طاولة مستديرة تلاحق أزمات جنين المُستعصية

جنين- الحياة الجديدة-عبد الباسط خلف- تصاعدت نقاشات معمقة من قاعة مستطيلة وسط جنين، ووضع تربويون وأكاديميون خلالها أصابعهم على جروح عميقة تعصف بالمجتمع الفلسطيني.
وتحلق مسؤولون وتربويون وإعلاميون وناشطو مجتمع مدني حول طاولة مستديرة نظمها الائتلاف التربوي الفلسطيني وتعاونية جنين،لاحقت الطوارئ والأزمات والانعكاسات الاجتماعية والتربوية والنفسية لها.
وعرف منسق تعاونية جنين التعليمية، عبد الله جرار بأهداف النقاش، التي تسعى إلى الإحاطة بالأزمات خلال فترات الطوارئ، بالشراكة مع أكاديميين من ثلاث جامعات: العربية الأمريكية، والاستقلال، والقدس المفتوحة.
وذكر بمخرجات التعاونيات التعليمية، والتي استطاعت خلال فترة قصيرة بناء نموذج مختلف، وأسست للمستقبل.
222 مليون طفل عالمي متضرر
فيما أشار عضو الهيئة الاستشارية للائتلاف والحملة العربية للتعليم، ومنسق تعاونية تعلم وتعليم الكبار، نسيم قبها، إلى أن التعليم صار في حالات الطوارئ قضية ملحة، خاصة في فلسطين وما تشهده من حرب إبادة.
وتطرق إلى تأثر 222 مليون طفل وشاب حول العالم بالأزمات المختلفة كالنزاعات المسلحة، والتهجير القسري، والأزمات الصحية.
ووصف قبها ما تعانيه فلسطين بـ"جائحة ما بعد أكتوبر" التي جاءت عقب جائحة (كوفيد 19)، في وقت بات التعليم تحت حراب الأزمات أداة لحماية الأطفال والشباب وإعادة بناء المجتمع، وأداة لتحرير الناس من خلال قراءة العالم قبل قراءة الكلمة.
3 تجارب عالمية
واستحضر أستاذ حل النزاعات وإدارة الصراع في "العربية الأمريكية"، أيمن يوسف 3 تجارب عالمية من كينيا وبيرو وإندونيسيا، إذ استطاعت إحدى المدارس الكينية كبح الاقتتال القبلي، عبر الرياضة وكرة القدم، التي جمعت شباب القبائل وغيرت وجهات احترابهم، بينما تدخلت الكنيسة في البيرو لنزع فتيل الأزمة بين السكان الأصليين والإسبان لطي خلافات الماضي وإشاعة السلم الأهلي، كما استطاع المسجد في أندونيسيا رأب الصدع مع إقليم آتشي النفطي.
وأكد أن التعليم في المجتمعات المأزومة يشكل فرصة لتطوير حلول لأزماتها في المجتمع المحلي.
وذكر يوسف بأن وجود ربع مليون طالب جامعي في فلسطين ينبغي أن يكونوا نواة تحريك وتفاعل مجتمعي، خاصة في ظل الأحداث المفاجئة التي يمكن تحويلها إلى فرص.
وتطرق إلى مفهوم "المواطنة العالمية" وضرورة الاطلاع بإدارة الأزمات في المجتمعات الأخرى، من خلال اشتباك المحلي بالعالمي.
أبعاد وانتفاضات
وسبرت أستاذة الصحة النفسية في جامعة الاستقلال، رحاب السعدي الأبعاد الاجتماعية والنفسية والتربوية في ظل أزمات وجودية.
واستردت تجارب التعليم الشعبي خلال انتفاضة الحجارة 1987، والتعليم إبان انتفاضة الأقصى 2000.
وقالت السعدي إن الأثر النفسي لما يحدث في فلسطين يتجاوز الأثر النفسي للتهجير المكاني.
وسلطت الضوء على دراسة عالجت أثر عنف الاحتلال على التفكك الاجتماعي، وتطرقت لخطورة الأزمات النفسية المتلاحقة على الصحة النفسية.
وعالج أستاذ علم النفس العيادي في "العربية الأمريكية"، وائل أبو الحسن الأبعاد الاجتماعية والنفسية والتربوية، التي تطفو على سطح الأزمات.
نصف المواطنين يكتوون بالاكتئاب
واستعان بدراسة لجهاز الإحصاء الفلسطيني والبنك الدولي، عام 2022، والتي بينت أن نصف المواطنين يعانون الاكتئاب، وأن 56% منهم يعانون اضطرابات ما بعد الصدمة.
ونبه إلى خطورة تقطع التعليم، الذي يؤدي إلى فجوات معرفية، وصعوبات في تراكم التحصيل.
وأشار أبو الحسن إلى ضرورة عدم إهمال إصلاح الخلل في البنية التحتية المعرفية، والاهتمام بالانعكاس المجتمعي لصعوبة الحفظ والتذكر، في وقت تتراجع خلاله فاعلية التعليم الإلكتروني.
ورسم أستاذ التربية وأساليب التدريس في "العربية الأمريكية" مصدق براهمة مشهدا للتعليم في الطوارئ والفاقد التعليمي.
وأوضح أن فلسطين تفوقت على اليابان والهند وسوريا في الكتابة والأبحاث عن ارتدادات الأزمات على المنظومة التعليمية.
وأشار إلى حالة الاختلاف في تعريف التعليم في حالة الطوارئ، وفق المفاهيم العالمية، كما تطرق إلى فجوة السياسات والتخطيط لمعالجة الفاقد التعليمي.
