الحوش"، ذاك الفضاء الذي كان البيت والملجأ والمجتمع المصغر. في حديثها، لا تستعيد أم يسار قرارة فقط ذكريات المكان، بل تنفض الغبار عن حياة يومية كانت تجري بين الجدران، حيث تتوزع المهام كما تُوزع الحكايات، وتُبنى الأسرة كما تُبنى جدران الطين :
"تزوجت في بيت العيلة… غرفة واحدة في حوش دار مغنم. عشت فيها مع حماتي وحماي وأولادهم الستة. وكنت أنا الكنة الكبرى… وكانت كل المهمات تبدأ من عندي."
النملية: الخزانة التي تحفظ تراث المرأة في صمتها
حين تنتقل أم يسار إلى الحديث عن "النملية"، صوتها يصبح أكثر دفئًا:
تستذكر "النملية" – تلك الخزانة الخشبية ذات الطوابق الثلاثة – كمتحف صغير داخل كل بيت، يُعرض فيه كل ما يُحفظ من مؤونة ومستلزمات البيت. النملية لم تكن مجرد قطعة أثاث، بل مرآة منزلية لأصالة المرأة، لما تحمله من مجففات ومخللات وأطباق زجاجية كانت محط فخر. وكما تقول أم يسار:
"من لا تراث له لا هوية له… والنملية كانت تراثنا المصغر."
من المطبخ إلى الذاكرة: المائدة البيراوية لا تنضب
في سيرة المدن كما في حياة الناس، تبقى المائدة بيتًا آخر، تُعبّر فيها المجتمعات عن ذوقها، وعلاقتها بالأرض، وتركيبتها الاجتماعية. هكذا، تأخذنا أم يسار قرارة، ابنة البيرة، في جولة داخل المطبخ البيراوي، ليس كمجرد مكان للطبخ، بل كفضاء ثقافي متكامل تنعكس فيه قيم الاكتفاء، والإبداع، والهوية الجماعية.
"لا يوجد بيت في البيرة إلا ويعتمد على إنتاجه الخاص… الأغنام، الدواجن، البيض، الحليب، الزبدة، اللبن، الكوسا، الزهرة، البندورة، وزيت الزيتون. هذه مواردنا… وهذه كانت قوتنا."
تبدأ أم يسار حديثها من القاعدة الذهبية للبيوت الفلسطينية القديمة: الاكتفاء الذاتي. ما يُزرع يُؤكل، وما يُربّى يُستهلك، وما يُنتج يُخزن بمهارة وسخاء. فلا غرابة أن يكون الطعام فيها مرتبطًا بفصول السنة، وأعيادها، وطبيعة المواسم. لكل وقت طبقه، ولكل مناسبة نكهتها.
تشير إلى يوم الجمعة، يوم اللمة العائلية، حيث كانت الموائد تُعدّ بعناية، ويتحول الغذاء إلى طقس جماعي يلمّ العائلة حول قدر المنسف أو طنجرة المقلوبة:
"المنسف، المقلوبة، المحاشي… هذه كانت طبخات الجمعة، يوم اجتماع العيلة."
أما أيام الأسبوع، فتأخذ طابعًا أبسط، ولكن لا يقل غنىً ودفئًا: العدس المجروش، فتة الحمص بالسمنة البلدية، الفول، المجدرة. كلها وصفات تستند إلى البقوليات كعماد غذائي وروحي، تغذي الجسد وتجمع القلوب.
وفيما يخص الحلويات، تسرد أم يسار الأسماء بنبرة من الحنين العذب:
"الحلبة، الهريسة، الزلابية… والمطبق كنا نعمله في الأطراح. أما الجراديش، فكانت للناس اللي عندهم أغنام كتير."
هنا، تتحول الحلويات إلى مؤشر اجتماعي مبطن: من يمتلك الأغنام، يستطيع أن يصنع الجراديش – الطبق الدسم الغني بالزبدة والسمون – دلالة على وفرة الموارد وقدرة العائلة.
وتضيف:
"في الأعياد، كان معمولنا من الطحين. ما كان في سميد. كنا نشتغل باللي موجود… لكن الطعم لا يُنسى."
ففي غياب المكونات الحديثة، حضرت البساطة، وكانت الحيلة والحرفية هما سرّ النكهة الأصيلة.
