عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 14 تموز 2025

الاحتلال يفقأ "عين سامية" ويحاصر ريف رام الله بالعطش

رام الله- الحياة الجديدة- حنين خالد- في مشهد يتكرر يومياً، يُشبه "السطو المسلح"، تُحاصر قوات الاحتلال والمستوطنون منطقة عين سامية شرق مدينة رام الله، يتناثر فيه صوت المعاناة بين جدران الاحتلال التي تزداد قسوة مع كل يوم؛ وحلم السرقة في هجوممتعدد الأوجه يستهدف المورد المائي الأساسي لعشرات آلاف الفلسطينيين، ويطال أراضي زراعية تاريخية في بلدة كفر مالك، محرّكاً جرس إنذار لما وصفه الأهالي بـ”كارثة وجودية وبيئية” تلوح في الأفق.

 

جريمة مزدوجة.. تخريب المياه واستباحة الأرض

فارس المالكي، مدير العلاقات العامة في مصلحة مياه محافظة القدس، أكد أن ما يجري في عين سامية يتعدى حدود التخريب ليصل إلى جريمة مركبة تمس الأمن المائي والإنساني للفلسطينيين.

"الاعتداءات لم تقتصر على البنية التحتية، بل استهدفت بشكل مباشر محطات ضخ رئيسية وخطوطاً استراتيجية أبرزها خط الإمداد المرتبط بالبئر رقم (6)، أحد أضخم مصادر المياه في المنطقة؛ كما تم تدمير لافتات رسمية لمصلحة المياه، وكاميرات المراقبة، وحتى قامو بسرقة بوابات المحطات"؛ يقول المالكي.

وفي سياق متصل؛ يوضح أن الطواقم الفنية تواجه مضايقات يومية من المستوطنين وصعوبة بالغة الخطورة في الوصول إلى مواقع الآبار وصيانتها، وأن البئر رقم (4) وخطوط التغذية المرتبطة به تعرضت للتخريب، إضافة إلى اقتحام الآبار رقم 2 و3، ما يهدد مباشرةً إمدادات المياه لنحو 110,000 مواطن فلسطيني في محافظة رام الله الأمر الذي يفاقم من حجم الأزمة.

ومع تزايد التهديدات بدأت السلطة الفلسطينية التحرك عبر بلاغات قانونية وتستعد لتقديم ملف شامل أمام السلك الدبلوماسي الأوروبي لوقف استغلال المياه كأداة سياسية.

نحن نخوض معركة قانونية وإنسانية للدفاع عن حق شعبنا في الحياة والمياه،علماً أنّ المياه ليست ورقة استعمارية بل حق إنساني تكفله الأعراف الدولية. يضيف المالكي.

عين سامية… تاريخ مائي عمره 7000 عام في مرمى الاستيطان

تغذي آبار عين سامية الخمسة، أكثر من 19 تجمعاً سكانياً بشكل مباشر، أبرزها: دير دبوان، سلواد، بيتين، المزرعة الشرقية، الطيبة، والمغيّر، بالإضافة إلى تغذية 14 تجمعاً آخر عبر محطة رام الله، منها بيرزيت، الجلزون، عطارة، وأبو قش.

"أي توقف في الضخ من هذه الآبار، يعني انقطاعاً للمياه عن 65 ألف مواطن على الأقل، خصوصاً في ذروة الصيف، حيث ترتفع الحاجة للمياه بشكل كبير"، يُحذّر المالكي.

يقول المالكي: "إن عين سامية ليست مجرد مصدر للمياه، بل إرث حضاري تاريخي يعود إلى أكثر من 7000 عام، حيث تم العثور فيها على آثار كنعانية، وقبور رومانية، وأنفاق إسلامية، لكن كل هذا التاريخ لم يمنع المستوطنين من تحويلها إلى ساحة تخريب ممنهج واستيلاء ضاربين بعرض الحائط تاريخاً يعود الى الاف السنين".

 

كفر مالك.. الأرض تصرخ والمزارعون بلا عمل

عوض حمايل، مزارع من كفر مالك، يروي كيف تحولت أراضيهم إلى "منطقة عسكرية مغلقة" بقرار المستوطنين بعد ان اشعلو فتيل التدمير والتخريب وبدعم جيش الاحتلال.

