عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 05 تموز 2025

حلول قديمة يمكن تعديلها لشرق أوسط مستقر

باسم برهوم

هناك حقيقة كانت واضحة كل الوقت، وهي اكثر وضوحا اليوم بعد كل ما حدث منذ السابع من أكتوبر 2023. الحقيقة ان منطقة الشرق الاوسط لن تهدأ وتستقر إلا بإقامة دولة فلسطينية، ضمن اتفاق ثنائي  فلسطيني إسرائيلي، وبغطاء دولي وإقليمي، وضمن تسوية إقليمية شاملة. بعد الاتفاق على هذه الحقيقة تأتي المرونة من كافة الأطراف لإخراج هذا الحل بحيث يتم ضمان تحقيق معادلة الامن لإسرائيل وحق الشعب الفلسطيني في تقرير شؤونه بنفسه ضمن الاقليم الجغرافي الذي نص عليه اتفاق اوسلو: الضفة الغربية وقطاع غزة، وتنص عليه قرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي.

لتحقيق هذه المعادلة تمكن استعارة كثير من الأفكار من عشرات المسودات لمشاريع ومبادرات وافكار واتفاقات موقعة، لدينا أرشيف هائل من المشاريع. لكن قبل الخوض بارشيف الحلول لا بد من التذكير بان هناك اعترافا متبادلا بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، وان الطرفين قد وقعا على اتفاق إعلان مبادئ، من بين ما تضمن، كما سبقت الإشارة إلى ضرورة احترام وحدة الإقليم الجغرافي، اي الضفة وقطاع غزة، وان ما يخضع للتفاوض للاتفاق هي مسائل الحل النهائي: القدس المحتلة، والاستيطان والحدود، واللاجئون والمياه. وفي الإطار الاوسع تأتي المبادرة العربية لتقدم غطاء عربيا واسلاميا للاتفاق الفلسطيني الإسرائيلي، لتحقيق معادلة دولة للفلسطينيين وأمن لإسرائيل وتعاون اقليمي شامل، وهناك نماذج اتفاقيات السلام الإسرائيلية مع دول عربية، مصر، والاردن، والدول الاخر.

ما نحتاج اليه هو تجميع مجموعة عناصر تقود إلى تنفيذ هذه المعادلة، ولدينا ايضا في هذا المجال أرشيف سميك من المقترحات تعود جذور بعضها إلى الثلاثينيات والاربعينيات من القرن العشرين، عندما دارت حوارات بين قيادات يهودية صهيونية وقيادات فلسطينية وعربية تناولت فكرة الاتحاد الفيدرالي الاقاليمي، وقبيل نكبة العام 1948، تناولت اوساط بريطانية وأميركية فكرة الدولة الفيدرالية الاتحادية بين العرب واليهود. هذه الأفكار طرحت قبل ان توجد إسرائيل الدولة، قد نستعير هذه الأفكار وتطويرها لاتحاد كونفيدرالي، وإذا ما تحقق السلام فعلا على اساس حل الدولتين، يمكن تأسيس اتحاد اقليمي على شاكلة الاتحاد الأوروبي على سبيل المثال.

وخلال المحاولات لإيجاد حلول طرحت افكار كثيرة مثل دولة ثنائية القومية، او دولتين لشعبين. وبالطبع هناك مسودات المفاوضات التي جرت بين رئيس الوزراء الإسرائيلي الاسبق يهود اولمرت والرئيس محمود عباس، خصوصا بالبند المتعلق بتبادل الاراضي بالكم والكيف، ومشاريع اخرى كثيرة، في الأرشيف المذكور عناصر قد يكون من المفيد إعادة تجميعها لإنتاج حل دولتين يحقق بالفعل الامن والاستقرار للجميع.

هناك فرصة حقيقية اليوم لتحقيق سلام شامل، بشرط الا تستغرق النخب الإسرائيلية طويلا بنشوة "النصر" وان تواصل التنكر لحقوق الشعب الفلسطيني كما فعلت في كثير من اللحظات التاريخية المشابهة. فقد كانت هذه النخب تهرب باستمرار إلى الأمام من الاجابة على السؤال الفلسطيني.  وبقيت تعتقد ان القوة هي الحل. وفي كل مرة كانت إسرائيل تجد نفسها تغرق اكثر في الازمة، التي تصبح كابوسا لها.

السلام الشامل بات في متناول اليد، ولكن دون دولة فلسطينية لن يتحقق. والدولة الفلسطينية لن تكون دولة مارقة، انما دولة عاقلة، تكون جزءا من النظام الدولي والاقليمي، تحترم القانون الدولي وتؤمن بالتعاون البناء والعلاقات المتكافئة بين جميع الدول. وهناك إدراك ان الدولة الفلسطينية ستنشأ في إطار المعادلة التي تحدثت عنها المبادرة العربية، ونظام إقليمي يضمن الامن للجميع، ويقود لنهضة تنموية تشارك فيها جميع شعوب ودول المنطقة.

حتى الآن، لم يصدر من إسرائيل ما يشير إلى أنها تشارك الجميع هذه الافكار، بل لا نزال نسمع نفس اللغة الايديولوجية الخشبية القديمة، والغريب ان إسرائيل قالت إنها "ستغير الشرق الأوسط"، لكنها تصر على الا تتغير. وإذا لم تتغير إسرائيل فالشرق الأوسط لن يتغير ايضا مهما حققت القوة العسكرية من إنجازات. الدول العربية منذ عقود تأقلمت مع المتغيرات، وتجاوزت مرحلة الرفض الطويلة، وطرحت المبادرة العربية. إسرائيل بالمقابل بقيت أسيرة الفكرة الصهيونية القديمة "أرض بلا شعب" رغم ان كل محاولاتها لتكريس هذه المقولة الاستعمارية فشلت.

اليوم هناك فرصة متاحة لإسرائيل؛ كي تطوي صفحة الايديولوجيا العقيمة، وان تدمج نفسها في شرق أوسط جديد، ساهمت في صناعته. كما ان هناك فرصة سانحة لإسرائيل، هناك فرصة سانحة للشعب الفلسطيني، المهم ان نستطيع اغتنامها بواقعية وذكاء.