عاجل

الرئيسية » تحقيقات » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 05 تموز 2025

تزويج القاصرات في فلسطين: بين القانون والثغرات.. طفولةٌ منهوبة تحت عباءة الاستثناءات

طفلات في ثياب زوجات.. من فستان الزفاف إلى غرف الطوارئ

"زواج دون 18 عامًا: 12% من الإناث في غزة، 6% بالضفة والقانون غائب!" وأكثر من 10,000 طفلة تزوجن بعد تحديد سن الزواج

رام الله- الحياة الجديدة- عبير البرغوثي- بينما كانت "ر. ق" ترتّب كتبها استعدادًا لامتحان مدرسي، قاطعتها والدتها بجملة بدّلت مسار حياتها: "أجاكي عريس". بعد أشهر فقط، كانت "ر. ق" ترتدي فستان الزفاف الأبيض، لكنها لم تكن تعرف أن اللون الأبيض قد يخفي وجعًا عميقًا سيلازمها طويلاً. "ر.ق" تزوجت في عمر الرابعة عشرة، قسراً، بعد وفاة والدها.

بكلمات تقطر وجعًا تروي "ر. ق" بعضًا من مأساتها في سياق حديثها لـ "الحياة الجديدة"، وتقول: "تحملت مسؤولية الأطفال في عمر مبكر، وزوجي كان يعنّفني باستمرار، مدمن على حبوب "الأترومال"، كنت أهرب إلى بيت أهلي، لكن الوجهاء كانوا يعيدونني إليه كل مرة بعد وعوده الكاذبة بالكف عن العنف." وترى أن الزواج المبكر سلبها طفولتها وحرمها من التعليم.

في المرة الأخيرة، تعرّضت "ر. ق" للضرب بآلة حادة، فهربت حافية القدمين مع أطفالها، دون أي متعلقات. وبعد معاناة دامت عامين، حصلت على الطلاق، دون نفقة أو دعم .. !!

ورغم صدور قرار بقانون رقم (21) لسنة 2019 لتحديد سن الزواج بـ18 عامًا، فإن الاستثناءات القانونية المسموح بها تحت ذريعة "الضرورة" و"مصلحة الطرفين" أفرغت القانون من مضمونه، وأبقت الباب مفتوحًا أمام الظاهرة، وما زال هذا "الاستثناء لضرورة يقدّرها القاضي" نافذة مفتوحة لزواج الطفلات، تُمرّر عبرها مئات الحالات سنويًّا، وسط غياب رقابة فعالة وتفاوت في التطبيق بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

بين عامي 1995 و2019، سُجلت في فلسطين قرابة 200 ألف حالة زواج، 95% منها لفتيات دون 18 عامًا.

تحقيقنا هذا يكشف، بالأرقام والشهادات، كيف تُستخدم الثغرات القانونية والمبررات الاجتماعية لتزويج القُصَّر في فلسطين، ويستعرض الآثار النفسية والصحية والاجتماعية التي تلاحق الفتيات لاحقًا، في ظل تقاعس مؤسساتي ومجتمعي عن حماية الطفولة. فما الذي يدفع الأهل لقبول تزويج بناتهم مبكراً؟ ولماذا لا تُفعَّل القوانين بشكل صارم لحمايتهن؟ وكيف يتحول الاستثناء إلى قاعدة؟

 

طفلات تحت القيد الذهبي: القانون عاجز أمام العرف

وفي عام 2019، صدر قرار بقانون رقم (21) لسنة 2019 م معدل للتشريعات الناظمة للأحوال الشخصية بشأن تحديد سن الزواج. وبموجب هذا التعديل فقد تضمن البند (1) من المادة (2) من القرار تعديل سن الزواج ليصبح (18) عاما لكل من الذكر والأنثى. لكن جاء في البند (2) من المادة نفسها "استثناء مما جاء في الفقرة (1) من هذه المادة، يجوز للمحكمة المختصة، في حالات خاصة، واذا كان في الزواج ضرورة تقتضيها مصلحة الطرفين، أن تأذن بزواج من لم يكمل 18 سنة شمسية من عمره، بمصادقة قاضي قضاة فلسطين أو المرجعيات الدينية للطوائف الأخرى، وبذلك يكتسب المتزوج أهلية كاملة في كل ما له علاقة بالزواج والفرقة وآثارهما"، الأمر الذي أبقى مسألة "تزويج القصر" قائمة ودون إيجاد حلول جذرية لها .

