الاحتلال يُحاصر سلفيت بتوسع استيطاني وهدم متواصل وسط طوق من 24 مستوطنة

رام الله– الحياة الجديدة– حنين خالد- في قلب الضفة الفلسطينية، تتجلى ملامح مأساة وطنية وانسانية متواصلة، تقف محافظة سلفيت كنموذج صارخ للهجمة الاستيطانية المتواصلة التي تنفذها سلطات الاحتلال في الضفة الفلسطينية المحتلة.
فالمحافظة الصغيرة، التي لا تتعدى مساحتها 204 كيلومترات مربعة، منها 75 مناطق مصنفة (ج)، ويقام على أراضيها 24 مستوطنة، و10 بؤر استيطانيه رعوية، وتواجه اليوم مشروعًا استيطانياً متغولاً يسعى لابتلاع الأرض وخنق الإنسان الفلسطيني، وجميع قرى وبلدات المحافظة تتعرض للاستيطان بشكل، حتى باتت اليوم واحدة من أكثر المناطق استهدافًا من قبل المشروع الاستيطاني، الذي لا يهدد فقط الأرض، بل يحاول نسف الهوية الفلسطينية من جذورها.
استهداف ممنهج يطال الأرض والإنسان
"ما يجري في سلفيت ليس مجرد توسع استيطاني، بل خطة مدروسة لتفكيك الوجود الفلسطيني"، بهذه الكلمات يصف محافظ سلفيت، مصطفى طقاطقة، الواقع المأساوي في محافظته، مشيرًا إلى تصعيد غير مسبوق تشهده المنطقة، يتمثل في بناء مستوطنات جديدة، ومصادرة أراضٍ زراعية، وفرض قيود خانقة على حركة المواطنين من خلال البوابات العسكرية والحواجز.
يؤكد طقاطقة لـ "الحياة الجديدة" أن قوات الاحتلال لا تكتفي بالإغلاق والحصار، بل تتبع سياسة التهجير القسري عبر هدم البيوت وتجريف الأراضي وتقديم إخطارات هدم بالجملة، مضيفًا أن هذه السياسات تحوّل حياة المواطنين إلى "كابوس يومي، يهدد الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي".
وفيما يخص الإجراءات التي تتخذها محافظة سلفيت لمواجهة هذه الانتهاكات، يشير طقاطقة إلى أن هناك تنسيقًا وثيقًا مع الوزارات المعنية، وكذلك مع المؤسسات الحقوقية المحلية والدولية. وقال: "نقوم بتوثيق الانتهاكات بشكل مستمر بالتعاون مع المؤسسات الحقوقية، بالإضافة إلى تقديم الدعم القانوني للأهالي المتضررين من أوامر الهدم والمصادرة. كما نقوم بزيارة ميدانية إلى القرى المتضررة لتقديم المساعدات الطارئة للمتضررين من الاعتداءات".
ويوضح أن المحافظة تعتمد على التنسيق مع الفعاليات الشعبية لمقاومة الاستيطان، مشيرًا إلى أن "المواطنين في سلفيت يثبتون بقوة على أرضهم رغم كل التحديات، فهم ينظمون فعاليات سلمية أسبوعية لمقاومة الاستيطان، ويشجعون المجتمع الدولي على الضغط على إسرائيل لوقف هذه الانتهاكات".
إرهاب منظم وغطاء حكومي
الممارسات الإسرائيلية في سلفيت لا تتوقف عند الجرافات وجنود الاحتلال، بل تمتد لتشمل المستوطنين المتطرفين ومنظماتهم التي باتت تمثل "رأس الحربة" في الهجوم على البلدات الفلسطينية. الباحث في الشأن الإسرائيلي، الدكتور فارس الديك، يرى أن ما يجري في سلفيت يُعد تجسيدًا لفكر استيطاني متطرف، تسنده الحكومة الإسرائيلية بأذرع قانونية وأمنية.
ويقول الديك لـ "الحياة الجديدة": "نحن أمام مشروع استيطاني موجه ومتصاعد"، مشيرًا إلى أذرع مثل منظمة "رحابيم"، التي توثق تحركات الفلسطينيين عبر طائرات مسيرة، وتوضع هذه البيانات أمام الحكومة الإسرائيلية لتشديد الخناق على المواطنين.
ويضيف الديك أن جماعات مثل "تدفيع الثمن" و"فتيان التلال" تمارس اعتداءات ميدانية تحت حماية الجيش، بينما يتم التوسع الاستيطاني بوتيرة غير مسبوقة، خصوصًا في بلدات مثل كفر الديك وبروقين ودير بلوط، التي شهدت منذ بداية عام 2025 عمليات هدم وتجريف واسعة النطاق.
ويلفت الديك إلى أن استهداف محافظة سلفيت يعود إلى عدة عوامل رئيسية:
- الموقع الجغرافي الاستراتيجي: سلفيت تقع بين مستوطنات كبيرة مثل "أريئيل" و"رفافا"، وهو ما يجعلها مستهدفة بالدرجة الأولى في سياسة الاحتلال لتوسيع المستوطنات وتوحيد مناطق الاستيطان.
- السيطرة على الموارد الطبيعية: الاستيطان في سلفيت يهدف أيضًا إلى السيطرة على الموارد الطبيعية، مثل المياه والأراضي الزراعية. إذ تعتبر سلفيت واحدة من أغنى مناطق الضفة الغربية من حيث المياه الجوفية.
