عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 14 تموز 2025

مختصون وخبراء يرسمون صورة للعطش الفلسطيني

جنين- الحياة الجديدة-عبد الباسط خلف- يشترك مسؤولون ومختصون وخبراء في رسم صورة قاتمة لواقع المياه في فلسطين، إثر شتاء خجول، لم يشهد غير هطول نحو 51 من الأمطار، وبالتزامن مع صيف جاف بدأ بقوة.

ويجلس مهندسون ورئيس بلدية في استوديو تلفزيوني أزرق في الجامعة العربية الأمريكية، ويشرعون في عرض معطيات وبيانات مقلقة لا تخص جنين وحدها، بل تشير إلى محافظات الوطن الشمالية والجنوبية أيضًا.

ويطالب المسؤولون وخبراء مياه باتخاذ إجراءات عاجلة وفعالة لإدارة وطنية لمصادر المياه، وضبط المستخدم منها في الزراعة لكبح العطش. 

تحرّر

ويحث المشاركون، بنبرة قلق، على إعادة هيكلة قطاع المياه، وتبني خطة عملية للانفصال عن شركة مياه الاحتلال، واتخاذ خطوات للتوسع في ممارسات الحصاد المائي والاستخدام الأمثل للمياه عبر إعادة استعمال المياه الرمادية والسوداء بعد معالجتها، وتشجيع الزراعات الحديثة الموفرة للمياه.

وتجمع المديرة العامة للمصادر في سلطة المياه، ماجدة علاونة، ومدير عام وزارة الزراعة في جنين، رائد أبو خليل، ومدير عام مركز التغير المناخي في الجامعة العربية الأمريكية، إياد يعقوب، ومدير عام الشمال في مجموعة الهيدرولوجيين، سامي داوود، وخبير المياه المستقل صايل وشاحي، ورئيس بلدية جنين الأستاذ محمد جرار، وممثلو مؤسسات زراعية وبيئية وبلديات إلى تطبيق الأنظمة والقوانين الخاصة بالمياه، وإقرار قانون جمعيات مستخدمي المياه الزراعية، واتخاذ تدابير لاستخدام المياه المعالجة في الري، وتبني سياسات الحصاد المائي والري الذكي لكبح التغير المناخي.

نهب

ويعتبر المشاركون في ندوة نظمها مركز العمل التنموي/ معًا ومؤسسة هينرش بُل- فلسطين والأردن بالشراكة مع إذاعة الجامعة العربية الأمريكية، ضمن حوارات مجلة "آفاق البيئة والتنمية"، أزمة المياه سياسية ومناخية في ظل نهب الاحتلال لأكثر من 85% من الموارد المائية الفلسطينية، الأمر الذي يتطلب إشراك المواطنين في تحمل المسؤولية لإدارة المصادر المتاحة.

ويؤكد المشاركون في ندوة (المياه في فلسطين: الاستلاب والشح والتعطيش والحلول) ضرورة تبني زراعات حديثة مقاومة للجفاف، وقادرة على الـتأقلم مع الظروف المناخية القاسية.

ووفق البيانات، فإن حصة الفرد من المياه بغزة الجريحة لا تتجاوز نصف الكميةٍ المقدرةٍ للحد الأدنى الإنساني المطلوب في حالات الطوارئ وهي خمسة عشر لتراً للفرد باليوم.

88 لترًا

وحسب معطيات 2023، فإن حصة الفرد اليومية من المياه 88 لتراً للفرد باليوم، وهي أقل من المعدل الموصى به عالمياً، البالغ 100 لتر للفرد يوميًا، في يزيد معدل استهلاك المحتل الإسرائيلي للمياه يزيد ثلاثة أضعاف عن المواطن الفلسطيني، ويتضاعف المعدل للمستعمرين الإسرائيليين إلى أكثر من 7 أضعاف استهلاك الفلسطيني.

وتؤكد علاونة أن الاحتلال يمنعنا من حق الوصول إلى مواردنا المائية، في وقت زادت خلال المعاناة بفعل هطول نحو 51 % من الأمطار الموسم الماضي،

وتشير إلى أن سلطة المياه توزع الكميات المتاحة من المياه بعدالة بين المواطنين، وبالرغم من حصول الفرد في الضفة الغربية على 88 لترًا في اليوم بالمتوسط، إلا أن بعض المناطق خاصة المسماة (ج) تقل فيها الحصة عن 30 لترًا.

وتوضح علاونة أن الاحتلال يعرقل الوصول إلى المصادر المائية المتاحة، عدا عن نهبه لأكثر من 85% من مواردنا، وفرضه قيودًا عديدة على تأهيل الآبار وحفرها، ومنعه لتطوير شبكات المياه والينابيع، ما يتطلب ضغطًا سياسيًا على الاحتلال لانتزاع حقوقنا المائية.