وبعد صدور القرار أشارت بعض التقديرات والإحصاءات الأولية خلال عامي 2020– 2021 تسجيل أكثر من عشرة آلاف حالة زواج تحت السن القانونية وهي (18) عاما، ويمكن إدراج جزء منها تحت البند (2) الخاص بالاستثناءات في الضفة الغربية، بينما هناك جدل قانوني في بقية الحالات في قطاع غزة تحديدا.

وأشارت بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لعام 2023 إلى أن عقود الزواج المسجلة للاناث دون سن 18 سنة في قطاع غزة أعلى منها في الضفة الغربية، حيث كان هناك انخفاض ملموس في نسب الزواج المبكر لكلا الجنسين (دون سن 18 سنة)، حيث بلغت نسبة الإناث اللواتي عُقد قرانهنَ خلال عام 2021 وأعمارهن دون 18 سنة حوالي 12% من إجمالي الإناث اللواتي عُقد قرانهنَ خلال العام نفسه؛ بواقع 6% في الضفة الغربية و19% في قطاع غزة، في حين كانت هذه النسبة عام 2010 حوالي 24%. وبلغت نسبة الذكور (دون 18 سنة) الذين عُقد قرانهم عام 2021 حوالي 0.4% من إجمالي الذكور الذين عُقد قرانهم خلال العام نفسه، في حين كانت هذه النسبة عام 2010 حوالي 2%.

في هذا السياق، قدّم الباحث نبيل دويكات، مسؤول البحث والمناصرة في "مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي"، دراسة بعنوان: "تزويج الطفلات: بين خليط من قوانين بالية، وتعديلات قاصرة، وثقافة تشجع استمرار الظاهرة".

انطلقت الدراسة من الحاجة المجتمعية الملحّة لتسليط الضوء على هذا الملف، خاصة خلال السنوات الثلاث (2020–2022)، التي تلت صدور المرسوم الرئاسي رقم (21) لسنة 2019، القاضي بتعديل سن الزواج في فلسطين ورفعه إلى 18 سنة لكلا الجنسين.

ويشرح دويكات أن المشهد القانوني في الأراضي الفلسطينية مركّب ومعقّد، بسبب تنوّع التشريعات المتوارثة عن فترات حكم مختلفة مرت بها فلسطين، من العهد العثماني إلى الانتداب البريطاني، ثم الحكم الأردني في الضفة الغربية والمصري في قطاع غزة، وصولاً إلى الاحتلال الإسرائيلي.

وبناءً على هذا، تطبّق المحاكم الشرعية في الضفة الغربية قانون الأحوال الشخصية الأردني رقم 61 لسنة 1976، بينما تعتمد المحاكم في قطاع غزة قانون حقوق العائلة المصري رقم 303 لسنة 1954، وكلا القانونين يحددان سن الزواج بأقل من 18 عاماً، ما يُضفي تعقيدًا إضافيًّا على مساعي ضبط هذه الظاهرة.

ويشير دويكات إلى أن المطالبة برفع سن الزواج لم تكن مفروضة من الخارج، بل جاءت كضرورة مجتمعية، وفق ما نقله عن عدد من رجال الدين والقضاة الشرعيين، الذين شاركوا في نقاشات داخل القضاء الشرعي ودار الإفتاء، وخلصوا إلى ضرورة رفع السن لحماية الفتيات من أضرار الزواج المبكر.

 

الخليل تتصدر المشهد.. ونابلس وبيت لحم في المرتبتين الثانية والثالثة

وتشير إحصائيات مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي لعام 2024 إلى أن محافظة الخليل تتصدر المشهد بوضوح، حيث تمثل 44% من إجمالي حالات زواج الطفلات في الضفة الغربية، أي ما يقارب نصف الحالات المسجلة، وهو رقم يسلّط الضوء على تحديات محلية مركّبة تتعلق بالعادات الاجتماعية، والضغوط الاقتصادية، والبيئة الثقافية المحافظة.

أما محافظتا نابلس وبيت لحم، فقد احتلتا المرتبتين الثانية والثالثة، بنسبة 16.2% و12.5% على التوالي. وتشترك هذه المناطق بوجود كثافة سكانية مرتفعة، إلى جانب تجمعات سكنية مهمشة، خاصة في مناطق (ج)، التي تعاني من ضعف الخدمات والبنية التحتية، ما ينعكس سلبًا على حياة السكان، وخاصة النساء والفتيات.

ويؤكد هذا التوزيع الجغرافي للحالات أن الواقع السياسي والاجتماعي المعقّد في بعض المحافظات له أثر مباشر على استمرار ظاهرة تزويج القاصرات، ما يستدعي قراءة متعمقة تربط بين الحرمان التنموي وانتهاك حقوق الطفلات.

