جنين تخسر جوهرة سوقها العتيق

جنين- الحياة الجديدة- عبد الباسط خلف- غيب الموت غضية عارف بزور، (85 عاما)، التي كانت علامة سوق جنين القديم الفارقة، وظلت صامدة أمام متجرها طوال 52 عاما؛ لترويج بضاعتها والتقاط رزقها.
ويقول صهرها علاء إن زوجة عمه كانت عَلَما في سوق المدينة، وظلت تعمل حتى قبل رحيلها بساعات، وترك غيابها فراغا في العائلة وبين الباعة والمتسوقين والمعارف.
وتقاطر كثيرون من أرجاء المحافظة إلى بيت عزاء السيدة الثمانينية، التي كان تجار السوق يحتكمون إليها في حل خلافاتهم، وشعروا بمرارة غيابها، وثقل شغور مكانها، الذي يسبق عددا كبيرا منهم، ويفوقهم عمرا.
ويشير الرزي إلى أنه كان في زيارة لوالدة زوجته في السوق، وتصادف ذلك مع وعكة صحية مفاجئة ألمت بها وهي تجلس في مكان عملها، فنقلها رفقة ابنها عبد القادر إلى المستشفى، ودخلت العناية المركزة نحو 36 ساعة ثم رحلت بجلطة دماغية، وتركت خلفها فراغا وحزنا كبيرين.
واعتادت أم العبد الرزي، كما عرفها تجار السوق العتيق وزبائنه، على الظهور بكوفية بيضاء، بينما اتسعت تجاعيد وجهها وتعمقت بمرور الوقت، واختزنت سيرة حافلة لسيدة عصامية كانت أقدم وآخر بائعة ورقيات ونباتات عطرية في المحافظة كلها.
سيدة الأرض
أبصرت بزور النور في رابا جنوب شرق جنين، عام 1940، والتصقت منذ طفولتها بالأرض، وكانت الساعد الأيمن لوالدها، وجمعت بين زراعة الأرض، وحراسة حقول البطيخ، والاعتناء بالأبقار والأغنام، ورعاية الدواجن والحمام، وتوفير معظم ما تحتاجه الأسرة ذاتيا، وإعداد الخبز.
وقالت أم العبد لـ"الحياة الجديدة" قبل رحيلها بأشهر، إنها ظلت تجلس منذ عام 1973 في المكان ذاته، أمام دكان رفيق دربها صالح عبد القادر الرزي، الذي رحل قبل 21 عاما.
وحرصت الراحلة على العناية بتفاصيل الورقيات والأعشاب، فكانت تقطف ورق الملوخية والزعتر، وبقيت تنزع الأجزاء غير المحببة من البامية، وظلت تحضر ثمار الفول والبازيلاء، واستمرت في ترتيب أوراق العنب بعناية، وعرفت بالاهتمام بأدق التفاصيل للعلك والبقدونس والفجل والنعناع والجرجير واللوف والجعدة وعديد الورقيات الصيفية والشتوية، وحرصت على بيع السمسم واليانسون والعدس، وبقيت تجفف الملوخية والبامية والجعدة واللوف حسب الطلب.
مقارنات وأجيال
وقارنت أم العبد، قبل وفاتها، الأجيال السابقة من النساء بفتيات اليوم، فقديما كانت المرأة تهتم بتفاصيل البيت ومتطلباته الكثيرة، فترعى الأبناء، وتعمل في الأرض، وتخزن احتياطي البيت للشتاء، وتحضر العجين، وترعى شؤون الطابون (مكان إنتاج الخبز التقليدي)، وتملأ الماء من الينابيع والآبار، وتبحث عن الحطب من الجبال للطهي، وتعتني بالأغنام والأبقار والدواجن، وتعد النار لتدفئة المنزل شتاء، وتحضر الصابون البلدي ورب البندورة والسمن والجبن والبرغل والكثير من احتياجات البيت، وتساعد والدتها في صناعة جرار الماء من الطين، وتهتم بالخوابي (أمكنة من الطين أو الصفيح لتخزين القمح)، وكانت بارعة في إعداد خبز الذرة والشعير (كراديش).