يقول:" زرعت هذه الارض لأكثر من 30 عاماً، اليوم أراها تتحول الى معسكر محاط بالاسلاك؛ في هذه الأرض. الآن لم نعد قادرين على الاقتراب. حيث المواشي تلتهم مزروعاتنا، وأقيمت بؤرة رعوية قبل عامين، ومنذ ذلك الحين بدأت هجمات المستوطنين، تخريب شبكات المياه والاعتداءات، سرقة المعدات", ويضيف، نحن بعيدون عن القرية ( بين 4 الى 5 كم)، ولا تجد أي وسيلة مساعدة سريعة.

ويضيف حمايل؛ أن العنف الجسدي والتهديدات تصاعدت، خاصة بعد الحرب الأخيرة على غزة، إذ تم اعتقال مزارعين لمجرد تواجدهم في أراضيهم.

"أمامنا خياران: السجن أو ترك الأرض. ومع الحواجز التي أقامها الاحتلال؛ أصبحنا محرومين من الوصول الى أراضينا؛ لا زراعة، لا تسويق، ولا حتى رعاية الماشية",

ويُقدّر عدد العائلات التي فقدت مصدر رزقها بنحو 40 عائلة، حيث تُزرع هناك محاصيل مثل الزعتر، الزيتون، الجوافة، المشمش، والتين.

 

الاحتلال يُحكم الإغلاق… والمستقبل في مهب الريح

"جيش الاحتلال أكمل المهمة"، يقول حمايل، "تم وضع حواجز وسدود بين كفر مالك ومنظقة عين سامية  ومنعنا تماماً من الدخول. واعتقال العديد لمجرد تواجدهم في أراضيهم، حتى إدخال السماد أو المعدات الزراعية أو تسويق المنتجات بات مستحيلاً".

ورغم أن ملكية الأراضي في كفر مالك موثقة رسمياً؛ سواء في سجلات الطابو الفلسطيني أوبيت إيل، إلا أن الواقع الذي فرضه الاستيطان يشير إلى سطو فعلي على الأرض، كما يصفه.

يتابع بحزن قائلًا: "الضرر ليس مادياً فقط، بل نُسف نسيج الحياة بأكمله. باع السكان ماشيتهم وأغلقوا مزارعهم. وأصبحوا بلا عمل، تحت لا نعيش فقط تحت الاحتلالبل نُحاصر بلا رصاص ونُقتل بالعطش.”

 

"إبادة مائية وزراعية"

في ظل الاعتداءات الممنهجة والمتواصلة التي تطال الموارد الطبيعية في منطقة عين سامية شرق محافظة رام الله والبيرة، تُعبّر وزارة الزراعة عن بالغ قلقها إزاء ما تتعرض له هذه المنطقة الحيوية من استهداف مباشر لأراضيها الزراعية ومواردها المائية، التي تُعد شريان الحياة للمزارعين الفلسطينيين وأساس صمودهم على أرضهم.

محمود فطافطة، الناطق باسم الوزارة، أكد أن الاحتلال والمستوطنين أقدموا مؤخراً على الاستيلاء على 5 آبار مياه جوفية تُعد المصدر الرئيس لري المحاصيل الزراعية وتوفير مياه الشرب، في وقت يعتمد فيها أكثر من 70% من مزارعي المنطقة على هذه الآبار، بحسب تقارير سلطة المياه الفلسطينية. وأضاف أن "هذه الانتهاكات تمثل ضرباً واضحاً لحق شعبنا في الوصول إلى موارده الطبيعية".

وأشار فطافطة إلى أن مشتل عين سامية، الذي ينتج سنوياً نحو 180,000 شتلة حرجية تُوزّع على مختلف محافظات الوطن، قد تعرّض لتدمير واسع، مما أثر بشكل مباشر على نحو 20 دونماً من العنب اللابذري و124 دونماً من أراضي البستنة الشجرية التي تشمل الزيتون، الجوافة، العنب، الحمضيات، والأفوكادو – وهي محاصيل استراتيجية تُساهم في تحقيق الأمن الغذائي وتشكل مصدر دخل لعشرات العائلات وتشغّل عدداً كبيراً من الأيدي العاملة.

كما طال التدمير مشتلاً خاصاً لإنتاج أشتال الزيتون، إضافة إلى عدد من البيوت البلاستيكية، وتجريف ما لا يقل عن 100 دونم من محاصيل الزعتر والخضار المكشوفة. وفي اعتداء استفزازي آخر، قام المستوطنون بتحويل بركة زراعية تعود للمواطن صالح أبو حشمت إلى مسبح لقطعانهم، في انتهاك صارخ لكل الأعراف والقيم الإنسانية.