 

 

الاستثناءات القانونية في تزويج القاصرات: ثغرة تستغل لتقنين مخالفة القانون

وتوضح المحامية خديجة زهران، مديرة دائرة الرقابة على السياسات والتشريعات في الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، لـ "الحياة الجديدة" أن النص القانوني المعدل ينص على أنه "يشترط في أهلية الزواج أن يكون طرفا العقد عاقلين، وأن يكون كل منهما قد أتم 18 سنة شمسية". إلا أن الفقرة الثانية من المادة نفسها تفتح الباب للاستثناء، حيث "يجوز للمحكمة المختصة، وفي حالات خاصة تقتضيها مصلحة الطرفين، أن تأذن بزواج من لم يكمل 18 سنة، وذلك بمصادقة قاضي القضاة أو المرجعيات الدينية للطوائف الأخرى".

وبموجب هذا الاستثناء، يكتسب المتزوج القاصر أهلية قانونية كاملة فيما يخص الزواج، الطلاق، وما يترتب عليهما من آثار.

وعن أبرز الأسباب التي تُستخدم كذريعة لقبول هذه الاستثناءات، تقول زهران: "عادةً ما يُمنح الاستثناء في حالات معينة، أبرزها حصول حمل لدى الفتاة، أو إصرار الطرفين على الزواج. لكن ما يثير القلق هو التحايل على القانون، إذ يتم عقد الزواج خارج المحكمة، ثم يُلجأ لاحقًا إلى توثيقه قانونيًا كحالة استثنائية، ما يُفرغ القانون من مضمونه".

وفيما يتعلق بتأثير تعديل القانون على الحد من الزواج المبكر، تؤكد زهران أن الأرقام والوقائع لا تعكس أي انخفاض ملموس في الظاهرة، بل العكس، حيث تقول: "التعديل القانوني لم يحد من تزويج القاصرات، والمتابعات التي نجريها بالتعاون مع المؤسسات النسوية تشير إلى أن الاستثناءات باتت قاعدة تُعتمد لتجاوز القانون بدلًا من أن تكون حالات نادرة".

وتقترح زهران مجموعة من الإجراءات لضبط هذه الاستثناءات والحد من التحايل القانوني، منها: فرض عقوبات صارمة على كل من يبرم عقد زواج خارج السن القانوني، سواء كانوا مأذونين أو موظفين رسميين، وتوسيع دائرة المسؤولية لتشمل أولياء الأمور الذين يجبرون بناتهم على الزواج المبكر، وليس فقط الجهات الرسمية، بالإضافة الى تعزيز الرقابة القضائية على طلبات الاستثناء والتأكد من أنها لا تُمنح بشكل روتيني أو تحت ضغط اجتماعي.

وتختتم زهران بالتأكيد على أن معالجة ظاهرة الزواج المبكر لا يمكن أن تقتصر على تعديل النصوص القانونية فقط، بل يجب أن تترافق مع إرادة سياسية واضحة، وتطبيق صارم، وتوعية مجتمعية شاملة لكبح جماح هذه الظاهرة التي تقوّض حقوق الفتيات وتعرضهن للخطر.

 

صمت القضاء الشرعي يعمّق الأزمة

رغم المحاولات المتكررة للحصول على رد رسمي، امتنع القضاء الشرعي عن الإدلاء بأي تعليق حول تفشي ظاهرة الزواج المبكر في الأراضي الفلسطينية، خاصة في ظل استغلال الاستثناءات القانونية التي تسمح بتزويج من هم دون سن 18 عامًا "عند الضرورة القصوى". هذا الصمت يعزز حالة الضبابية حول دور القضاء الشرعي في ضبط هذه الممارسة، ويطرح تساؤلات حول مدى التزام المؤسسة القضائية بحماية حقوق القاصرات، خصوصًا في ظل غياب آليات رقابة واضحة على تطبيق تلك الاستثناءات. كما يثير الامتناع تساؤلات أوسع حول الشفافية والمسؤولية القانونية والأخلاقية في قضايا تمس الطفولة بشكل مباشر.

 

الزواج المبكر والعنف: علاقة مباشرة تؤكدها الإحصائيات وشهادات الميدان

وتشير بيانات مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي لعام 2024 إلى أن الزواج المبكر لا يُعد فقط ظاهرة اجتماعية مثيرة للقلق، بل يمثل سببًا رئيسيًّا في عدد كبير من حالات العنف ضد النساء التي ترد إلى مراكز الخدمات النسوية.