ونبه إلى أهمية تمكين طلبة الجامعات من اكتساب المهارات، وتطوير قدراتهم في التعبير عن أنفسهم، والاهتمامبالاضطرابات النفسية والقلق والخوف وعدم الشعور بالأمان.
وقدمت الطالبة في "العربية الأمريكية"، رهف بركات العمري عصارة دراستها حول الفاقد التعليمي لدى المرحلة الابتدائية في جنين، والذي تبين اتساع نطاقه من وحي استبانة شملت 60 معلما.
وناقشت نموذجا علاجيا للتعافي من الفاقد التعليمي، الذي تفاقم في جنين، وزاد العدوان الحالي الطين بلة.
وتتبع خبير التعليم في حالات الطوارئ ومنسق مجموعة التعليم في الضفة الفلسطينية المحتلة، وحيد جبران في عرض حالت تقنيات التواصل المرئي دونه، الدور المحوري للمؤسسات والأطر في تقديم التعليم في حالات الطوارئ.
وأفاد بأن التعليم في حالات الطوارئ لا يقتصر دوره على توفير المعرفة الأكاديمية، بل يشمل الحماية الجسدية ويعتبر أداة لإنقاذ الأرواح وبناء المرونة المجتمعيةوالنفسية والاجتماعية.
وذكر الوظائف الأساسية لمجموعات التعليم، وتدخلاتها الممكنة، والجهات الرئيسة الفاعلة في التعليم محليا ودوليا.
وبين أن فعالية التعليم في حالات الطوارئ تعتمد بشكل كبير على التوطين والشراكات العادل، وتطرق إلى مرونة النظام التعليمي وقدرته على التكيف والتخطيط الحساس للأزمات.
وحث الجهات على زيادة حصة التعليم من التمويل الإنساني لتصل إلى 10% على الأقل، مع التركيز على التمويل المتعدد السنوات لضمان الاستدامة، وتبني نهج "الربط بين العمل الإنساني والتنمية والسلام؛ لضمان أن تساهم تدخلات التعليم في حالات الطوارئ في تعزيز أنظمة التعليم الوطنية ومرونتها على المدى الطويل.
وصفات علاجية
وسرد عضو اللجنة التنسيقية للائتلاف التربوي الفلسطيني، أحمد أبو الهيجاء لائحة توصيات دعت إلى ما سموه "نمذجة الجهود الوطنية" والتركيز عليها من أجل صقل التجربة والبناء عليها، والتذكير بأن الحالة ليست طارئة وقدرة التعامل معها لها جذور قديمة وحديثة لا يجب إغفالها، ودمج التعليم في الخطط الوطنية للطوارئ بشكل فعال وما يتطلبه ذلك من التزامات.
وشددوا على رفض "التعليم المتكيف مع القهر"؛ لأن التعليم هو أداة تحرير الناس ولأنه أداة قراءة العالم قبل قراءة الكلمة.
وحثوا على عقد مقاربة للتعامل مع التسرب والعنف والعنصرية والتنمر في ظل تصاعد نسبها وتجاهل آثارها المدمرة.
وطالبوا بالانفتاح على التجارب العالمية لمجتمعات مرت بنزاعات مماثلة، وتوفير كادر إرشاد نفسي، في ظل تناقصهم بشكل كبير في السنوات الأخيرة، والضغط على وزارة التربية والتعليم لإنهاء ظاهرة تكليف التربويين (120 في تربية جنين) وتعيين ما هو مناسب ومنح هذا المجال الأهمية المطلوبة.
وشددوا على الحاجة إلى جلسات أخرى لمتخصصين لبناء الحلول أكثر منه طرح المشاكل، والشراكات البينية المثمرة وليس الشكلية والانفتاح المؤسساتي والمجتمعي الداخلي.
وأكدوا أن التعاونيات فكرة ريادية لكن يجب توحيد جهودها وتأطيرها من أجل تقليل الفاقد التعليمي وبناء الحلول المجتمعية وتوحيد الجهود، في ظل أزمات يمكن أن تكون روافع للتغيير والارتكاز في التغيير.
ودعوا إلى الاشتباك مع القيم العالمية، والاطلاع على إدارة الأزمات في المجتمعيات الأخرى، والاشتباك بين الوطني والمحلي والعالمي لاستجلاب قيم عالمية تساعدنا.
وأكد المشاركون على الاضطرابات النفسية والقلق والخوف وعدم الشعور بالأمان وغرس المواطنة في كل الأوقات بما فيها أوقات الأزمات.
وطالبوا بتحميل الجهات الرسمية مسؤوليتها في الملف التربوي، وإدخال مفهوم التعليم اللامنهجي على التربية والتعليم بخطوات عملية والضغط بهذا الاتجاه نحو تغيير جذري في السياسات.
وحذروا من مغبة إبقاء الوضع على ما هو عليه، وضرورة الانتباه لإنتاج الوعي، والتأكيد على النقد مستمر للسياسات وعدم إغفال ذلك بذريعة الازمات.
وحثوا على التنبه إلى خطورة طبقية التعليم وقت الأزمات، خاصة أن المدارس الخاصة في جنين ليس لديها فاقد مقارنة بغيرها، وفق دراسة الطالبة رهف العمري.
مواضيع ذات صلة
الشيخ: طالبنا مؤسسات الدولة كافة بعدم التعامل مع الإجراءات الاحتلالية ورفضها
قوات الاحتلال تعتقل 22 مواطنا من محافظة نابلس
الطقس: انخفاض على درجات الحرارة
الخليل تواجه محاولة إعادة احتلالها بغطاء إداري
الاحتلال يسلّم مقدسيا قرارا بالإبعاد عن المسجد الأقصى
المخرجة الفلسطينية شيماء عواودة تحصد الجائزة الكبرى في مهرجان كليرمون-فيران