وأكد فطافطة أن هذه الاعتداءات ليست أحداثاً منفصلة، بل تأتي في إطار سياسة ممنهجة تستهدف القطاع الزراعي الفلسطيني بأكمله، حيث تم توثيق تدمير أكثر من 2.5 مليون شجرة منذ عام 1967، وفقاً لتقارير وزارة الزراعة ومنظمة الأغذية والزراعة الدولية (FAO). وأوضح أن أكثر من 85% من مصادر المياه الجوفية في المنطقة المصنفة (ج) تخضع لسيطرة الاحتلال الإسرائيلي، ما يحرم المزارعين من حقهم الطبيعي في مياههم.

وأضاف: "الاحتلال لا يكتفي بسرقة المياه في عين سامية فحسب، بل يواصل نهبها من نبع العوجا في أريحا والأغوار، في انتهاك واضح للقانون الدولي والمواثيق الإنسانية".

وشدد فطافطة على أن هذه الممارسات تُعد جريمة ضد الإنسانية وتهديداً مباشراً للأمنين المائي والغذائي في فلسطين، خاصة في ظل ما أشار إليه تقرير البنك الدولي لعام 2022 الذي صنّف فلسطين كواحدة من أكثر مناطق العالم شحاً في المياه. كما أن هذه الانتهاكات تتعارض مع اتفاقية جنيف الرابعة والقرار الأممي 2334، الذي يُدين الاستيطان ويطالب بوقف كافة أشكال التهجير القسري.

وأكد أن وزارة الزراعة، ورغم حجم التحديات، تواصل تنفيذ خطط استجابة عاجلة لدعم صمود المزارعين في عين سامية، ومنها:توزيع خزانات مياه متنقلة على المزارعين ومربي الثروة الحيوانية كحل إسعافي سريع، إطلاق مبادرة عاجلة لإعادة تأهيل ما دمّره الاحتلال، بالتعاون مع الجهات المختصة، وتوثيق جميع الانتهاكات بحق الأراضي والمزارعين وإدراجهم ضمن برامج الدعم والتعويض، بالاضافة الى توزيع الأعلاف على مربي الثروة الحيوانية لتعزيز صمودهم، في ظل القيود على المراعي الطبيعية.

وختم فطافطة بالقول: "الزراعة بالنسبة لنا ليست مجرد قطاع إنتاجي، بل هي عنوان للهوية والصمود. شجرة الزيتون وبئر الماء هما خط الدفاع الأول عن الأرض، وسنواصل العمل لحماية مزارعينا، ونطالب المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته لوقف هذه الانتهاكات الجسيمة وضمان حقوق المزارعين الفلسطينيين ومواردهم الطبيعية".

المستقبل تحت الحصار وفي مرمى الخطر

الدكتور محمود بعيرات، خبير جيولوجي وأكاديمي متقاعد، يرى في عين سامية ماهو ابعد من كونها مصدر ماء.

ويصف الطبيعة الجيومورفولوجية الفريدة لعين سامية، التي تقع على صدع جيولوجي وتمثل موقعاً اثرياً متكاملاً ومركزاً حضارياً منذ العصر الكنعاني. "فيها مواقع أثرية تعود إلى الاف السنين؛ وتُعد من أهم مصادر مياه الشرب في محافظة رام الله، وتغذي أكثر من 100 ألف نسمة.”

وتعد مصدراً اساسياً للري في منطقة سهل ساميةً تسقي الأرض وتروي الحضارة، واليوم الاستيلاء عليها يعني فقدان الارض والزراعة، وبالتالي الحياة.

اشار بعيرات إلى أن الاحتلال بدأ السيطرة على أراضي كفر مالك منذ أواخر السبعينات؛ من خلال شق طرق استراتيجية؛ بشق طريق ألون، ثم تأسيس مستوطنة كوكب الصباح، والآن عبر بؤر رعوية تحاصر عين سامية من الشرق والشمال والجنوب.

"وصل الأمر إلى اقتحام محطات الضخ وسرقة الكاميرات والبوابات، وتحويل البركة إلى مسبح عائلي تحت حماية جيش الاحتلال".