وتوضح رانيا صلاح الدين، رئيسة قسم الخدمات في المركز، أن ما لا يقل عن 13% من مجمل الحالات التي تلقت الدعم من المركز خلال العام الماضي، كان الزواج المبكر السبب الرئيسي الكامن وراء المشكلات التي واجهتها النساء، مشيرة إلى أن هذه النسبة ترتفع بشكل ملحوظ في بعض المناطق، مثل محافظة الخليل التي سجلت 86 حالة زواج مبكر.

وعند تحليل طبيعة هذه الحالات، يتضح – كما تقول صلاح الدين لـ "الحياة الجديدة" – أن الزواج المبكر يتقاطع غالباً مع أنماط متعددة من العنف، مثل: العنف الجسدي والنفسي داخل العلاقة الزوجية، والضغط أو الإكراه على الزواج، والحرمان من الحقوق الزوجية والقانونية، والطلاق المبكر وما يرافقه من آثار نفسية واجتماعية.

وتضيف: "الزواج المبكر لا يمثل فقط حالة قانونية يجب ضبطها، بل هو بوابة لعنف متكرر ومركّب، خاصة في المحافظات التي تنتشر فيها الممارسات الاجتماعية المقيدة لحقوق الفتيات .

وتبرز خطورة الزواج المبكر – بحسب صلاح الدين – في أنه يُنتج عنفًا ممنهجًا ومتكرراً ضد القاصرات، ويكشف عن فجوة في أنظمة الحماية القانونية والاجتماعية، ما يستدعي تدخلاً عاجلاً وشاملاً ضمن برامج وقائية وعلاجية.

وبحسب تدخلات المركز فإن أشكال العنف المرتبطة بالزواج المبكر تتمحور حول العنف الجسدي والنفسي داخل العلاقة الزوجية، ويظهر بشكل واضح في القضايا المسجلة تحت بنود مثل "عنف أسري" و"حرمان من الحقوق"، خاصة لدى الفتيات القاصرات اللواتي لم يكتسبن بعد مهارات المواجهة أو الاستقلالية.

وغالبًا ما يقود الإكراه والضغط على الزواج إلى حالات انفصال أو زواج غير مستقر، ويُنتج لاحقاً عنفاً مستمراً داخل الأسرة، بالإضافة الى العنف القانوني والمؤسسي، مثل الحرمان من الحضانة أو النفقة، أو التهديد بحرمان المرأة من حقوقها القانونية، وهو نمط شائع بعد الزواج المبكر.

وتنتهي كثير من حالات الزواج المبكر بالطلاق، ويظهر "الطلاق" كمشكلة متكررة في الإحصائيات، نتيجة طبيعية لزواج غير ناضج وغير مستقر، حسب ما كشفت دراسة مركز المرأة للإرشاد القانوني والاجتماعي

وتختم صلاح الدين بالقول: "هذا الواقع يتطلب تدخلًا مبكرًا ومنهجياً يجمع بين الحماية القانونية، والدعم النفسي والاجتماعي، وتمكين الفتيات من حقوقهن، حتى لا يتحوّل الزواج المبكر إلى نقطة انطلاق لسلسلة طويلة من الانتهاكات بحق المرأة".

 

دوافع خفية وذرائع معلنة

وحول الدوافع التي تدفع بعض الأسر للسعي وراء الاستثناءات القانونية لتزويج بناتهم قبل بلوغهن السن القانوني (18 عامًا)، توضح ساما عويضة، رئيسة مركز الدراسات النسوية في القدس، أن الأمر يرتبط بعدة أسباب متجذّرة في البنية الثقافية والاقتصادية للمجتمع.

وتقول: "أول هذه الأسباب هو الموروث الاجتماعي، الذي يرى في تزويج الفتاة مبكرًا وسيلة لحمايتها من الوقوع في علاقات غير مقبولة اجتماعيًا، وبالتالي الحفاظ على “السمعة” العائلية. كما يُنظر إلى زواج الطفلات كوسيلة لتخفيف العبء المالي عن كاهل الأسرة، خاصةً في الأسر ذات الدخل المحدود. وهناك أيضًا من يعتبر أن زواج الفتاة وهي صغيرة يزيد من فرصها في الزواج، لأن بعض الرجال يفضلون الزواج من فتيات صغيرات السن لضمان فترة أطول من القدرة البدنية والعطاء".