من لا يحفظ الحوش، لا يعرف كيف تحفظ المدن هويتها
في عالمٍ سريع التغيّر، حيث تسابق المدن أنفاسها، وتكاد الأزقة القديمة تبتلعها أبراج الأسمنت، تبدو شهادة أم يسار قرارة أشبه بجرس إنذار، أو بصيص ضوء يذكرنا بما يجب أن لا ننساه: أن الهوية لا تُكتب في الخطابات الرسمية فقط، بل تُعاش في تفاصيل الحياة اليومية؛ في الثوب المطرّز، في طنجرة المجدّرة، في زقزقة الكناين، وفي رائحة الطابون الذي كان قلب الحوش.
أم يسار ليست مجرد امرأة فلسطينية من البيرة، بل يمكن وصفها بدقة بأنها فصل حيّ من كتاب المدينة. شهادتها، وإن انطلقت من وجع شخصي – إصابة ابنها، وقسوة الحياة – تجاوزت حدود الذات، واتسعت لتصبح وثيقة اجتماعية متكاملة، تسجل ما غاب عن السجلات الرسمية: ممارسات النساء، الأدوار العائلية، ثقافة الإنتاج، فلسفة الاقتصاد المنزلي، شكل الطقوس، معايير الجمال، معنى الاحترام، وحدود السلطة داخل البيت.
لقد أعادت عبر سردها البسيط والعميق رسم ملامح الحياة في البيرة، كما كانت تُعاش في الحوش: المساحة الجامعة التي كانت تختزل العائلة، والمجتمع، والاقتصاد، والتراث في آن واحد. هذا الحوش، الذي ضاق بغرفه واتسع بقلوبه، كان المكان الذي تُغزل فيه الذكريات. من يخسر الحوش، يخسر سياق المدينة.
وفي ظل ما نشهده من تآكل للذاكرة الشعبية، حيث تُمحى أسماء الجدّات من الأذهان، ويُستبدل "الدوشك" المستطيل بسرير عصري، وتُغلق النوافذ أمام النسيم والقصص، يأتي صوت أم يسار ليعيد ترتيب أولوياتنا، لا كحنين عابر، بل كنداء ثقافي: التوثيق، التقدير، والنقل إلى الجيل القادم.
لأن ما نراه اليوم "ثوبًا تقليديًا"، هو في الحقيقة خارطة قروية مشفّرة بلون التحدي ورمز الطبقة. وما نظنه "زريبة أغنام"، كان مدرسة في الصبر ومهارات الحياة. وما نسميه "نملية"، هو في الحقيقة خزانة ذاكرة، تضم أحلام امرأة، وجهاز عروس، وجرار زعتر، وكؤوس فرح.
في زمن تُختزل فيه الأنوثة في الصور وتُقاس الجدارة بأجهزة المطبخ الحديثة، تُذكّرنا أم يسار أن المعيار الحقيقي للمرأة كان في نظافتها، في خزينتها، في طهوها، وفي جدّيتها. لم يكن لديها وقت "للتسلية"، كما تقول، بل الوقت كان موزعًا بين خدمة البيت والزوج والأولاد والمجتمع. هي المرأة التي طرزت التاريخ، دون أن تنتظر أن يُكتب عنها.
أم يسار لم تضع ثوبها جانبًا بعد زواجها، بل ارتدته بكل ما يحمله من هوية وذاكرة وموقف، خاصة بعد إصابة ابنها، ليصبح الثوب – كما تقول – عنوانًا وهويةً. ومنه، خيطت لنفسها موقعًا لا يليق إلا بامرأة تعرف كيف تحوّل الألم إلى إرث، والغرفة الواحدة إلى مملكة.
وفي ختام هذه الشهادة الحية، نترك الكلمة الأخيرة لأم يسار:
"كم أتمنى أن تعود الأيام القديمة… حيث كنا نعمل ونغني، حيث التراب كان نعمة، والحوش قلب البيت…"
كلماتها ليست مجرد حنين، بل بيان ثقافي ومجتمعي، يذكّرنا أننا إن أردنا أن نحفظ فلسطين، فعلينا أولًا أن نحفظ الحوش… لأن من لا يحفظ الحوش، لا يعرف كيف تحفظ المدن هويتها.
مواضيع ذات صلة
مصطفى يؤكد دعم كل جهد لإغاثة شعبنا في غزة بما يضمن وحدة شطري الوطن
الاحتلال يُصدر ويجدد أوامر الاعتقال الإداري بحق 28 معتقلا
ارتفاع حصيلة الشهداء في قطاع غزة إلى 71,662 والإصابات إلى 171,428 منذ بدء العدوان
المرأة الغزية.. أم معيلة ودرع في زمن العواصف
جنين "تداوي" مشفاها
مواجهات مع الاحتلال في بيت فوريك شرق نابلس
الاحتلال يقتحم جيوس شرق قلقيلية