ورأت، قبل رحيلها الذي أوجع قلب السوق، بأن الأجيال الصاعدة لم تعمل بالأرض، وظلت بعيدة عنها، ولم تتعب من أجل توفير الطعام والشراب، وهذا برأيها سبب المشكلة في قلة الحيلة وكثرة الأمراض والعلل.
وأضافت أنها لم تشعر يوما بالغربة في السوق، رغم أنها الوحيدة بعد رحيل زميلاتها في المهنة: رقية أبو النافع، ونظمية مروح، ونورة أم جابر.
بقيت الراحلة تشتغل رفقة ابنها الوحيد عبد القادر، 46 عاما، ولم تشرك بناتها الثلاث: سعاد، وعفاف، وباسمة في عملها التجاري في طفولتهن وصباهن، وكان رفيق دربها يتاجر قبل وفاته بالعطارة والمواد الغذائية، في المتجر نفسه الذي بقي على حاله رغم مرور الأيام.
مؤشرات وتحولات
وأفادت الراحلة بأن حال جنين انقلب أمامها رأسا على عقب، إذ اختفت الكثير من الأصناف والمعاملات التجارية، فلا بيع اليوم بالمقايضة، ولا إمكانية متاحة لشراء السمن والطحينة والدبس بالصحن، وظهرت أنواع جديدة كالأفوكادو والشومر التجاري، وصارت الخضراوات كالخس والنعناع والبقدونس وورق العنب في غير مواسهما عقب انتشار الدفيئات، بينما قديما لم تكن تشاهد البندورة والورقيات إلا في الصيف، وما يعرض من حباتها المجففة خلال انقطاعها شتاء.
ومما ذكرته بزور قبل رحيلها، أحوال جنين خلال انتفاضة عام 1987 والإضرابات التجارية التي تخللتها، فقد كان جيش الاحتلال يطلب من أصحاب المتاجر فتحها بالقوة، وبعدها صار يجبرها على الإغلاق، كما تكررت الإضرابات بعد انتفاضة عام 2000، كما عاشت على وقع اقتحامات مستمرة، وصارت تفتقد زبائنها من أراضي الـ 48، الذين غابوا أو قلت مواعيد وصولهم كثيرا.
وقالت المرحومة إن الأسعار ارتفعت كثيرا، فقديما كان يمكن شراء كيلو ورق العنب بـ 3 شواقل، لكنه بعد انتهاء الموسم، أو في أوقات مبكرة وشح الورق يحتاج 50 شيقلا.
ناصرت أم العبد تجفيف الخضراوات، وأتقنت ذلك مع البندورة، والبامية، والفلفل، والجعدة، واللوف وغيرها، ولم تكن تفضل التخزين بالتبريد والتجميد، واستخدمت في حياتها هاتفا متنقلا غير ذكي، ولم تبحر في فضاءات الإنترنت.
وكانت بزور تبدأ نهارها، طوال 52 عاما، عند السابعة والنصف صباحا، وينقضي عملها بتسويق ما يحضره ابنها عبد القادر من ورقيات وطلبيات، ولم تخرج في إجازات إلا لتأدية الحج مرة واحدة والعمرة ثلاث مرات، وحرصت على زيارة شقيقها في الأردن، وكانت جدة لـ 19 حفيدا.
ومما باحت به لـ"الحياة الجديدة" قبل غيابها، كيف كانت تستغرب من ظواهر دخيلة وجديدة كتوفير مستلزمات باهظة الثمن في المتاجر للعناية بالكلاب والقطط، والتوقف عن تخزين القمح والطحين، والإفراط في شراء كماليات، وهجرة الأرض، والاستهلاك اليومي المبالغ فيه للحوم.
مواضيع ذات صلة
غزة: مجتمعون يبحثون قرارات الفصل الجماعي ويطالبون الأونروا بالتراجع عنها
قوات الاحتلال تقتحم تجمع "خلة السدرة" البدوي قرب مخماس
الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء: الاحتلال يواصل احتجاز جثامين 776 شهيدا
إصابة طفل برصاص الاحتلال في مخيم قلنديا
لجنة الانتخابات تتسلم تعديلا على قانون انتخاب الهيئات المحلية 2026
الاحتلال يعتقل مواطنا من بلدة السيلة الحارثية
اليونيسف: حملة واسعة للعودة للتعلم في غزة تشمل 336 ألف طفل