عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » التعليم و الجامعات » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 08 تموز 2025

للعام الثاني.. "التوجيهي" بوابة أمل لنزلاء مراكز الإصلاح

رام الله– الحياة الجديدة- عبير البرغوثي- في قاعة هادئة داخل أحد مراكز الإصلاح والتأهيل الفلسطينية، يجلس النزيل "ع. ف"، ابن السادسة والثلاثين، أمام ورقة امتحانه بثقة وهدوء لم يعرفهما قبل سنوات. يتقدم لامتحان الثانوية العامة من داخل المركز، بعدما كان دخل ذات يوم دون أن يحمل في يده أي شهادة دراسية.

يقول "ع. ف" بابتسامة لا تخفي عزيمته: "أنهيت الصف التاسع الأساسي خلال تواجدي هنا، واليوم أقدم امتحان الثانوية العامة بفضل إدارة المركز التي منحتني فرصة حقيقية لاستكمال تعليمي، حيث خضعنا لدروس تقوية على أيدي أساتذة متخصصين. أطمح اليوم لتحقيق معدل يمكنني من دخول الجامعة. لم أتخيل أنني سأصل إلى هذه اللحظة".

النزيلة "ن.ع"، ذات السابعة والثلاثين عاما، تقول بثقة ممزوجة بالعزم: "كنت قد رسبت سابقا في الثانوية العامة، واليوم أعود مجددا بدافع أقوى، بفضل الظروف التي وفرتها إدارة المركز. لم تكن لدي الإمكانيات ولا الجرأة لأعيد المحاولة، لكنهم دعموني، وها أنا اليوم أتقدم لامتحان الجغرافيا ضمن الفرع الأدبي، وأحلم بإكمال دراستي الجامعية".

 

التعليم حق وفرصة.. داخل مراكز الإصلاح

هذه الشهادات ليست فردية، بل تعكس توجها عاما تبنته قيادة الشرطة بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم العالي، يقوم على تعزيز فرص التعليم للنزلاء ضمن برنامج تأهيلي شامل.

يؤكد العميد صالح البرغوثي، مدير عام مراكز الإصلاح والتأهيل في فلسطين، أن إدماج التعليم في برامج التأهيل هو خيار استراتيجي: "نعمل على تحويل مراكز الإصلاح إلى بيئة حقيقية للتغيير، من خلال تمكين النزلاء من إتمام التعليم الأساسي والثانوي، ومن ثم الجامعي، عبر اتفاقية تعاون مع جامعة القدس المفتوحة".

ويضيف البرغوثي أن هذا العام شهد تقدم 48 نزيلا ونزيلة لامتحانات الثانوية العامة، بينهم 4 نزيلات، مشيرا إلى أن هذه المبادرة مستمرة للعام الثاني على التوالي، مع توفير تغطية مالية جزئية لرسوم الامتحانات بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم.

 

كما يستعين المركز بنزلاء يحملون شهادات عليا لمساعدة زملائهم من خلال برنامج دعم أكاديمي داخلي، إلى جانب برنامج "تهوين" الذي يعد النزلاء نفسيا وتعليميا للتقدم للامتحانات.

وفي إطار الرعاية الاجتماعية المقدمة للنزلاء، يقوم جهاز الشرطة بعمل دراسة وتصنيف للنزلاء بمعنى ان هناك نزلاء يحملون شهادات عليا وشهادات دكتوراة في اختصاصات مختلفة، وتتم الاستعانة بإمكانياتهم لمساعدة زملائهم من النزلاء في التحضير لامتحانات الثانوية العامة، وإكسابهم بعض المهارات المعرفية التي قد تمكنهم من اجتياز الامتحان، الى جانب مساعدتهم في بعض المواد الدراسية"، يقول البرغوثي .

ويضيف: "لدينا برنامج "تهوين" يقوم عليه فريق من المركز، وبمجرد دخول النزيل واعلان رغبته في التقدم لامتحان الثانوية العامة، يخضع لمجموعة من الجلسات تهيئة للامتحان وتشجعيه على الدراسة من خلال تمكينه من الاستعانة بجميع المراجع والكراسات والمذكرات التوضيحية للمواد, الى جانب برنامج ارشادي للنزلاء".

ومن ضمن معايير تقدم النزلاء للامتحان، برنامج تخطيط المحكومية للنزلاء، بحيث يتم إشغال أوقاتهم بطريقة تكسبهم المهارات اللازمة، وفي حال إعلان النزيل الرغبة بالالتحاق بالتعليم والتأهيل التعليمي، يكنح فرصة الالتحاق بالبرنامج أو بالالتحاق بالتأهيل المهني.

 

إشراف تربوي ومتابعة دقيقة

ويقول صالح البزور، المسؤول عن قاعة الامتحانات في مركز إصلاح وتأهيل رام الله، إن الوزارة تؤمن بحق كل مواطن في التعليم، حتى داخل مراكز الإصلاح: "لا نمنع أي فرد من التقدم للثانوية العامة إذا استوفى الشروط، ونوفر الأجواء الملائمة بعيدا عن التوتر، بالتعاون الكامل مع إدارة المراكز، إيمانا برسالة وزارة التربية أن التعليم حق للجميع".

ويبين البزور أن النزيل يمكنه التقدم للثانوية العامة بعد ثلاث سنوات من إتمام الصف العاشر، بغض النظر عن عمره، وفق نظام الدراسة الخاصة.

 

التعليم وسيلة للعودة إلى المجتمع

لا يقتصر هدف هذه المبادرة على التحصيل العلمي فحسب، بل يشكل التعليم أداة لإعادة بناء الذات لدى النزلاء، وكسر دائرة التهميش والانفصال عن المجتمع.

يقول العميد البرغوثي: "نؤمن أن النزيل الذي يعود للمجتمع بشهادة جامعية أو ثانوية، يعود بثقة وقدرة على الاندماج والمشاركة. هذه الثقافة هي جزء من الإرث الفلسطيني الذي يقدر العلم والمعرفة".

في لحظة تفتح فيها أوراق الامتحانات أمام النزلاء، لا تفتح معها فقط فرصة للإجابة، بل تفتح نوافذ أمل جديدة، نحو حياة مختلفة خارج الجدران، وأكثر قدرة على البناء.