وفيما يتعلق بالسن الأنسب للزواج، تؤكد عويضة أن: "السن المناسب للزواج هو ذلك الذي يتيح للفتاة إتمام تعليمها المدرسي والجامعي، أو حتى التدريب المهني في حال لم تكن راغبة في الدراسة الأكاديمية. هذا يضمن أن تكون قادرة على اتخاذ قرار ناضج بشأن حياتها، كما يمكنها من الاعتماد على نفسها في حال حدوث أزمات مثل الانفصال أو مرض الزوج أو فقدانه لوظيفته، وهو أمر بالغ الأهمية في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة".

وتحذر عويضة من أن تزويج الطفلات يعرضهن لتجارب حياتية صعبة ومعقدة، سواء بسبب عدم نضج الفتاة الكافي لتحمل مسؤوليات الزواج، أو بسبب عدم تفهم الزوج أو أسرته لمتطلباتها النفسية والعاطفية كطفلة، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى تصاعد الخلافات وانتهاء العلاقة بالطلاق.

وتشدد في ختام حديثها لـ "الحياة الجديدة" على أن رفع سن الزواج مسألة في غاية الأهمية، وينبغي أن ترافقها عقوبات قانونية صارمة لكل من يخالف النصوص القانونية أو يحاول التحايل على القانون عبر استثناءات شكلية. وتضيف: "من الضروري أن تلتزم المحاكم بعدم تسجيل أي عقد زواج دون التحقق من السن القانوني، وأن يُحاسب كل من يخالف ذلك، بمن فيهم المأذون الشرعي. كما يجب تنفيذ برامج توعية مجتمعية شاملة تستهدف مختلف الفئات، لتوضيح مخاطر التزويج المبكر وآثاره السلبية على الفتاة والأسرة والمجتمع بأسره".

 

هل آن الأوان لرفع سن الزواج في قطاع غزة؟ مطالب نسوية تواجه واقعاً معقداً بفعل الحرب والفقر

وتطرح التحديات الاجتماعية والقانونية التي يواجهها قطاع غزة في ظل استمرار العدوان وتردي الأوضاع الاقتصادية تساؤلاً ملحًا: هل آن الأوان لرفع سن الزواج في قطاع غزة؟ لا سيما بعد صدور قرار بقانون رقم (21) لعام 2019 الذي عدّل التشريعات الناظمة للأحوال الشخصية في دولة فلسطين، ورفع سن الزواج القانوني إلى 18 عامًا. وفي حين تم تطبيق هذا التعديل في الضفة الغربية، لا يزال قطاع غزة يخضع لقوانين مختلفة، ما يُبقي على فجوة قانونية تُستغل في تزويج الطفلات.

وتقول تهاني قاسم، مسؤولة الوصول المجتمعي في مركز الأبحاث والاستشارات القانونية والحماية للمرأة في غزة: "نحن كمؤسسات نسوية وحقوقية نطالب برفع سن الزواج في غزة، أسوة بالضفة. "للأسف لا نزال نعيش تحت مظلة قوانين مختلفة في الضفة وغزة وأراضي الـ48، وهو ما يعرقل الوصول إلى قانون أحوال شخصية فلسطيني موحد. نأمل أن يتحقق ذلك قريبًا، خاصة في ظل المستجدات الخطيرة التي نعيشها بعد العدوان على القطاع".

وتشير قاسم إلى أن تفاقم الوضع الإنساني في غزة، بسبب حرب الإبادة، دفع العديد من العائلات للعودة إلى تزويج بناتهم القاصرات بدافع الحماية أو التخفيف من الأعباء المعيشية، وتقول: "الوضع الاجتماعي متدهور، العائلات تعيش متكدسة، هناك نزوح مستمر، وخوف دائم على الفتيات. لذا يتجه بعض الأهالي لتزويج بناتهم ظنًا منهم أن هذا يحميهن من الخطر. كما أن تردي الوضع الاقتصادي، في ظل وصول نسبة الفقر إلى 99%، يزيد من الإقبال على تزويج القاصرات باعتباره عبئًا ماديًا أقل".

وتؤكد قاسم أن توقف العملية التعليمية للسنة الثالثة على التوالي في قطاع غزة يشكّل عاملًا إضافيًا لانتشار تزويج الطفلات، مضيفة: "التعليم الإلكتروني فشل في غزة بسبب غياب الاستقرار، وانعدام الإنترنت والأجهزة. هذا التوقف في التعليم دفع بعض الأسر لاعتبار تزويج الفتاة خيارًا بديلاً، بدلًا من بقائها في فراغ تعليمي".