 

كفر مالك.. قرية على خريطة الاستهداف الممنهج والاستراتيجي للاحتلال

كشف صلاح الخواجا؛ هيئة الجدار والاستيطان، عن حجم الانتهاكات المتصاعدة التي تتعرض لها قرية كفر مالك، وتحديداً في منطقة عين سامية التي أصبحت مسرحاً لاعتداءات المستوطنين تحت حماية جيش الاحتلال.

 كفر مالك واحدة من أكبر قرى محافظة رام الله، من حيث ملكية الأراضي، والثانية بعد قرية دير دبوانمن حيث المساحة، تمتد أراضيها الغنية حتى مشارف منطقة العوجا والأغوار، ما يجعلها هدفاً مستمراً ضمن  خطة الاحتلال لعزل الأغوار والسيطرة على 29% من أراضي الضفة الفلسطينية، باعتبارها منطقة ذات أهمية استراتيجية كبيرة تحتوي على كنوز طبيعية وزراعية ومائية.

"منذ احتلال عام 1967، شق الاحتلال الإسرائيلي شارعًا يعرف اليوم بـ"شارع 60" أو بات يطلق عليه "شارع أيالون"،  كخطوة تمهيدية نحو عزل الأغواروالتعامل معها كمنطقة منفصلة خاضعة للسيطرة الاسرائيلية الكاملة. حيث تعد الأغوار السلة الغذائية الكاملة للضفة الفلسطينية، وتضم أكبر حوض مائي شرقي فضلاً عن امكانياتها الطبيعية لتوليد الطاقة الشمسية". يقول الخواجا.

ويتابع الخواجا قائلاً: "الاستهداف ليس ظرفيًا أو أمنيًا،ولا يستهدف فقط الأرض والموارد، بل وجود الإنسان الفلسطيني نفسه، من خلال التهجير القسري، وتجفيف مصادر الحياة، وتحويل الأراضي الواسعة إلى مناطق عسكرية مغلقة لا يدخلها إلا المستوطنون. الاستيطان يتوسع والبؤر الاستيطانية تتكاثر، فيما يُمنع الفلسطيني من حتى الاقتراب من أرضه".

ويُضيف الخواجا: "الاعتداء الدموي الأخير الذي نفذته مجموعات المستوطنين في حي كامل من كفر مالك، عبر إحراق المنازل وتكسير السيارات ومهاجمة السكان، لم يكن حدثًا معزولًا، بل يأتي في سياق سياسة واضحة لمحاصرة القرية ومنع تمددها شرقًا، نحو المناطق المصنفة عسكريًا بعد السابع من أكتوبر".

ويختتم الخواجا حديثه قائلاً: اليوم، تقف كفر مالك كرمز للمقاومة والصمود، لكنها أيضًا تُجسد مأساة استراتيجية يعيشها الريف الفلسطيني، في ظل تصاعد الاستيطان، ونهب الموارد، ومحاولات طمس كل ما هو فلسطيني شرق شارع 60. وعلى الرغم من أن الأغوار لا تُعد منطقة جذب استيطاني تقليدية، إلا أن الاحتلال كثف خلال العقود الماضية من الوجود العسكري فيها، من خلال إقامة مناطق تدريب وقواعد ومراكز أمنية، مما أدى إلى تقليص الوجود الفلسطيني وعرقلة أي تنمية أو توسع سكاني في المنطقة.

ويطلق المالكي نداءه قائلًا: "لقد بلغ السيف الزبى"، ونحمل سلطات الاحتلال كامل المسؤولية عن التصعيد. المياه ليست أداة استعمارية بل حق إنساني ومصدر استقرار.

ويدعو المالكي المجتمع الدولي الى التدخل لحماية الحقوق الفلسطينية في هذه المنطقة الحيوية ويقول: " ما يحدث في عين ساميةليس مجرد عدوان على الارض بل هجوم على وجودنا وحقوقنا الاساسية.

أما المزارع عوض حمايل، فيختم بنبرة موجعة: " اذا كان القانون هو الخصم، فمن نحاسب؟ ما يحدث إبادة صامتة. نُقتل بصمت عبر منعنا من أرضنا ومائنا. نطلب من العالم أن يسمعنا، أن يرَ ما يجري خلف الأسلاك".

ما يحدث في عين سامية ليس خبراً عابراً، بل بداية مأساة موسعة تحاك بصمت. معركة على الماء.. على الحياة نفسها، واذا لم تجد هذه الجريمة من يفضحها فقد لا تجد فلسطين غداً ما تروي بها عطشها، لا جسدًاولا تاريخًا.