وتبين أن خطة توزيع المياه في الخليل بين تجمعاتها السكانية تسير قدمًا، بالرغم من شحها وحصول المواطن على أقل من 80 لترًا يوميًا.

وتؤكد أن السلطة تعمل على نظام التعرفة لأسعار المياه، ونظام المياه الزراعية، وتؤسس جمعيات مستخدمي المياه، وتشجع على استخدام المياه المعالجة.

ملجأ

ويصف أبو خليل الزراعة بـ"ملجأ" يمتص الأزمات الاقتصادية المختلفة، كما اعتبرها خط الدفاع الأول عن المزارعين.

ويؤكد أن الأمن المائي في فلسطين مهدد من الاحتلال والتغير المناخي على حد سواء، مع السيطرة الإسرائيلية على معظم الموارد المالية، وينهب الأرض والمياه في المناطق المسماة (ج).

ويبين أبو خليل أن عناصر المبادرة المائية تشمل التحول إلى الزراعات البعلية، واستنباط أصناف جديدة متحملة للجفاف والتغيرات المناخية مثل الكينوا، والتوسع في الحصاد المائي بحفر آبار جمع وتوفير برك زراعية وتأهيل محطات التنقية وتشجيع استخدام المياه الرمادية، والتوجه نحو الري المحوسب والاستخدام الأمثل للمياه الزراعية.

 

أمن قومي

ويقول يعقوب إن العالم يعتبر التغير المناخي قضية "أمن قومي"، وليس على الهامش، ما يتطلب من الدول النامية اتخاذ الخطوات الضرورية لكبح هذا التغير، الذي يجبر السكان على هجرة المناطق التي تعاني الجفاف.

ويكشف أن درجة الحرارة في فلسطين ارتفعت خلال السنة الأخيرة بـ 2.5 درجة، بينما زادت عالميًا بـ 1.5 درجة، ما يعني أننا الأكثر تأثرًا بهذا التغير، وارتفاع الحرارة والتبخر، وقلة الرطوبة، وزيادة الجفاف والموجات الهوائية، وحدوث العواصف التي تجلب الأمطار بكميات كبيرة في أوقات محدودة، دون توزيع كامل.

ويوضح أن 60% من أمطار جنين في موسم 2018 هطلت خلال أسبوعين، ما يعني أنها تذهب للجريان السطحي، ولا تساهم في تغذية المخزون الجوفي.

ويصف النغير المناخي بـ"الكارثة" التي تتطلب تدخلات عاجلة من صانعي القرار، تكون بعيدة عن ردات الفعل وتتوج بإجراءات عملية، في ظل توقعات بارتفاع الحرارة في فلسطين بـ4 درجات فوق معدلها.

 

شح

ويرسم داوود مشهدًا لواقع المياه في الضفة الغربية وقطاع غزة في ظل نهب الاحتلال للمياه.

ويقول إن معظم المناطق الفلسطينية تعاني شحًا وانقطاعات في المياه صيفًا، وهناك تجمعات لا تتعدى حصة المواطن فيها 55 لترًا يوميًا.

ويوضح أن مناطق جنين والخليل وسلفيت وجنوب شرق نابلس بالأكثر فقرًا مائيًا.

ويشير داوود إلى أن ممارسات المستوطنين الحالية تهدف للسيطرة على الأرض، والاستيلاء على الينابيع، وقطع أنابيب المياه، ومنع جنود الاحتلال قبل عدة أيام من إصلاح شبكة تغذي 8 قرى يقطنها 20 ألف مواطن في جنوب نابلس، بعد تدميره.

ويصف داوود المشهد في غزة بالأكثر تعقيدًا، فقبل عدوان خريف 2023، كانت الإحصاءات تشير إلى أن أكثر من 97% من مصادر المياه ملوثة، لكن الحال تعقد أكثر بعد تدمير نحو 80% من البنية التحتية في القطاع، مع تقلص حصة المواطن إلى 3-15 لترًا يوميًا، هو الحد الأدنى للعيش في حالة طارئة، ورغم ذلك لا يتوفر الأمن للوصول إليها بفعل الحرب.

 

عوائق

ويقول وشاحي إن الوضع المائي صعب جدًا، ليس بسبب عدم توفر مصادر مياه ففلسطين غنية مائيًا، لكن الاحتلال يضع معيقات على الوصول إليها، كما تضعف القدرة الحكومية على توفير موارد مالية لإدارة وتطوير مصادرها.