أما بشأن نسب الطلاق المرتبطة بتزويج القاصرات، فتوضح قاسم أن الأمر لا يزال غير مدروس بدقة بسبب الوضع القائم، وتقول: "هناك مؤشرات على ارتفاع حالات الطلاق، لكن من المبكر القول إن السبب الوحيد هو الزواج المبكر. قد تكون الأوضاع الاقتصادية، أو النزوح، أو ضغوط الحرب عوامل أخرى. في الوقت الحالي، لا تركز الدراسات في غزة على النسب أو الظواهر الاجتماعية، بل على قضايا صحية وتعليمية وإنسانية أكثر إلحاحًا، مثل واقع مرضى السرطان، أو آثار العدوان على الصحة النفسية".

وتختتم قاسم حديثها لـ "الحياة الجديدة": بالتأكيد على أن الحديث عن الزواج المبكر يجب أن يرتبط بشكل مباشر بالإصلاح القانوني وبتحقيق العدالة الاجتماعية، قائلة: "لا يمكننا الحديث عن حماية الطفلات دون تغيير المنظومة القانونية التي تسمح بتزويجهن، ودون تهيئة بيئة تعليمية واقتصادية آمنة لهن".

شؤون المرأة.. بين التدخلات الوقائية والضغط لتعديل السياسات

وفي سؤال وُجهته "الحياة الجديدة" إلى وزارة شؤون المرأة حول طبيعة الإجراءات التي تتخذها الوزارة في التعامل مع حالات تزويج الطفلات أو الشكاوى المرتبطة بها، وخاصة بالتنسيق مع الجهات الرسمية الأخرى، أجابت سونا نصّار، المستشارة القانونية للوزارة، بأن الوزارة تعمل ضمن اختصاصها ووفق سياساتها وأهدافها الاستراتيجية بالتعاون مع مؤسسات رسمية وأهلية متعددة، من أجل مناهضة تزويج القاصرات وتغيير الأدوار النمطية المفروضة على النساء والفتيات.

وتوضح نصار أن تزويج الطفلات يعد أحد أبرز تجليات الأدوار النمطية، وهو انتهاك مباشر لحقوق الفتيات في التعليم والعمل والحياة الكريمة. وتضيف: "الوزارة تنفذ حملات توعوية من خلال وسائل الإعلام وورش ولقاءات المجتمعية لتسليط الضوء على الآثار السلبية المترتبة على تزويج الفتيات في سن مبكرة، خاصة فيما يتعلق بحرمانهن من التعليم، وتحميلهن مسؤوليات أسرية لا تتناسب مع أعمارهن، في ظل ضعف مشاركة الرجل في أعمال الرعاية المنزلية. وهذا كله يؤدي إلى استنزاف وقت الفتاة وجهدها بالكامل في تربية الأطفال وإدارة شؤون المنزل".

وعن آلية التعامل مع الشكاوى التي تتعلق بتزويج الطفلات، توضح نصار أن الوزارة، ضمن نظام التحويل الوطني للنساء المعنفات رقم (28) لسنة 2022، تستقبل الحالات من خلال وحدة الشكاوى المختصة، وتقوم بتوثيق كافة المعلومات المتعلقة بطبيعة العنف وهوية الفاعل، ومن ثم تقدم المشورة والتوعية للفتاة. وإذا تطلبت الحالة حماية عاجلة، تُحال الفتاة إلى مراكز الحماية بالتنسيق مع الشرطة ووزارة التنمية الاجتماعية، ويتم عقد "مؤتمر حالة" لتقييم درجة الخطورة ووضع خطة تدخل مناسبة، تشارك فيها الوزارة وتتابع مع الجهات المختصة تنفيذها.

وحول الأسباب التي تدفع بعض الأهالي للسعي للحصول على استثناءات لتزويج بناتهم قبل بلوغهن سن 18 عامًا، توضح نصار أن الأمر غالبًا ما يكون مدفوعًا بعوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية، حيث يسعى الأهل إلى التخلص من أعباء الرعاية والمسؤوليات الأبوية، أو يعتقدون أن الزواج المبكر هو وسيلة "لحماية الفتاة" من مخاطر المجتمع. كما أن بعض الحالات ترتبط بمحاولة "تسوية" قضايا اعتداءات جنسية عبر الزواج، أو تأتي كاستجابة لعلاقات عاطفية مراهقة، رغم أن القانون يشترط معايير دقيقة لقبول الاستثناءات.

وتشدّد نصار على أن مجرد تقديم طلب استثناء لا يعني بالضرورة قبوله، لأن القرار القانوني يتطلب توافر معايير صارمة وشروط واضحة نص عليها قرار بقانون رقم (21) لسنة 2019.