وأكد الديك أن "الحكومة الإسرائيلية تسعى إلى تفريغ الأرض الفلسطينية في سلفيت تمهيدًا لربط المستوطنات ببعضها البعض عبر شبكة طرق، في خطوة تهدف إلى تهجير الفلسطينيين من أراضيهم".
أرقام صادمة ومقلقة؛ وتضييق مستمر
الإحصائيات التي تقدمها هيئة مقاومة الجدار والاستيطان تكشف حجم المأساة: منذ بداية العام، تم توثيق أكثر من 200 إخطار هدم ووقف بناء في كفر الديك وحدها، بالإضافة إلى هدم 8 منازل ومصادرة آلاف الدونمات في بلدات عدة. ومثلها في دير بلوط عمليات هدم لأكثر من منزل وبركسات؛ وفي بلدتي بروقين وياسوف سجل 21 اخطاراً بوقف البناء والهدم ، وكذلك في الزاوية تم هدم 3 مبان ومجموع انذارات وقف بناء يقارب الـ 150، وأخرى في قراوة بني حسان زمعظم بلدات وقرى المحافظة. وفي قرية سرطة وحدها، تم تفعيل قرار مصادرة قديم عمره 30 عامًا للاستيلاء على 96 دونمًا، في سابقة وصفت بـ "الخطيرة والممنهجة".
عبد الستار عواد، مستشار هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، يقول لـ "الحياة الجديدة": إن "محافظة سلفيت تعيش تحت تهديد دائم، وتُعامل كميدان مفتوح للنهب الاستيطاني، حيث تقام 24 مستوطنة و10 بؤر رعوية على أراضيها، إضافة إلى السيطرة الفعلية على 75% من مساحتها".
ويضيف أن الاحتلال لا يسعى فقط للسيطرة على الأرض، بل لتفريغها من سكانها عبر قطع الطرق وشبك المستوطنات ببعضها البعض، وتحويل القرى الفلسطينية إلى "جزر معزولة خلف بوابات حديدية"، وهو ما يشل الحياة اليومية للمواطنين ويقوض أي جهود للتنمية الفلسطينية.
استراتيجية "التهويد البطيء"
في الوقت الذي تُمنح فيه البؤر الاستيطانية العشوائية شرعية كاملة، وتُوصل لها الطرق وتُوفر لها الحماية، يُحاصر الفلسطينيون بالقوانين العسكرية والتشريعات المفصلة على مقاس الاستيطان. هذا التمييز الفج في تطبيق القانون، بحسب الباحث فارس الديك، يعكس "عقيدة صهيونية راسخة تسعى لفرض سيادة يهودية مطلقة على كامل أرض فلسطين التاريخية".
ويضيف أن الاحتلال يسعى لربط المستوطنات الكبرى مثل "أريئيل" و"رفافا" ببعضها، من خلال الطرق الالتفافية والمصادرة الجماعية للأراضي، خصوصًا تلك الغنية بالمياه الجوفية مثل أراضي سلفيت، الأمر الذي يهدد بانفجار ديمغرافي واقتصادي واسع النطاق.
المقاومة الشعبية.. خيار البقاء
في مواجهة هذه الهجمة الشاملة، تتضافر الجهود بين الجهات الرسمية والشعبية، كما يؤكد المحافظ طقاطقة، الذي أشار إلى التنسيق مع الوزارات ومؤسسات حقوق الإنسان، وتوثيق الانتهاكات بشكل يومي، إضافة إلى تنظيم الفعاليات الأسبوعية لمواجهة الاستيطان.
الباحث الديك يرى أن "المقاومة الشعبية والإعلامية والقانونية هي أدوات حيوية يجب تفعيلها"، داعيًا إلى تدويل القضية ورفع قضايا أمام المحاكم الدولية.
عبد الستار عواد، يوجه رسالة واضحة: "ما يحدث في سلفيت ليس مجرد مأساة محلية، بل جريمة سياسية موثقة ضد حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة. الاحتلال يراهن على صمت الإعلام والعالم، ومن هنا فإن المسؤولية تقع على الجميع، من صحفيين وحقوقيين ومواطنين، لكشف الحقيقة ودعم الصمود".
سلفيت.. لن تُكسر
رغم الضغوط المتصاعدة، تبقى سلفيت عنوانًا للصمود الفلسطيني. إنها ليست فقط ضحية لهجوم استيطاني ممنهج، بل أيضًا واجهة لنضال لا ينكسر، في وقت يبدو فيه أن الاحتلال يخطط لما هو أكثر من مجرد استيطان: اقتلاع الجذور، وتغيير الجغرافيا، وفرض أمر واقع على حساب شعب وأرض وتاريخ.
مواضيع ذات صلة
غزة: مجتمعون يبحثون قرارات الفصل الجماعي ويطالبون الأونروا بالتراجع عنها
قوات الاحتلال تقتحم تجمع "خلة السدرة" البدوي قرب مخماس
الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء: الاحتلال يواصل احتجاز جثامين 776 شهيدا
إصابة طفل برصاص الاحتلال في مخيم قلنديا
لجنة الانتخابات تتسلم تعديلا على قانون انتخاب الهيئات المحلية 2026
الاحتلال يعتقل مواطنا من بلدة السيلة الحارثية
اليونيسف: حملة واسعة للعودة للتعلم في غزة تشمل 336 ألف طفل