ويبين أن المياه السطحية غير مستفاد منها بشكل عام، إذ قلت بفعل الجفاف، وزادت بسبب الأمطار الفيضانية.

ويذكر وشاحي أن المياه الجوفية في فلسطين هي المصدر الرئيس، وتتغذى من مياه الأمطار والمياه السطحية، وكلما تراجعت الأمطار قلت تغذية المياه الجوفية، التي تتناقص كميتها، وتتراجع تصريف الينابيع، وتقل جودة المياه.

 

جنين

ويبين جرار، أن الواقع المائي اليوم في جنين ومخاطر العطش التي تحدق بمواطنيها.

ويقول إن المدينة تعاني شحًا مائيًا، وسط فاقد بنحو 60% في شبكاتها المتهالكة، التي يتجاوز عمر بعضها عشرات السنوات، وفق دراسة نفذتها مؤسسة بريطانية.

ويذكر جرار أن مصادر جنين المائية منقسم إلى ثلاثة: الآبار التابعة للسلطة المياه (أبو عرب، والسعادة) وتشكل نحو 37%، ووصلة شركة مياه الاحتلال، التي تزود المدينة بنحو 100-120 مترًا مكعبًا يوميًا بنحو 22%، والتعاقد مع 13 موردًا محليًا من آبار خاصة.

ويوضح أن بئر السعادة المغذي لنحو 30% من مياه المدينة، تعطل بفعل الاجتياح المتواصل 70 يومًا خلال 6 أشهر، واستهداف الخطوط الناقلة لبئر أبو عرب، الذي توقف 11 يومًا.

ويشير جرار إلى تعرض وصلة (ميكروت) إلى سرقات مزمنة، كما فقدت الآبار الخاصة بنحو 50% من قدرتها على الضخ جراء واقع الجفاف وانخفاض منسوبها.

ويحذر من أن جنين معرضة في أية لحظة لسيناريو صعب جدًا، خاصة في ظل حالات شهدت تناقص المياه بنحو 80%، وغياب الشبكات عن 11 ألف دونم من مساحاتها.

ويؤكد أن البلدية تضخ نحو 900 آلاف متر مكعب يوميًا لـ 100 ألف مواطن، وتسعى إلى البحث عن حلول دائمة في تشغيل بئر جنزور، الذي ينتج نحو 350 مترًا مكعبًا في الساعة، ويحتاج إلى مليون و200 ألف دولار، وفرت (جايكا) نصف مليون منها، وتعجز عن توفير 700 ألف دولار لتشغيله.

ويوضح أن جنين تعرضت بفعل الاجتياح الحالي والمتواصل إلى خسائر في 39 كيلو مترًا بخطوط المياه الناقلة، عدا عن استهداف قرابة 45 % من الشبكات في الأحياء، بخسائر فقات 12 مليون دولار.

ويلخص موزع المياه وممثل مزارعي طمون في "مصلحة المياه الزراعية" محمد بشارات، حال بلدته التي فيها 2700 مزارع ينتشرون فوق قرابة 20 ألف دونم دفيئات وحقول مكشوفة.

ويذكر المزارع وعضو جمعية برقين الزراعية، علي سهمود، أن محصول الخيار يحتاج كميات هائلة من المياه، لذلك كان من الضروري تخفيف زراعته في مواسم الجفاف.

ويتطرق منسق مركز (معًا) في جنين، حسن أبو الرب إلى تدخلات المركز في التخفيف من أزمة المياه لمستشفى جنين الحكومي، عبر تزويده بخزانات تتسع إلى 150 مترًا مكعبًا.

ويقول ممثل وزارة الزراعة، محمد سهمود، إن الوزارة تعمل منذ سنوات على إدخال أصناف جديدة قادرة على تحمل الجفاف.

وتؤكد مديرة سلطة جودة البيئة في جنين، لمى جراد، أن دور السلطة يخصص لتوعية المواطنين بالاستخدام الأمثل للمياه وجمعها في الشتاء، والمحافظة على نظافة مصادرها، والتشجيع على إعادة استعمال المياه الرمادية والسوداء بعد معالجتها وفحصها.

ويفيد المزارع عصام خلف بأن قلة الأمطار انعكست سلبًا على الآبار الزراعية، وبدأ الارتفاع في أثمان المياه.

ويوضح مدير محطة قباطية في المركز الوطني للبحوث الزراعية، لؤي تيلخ، أن المركز يحث على زراعة نباتات تتكيف مع الجفاف والتغير المناخي، ونفذ دراسة على 30 صنًفا من الكينوا، ووصل إلى 16 نوعًا منها يمكن زراعته في فلسطين.