 

 

 

"شؤون المرأة" توصي....

وفيما يتعلق بتوصيات الوزارة للحد من تزويج الطفلات وضبط موضوع الاستثناءات، تؤكد نصار على ضرورة تشديد العقوبات على أي جهة أو شخص يقوم بتزويج قاصر خلافًا للقانون، والتنسيق مع دول الجوار مثل الأردن، لمنع إبرام عقود زواج لفلسطينيين/ات دون السن القانونية خارج البلاد، ثم تسجيلها لاحقًا داخل فلسطين، ووضع حد أدنى للاستثناء لا يقل عن 17 سنة، ومنع الاستثناءات في حالات الاعتداء الجنسي، انسجامًا مع إلغاء المادة 308 من قانون العقوبات، التي كانت تتيح للمعتدي الإفلات من العقوبة عبر الزواج من الضحية، وتشكيل لجنة متعددة المؤسسات (تشمل وزارة التنمية الاجتماعية ووزارة الصحة) لمراجعة طلبات الاستثناء، بما يجعل قرار منح الاستثناء أكثر دقة وشفافية.

وتختم نصار حديثها بالتأكيد على ثقة الوزارة في الأطر القانونية الحالية، مع الدعوة المستمرة لتعزيز آليات المراقبة والتطبيق، وضمان عدم استغلال الثغرات القانونية لشرعنة انتهاك حقوق الطفلات.

 

حالات من الواقع: الزواج المبكر بين الادعاءات المجتمعية والثغرات القانونية"

وتشير روان غزة، من مركز الإرشاد النفسي والاجتماعي للمرأة، إلى أن المركز يتعامل مع العديد من حالات تزويج القاصرات التي تُحال إليه من مؤسسات شريكة مثل وزارة الصحة أو المحكمة الشرعية، وغالبًا ما تكون هذه الحالات قد أُبرم فيها زواج غير رسمي، أي غير موثق أو معترف به في سجلات المحاكم الشرعية والأحوال المدنية.

وتوضح غزة أن المركز يتعامل مع هذه الحالات من خلال استمارة استقبال أولية تتضمن أسئلة للكشف عن خلفية الزواج، وغالبًا ما تتكرر الأسباب التي تقدمها العائلات، والتي يمكن تلخيصها في عدة محاور، تشمل الجاهزية المادية للشاب (امتلاكه منزلًا، عملًا، سيارة)، الشك في وجود علاقة عاطفية بين الطرفين، أو التخوف من تطورها من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، والرغبة في "ستر الفتاة" في حال كان والدها أسيرًا أو والدتها مطلقة، وتخوف العائلة من أقرباء قد يمثلون تهديدًا محتملًا، ووجود علاقة وُصفت بأنها "تجاوزت حدود الأدب" بحسب وصف الأهل.

وتؤكد غزة أن جميع هذه الأسباب تظل في النهاية ادعاءات تبريرية لا تستند إلى مبررات حقيقية، وتستخدم فقط لإضفاء شرعية اجتماعية على قرار تزويج القاصرات.

 

حين يصبح الزواج المبكر مأزقًا قانونيًا واجتماعيًا"

وفي معرض حديثها عن السن القانوني المناسب للزواج، تشير غزة إلى أن قانون الطفل الفلسطيني لعام 2004 يُعرّف الطفل بأنه كل من لم يبلغ 18 سنة، وهو ما يتوافق مع سن الأهلية القانونية. كما تضيف أن العديد من الدراسات في علوم السلوك والصحة النفسية والجسدية تؤكد أن القدرة على اتخاذ قرارات ناضجة لا تكتمل لدى الإنسان عادة قبل سن 23 عامًا.

ومن خلال الحالات التي تابعها المركز، تلفت غزة إلى أن أغلبية الزيجات التي أُبرمت قبل سن 18 تنتهي في كثير من الأحيان برفع دعاوى قانونية لإثبات الزواج أو إثبات النسب، خصوصًا إذا نتج عن العلاقة أطفال. كما أن عددًا من الفتيات يقدمن لاحقًا على طلب الطلاق لأسباب واهية أو غير مبررة قانونيًا، الأمر الذي يعكس عدم النضج الكافي لتحمّل أعباء الزواج واستمراره.

وتختم غزة بموقف حازم تجاه الاستثناءات القانونية الواردة في قرار بقانون رقم (21) لسنة 2019، حيث تدعو إلى إلغاء الاستثناءات بشكل كامل، كونها فتحت الباب على مصراعيه أمام تزويج القاصرين والقاصرات .

كما توضح أن وجود الحمل في حالات الزواج غير المسجّل لا يُبرر شرعنة هذا الزواج عبر الاستثناء، لأن القانون الحالي يعالج هذه الحالات بشكل منفصل، وبالتالي لا يجب استخدام هذه الذريعة كمدخل لتبرير التزويج المبكر.

وتؤكد غزة أن التعامل الجدي مع هذه القضية يتطلب تعديلًا حقيقيًا في التشريعات، وضبطًا صارمًا لآليات التطبيق، حمايةً لحقوق الفتيات ومنعًا لاستغلال الثغرات القانونية والاجتماعية.

أعباء نفسية واجتماعية تدفع الطفلات نحو الهشاشة والحرمان

وحول الآثار النفسية والاجتماعية لزواج الطفلات، تؤكد نبال خليل، المختصة في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، لـ "الحياة الجديدة" أن تزويج الفتيات قبل بلوغهن سن 18 عاماً يحمل انعكاسات خطيرة على المستويين النفسي والاجتماعي. وتشير إلى أن منظمة الصحة العالمية تصنّف هذا النوع من الزواج كـشكل من أشكال العنف"، نظرًا لما يترتب عليه من تداعيات نفسية وصحية قد تلازم الفتاة لسنوات طويلة وتؤثر سلبًا على مجرى حياتها ومستقبلها.

وتوضح خليل أن الفتاة المتزوجة في سن مبكرة تواجه اضطرابات نفسية متعددة، أبرزها: القلق المزمن والخوف نتيجة الانتقال المفاجئ من عالم الطفولة إلى أدوار البالغة (زوجة وأم)، ونوبات هلع واكتئاب ناتجة عن الضغط النفسي والجسدي الذي تتعرض له، وصدمة نفسية طويلة الأمد، خاصة إذا لم تجد الدعم أو التهيئة لهذا التغيير المفاجئ.

 

انعزال اجتماعي وفقدان الهوية الذاتية

في الجانب الاجتماعي، ترى خليل أن الزواج المبكر يعزل الفتاة عن محيطها الطبيعي، حيث تنتقل فجأة من عالم بسيط إلى حياة مليئة بالواجبات والمسؤوليات. وغالبًا ما تجد نفسها غير مهيأة نفسيًا أو اجتماعيًا لتحمل هذه الأعباء، ما يخلق شعورًا بعدم الاستقرار ويضعها تحت ضغط دائم من الشريك أو البيئة المحيطة.

وتضيف أن الفتاة المتزوجة مبكرًا تصبح أقل انخراطًا في الحياة العامة، وتشعر بأنها تحت قيود اجتماعية وأعباء أسرية ثقيلة، تؤدي تدريجيًا إلى انعدام مشاركتها المجتمعية وضعف تواصلها مع العالم الخارجي.

من أبرز العواقب أيضًا، بحسب خليل، أن الزواج المبكر غالبًا ما يؤدي إلى ترك الفتاة لمقاعد الدراسة، ما يحرمها من فرص التطور والتمكين الشخصي والاقتصادي، ويجعلها معتمدة اعتمادًا كليًا على زوجها أو عائلته، ما يضعف قدرتها على اتخاذ القرارات أو الاستقلال.

وتشير إلى أن هذا المسار ينتهي في كثير من الأحيان إلى الطلاق المبكر، نتيجة غياب النضج العاطفي والمعرفي لدى الفتاة، وعدم قدرتها على فهم أو أداء دورها كزوجة، ما يزرع لديها شعورًا عميقًا بالفشل والعجز عن الاستمرار في علاقة زواج غير ناضجة منذ بدايتها.

وتختم خليل بالتأكيد على أن الزواج المبكر لا يشكّل حلاً لأي مشكلة اجتماعية أو اقتصادية، بل يعمّق أزمات الطفلات ويعرضهن لأشكال متشابكة من التهميش والانتهاك، ما يستدعي تدخلاً قانونيًا وثقافيًا عاجلاً لحماية حقوقهن وإنقاذ مستقبلهن.

زواج القاصرات ليس "مشكلة اجتماعية" فقط، بل قضية حقوقية وقانونية وصحية. استمرار هذه الظاهرة هو إخفاق جماعي. وبينما تدفع الفتيات ثمن صمت القانون وتواطؤ العادات، ما زلنا في حاجة ملحّة إلى إصلاح جذري يبدأ من القانون، ويصل إلى أعماق الثقافة المجتمعية.. فقد آن الأوان لوقف هذا النزيف الصامت.