سؤال فلسطين بعد الحرب؟؟!!
باسم برهوم

انتهت الحرب، أو بشكل أدق توقفت، لأن ما تم هو هدوء مقابل هدوء حتى الآن. وهو اتفاق مناسب لإسرائيل، لكي تحتفظ بإمكانية ضرب ما تقول إنه تهديد في المستقبل، ولكن مع ذلك يمكن القول إن الحرب انتهت بين إسرائيل وإيران، لكن حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة لا تزال مستمرة وبوتيرة مرتفعة. بلغة أخرى فإن ما انتهى هو الحرب الإقليمية، والتي امتدت إلى مساحات واسعة من إيران لليمن، مرورا بسوريا ولبنان، وبشكل محدود العراق، والآن عادت لنقطة الصراع الأولى والدائمة، القضية الفلسطينية، فما تبقى من الحرب، هو ما يجري في قطاع غزة والضفة، لذلك يأتي سؤال فلسطين الذي طال أمده، بعد كل هذه التطورات: ما هو المستقبل الذي ينتظر قطاع غزة؟ فطبيعة اليوم التالي ومن سيحكم بالقطاع سيحدد مصير حل الدولتين، والأمر ذاته ينطبق على الضفة، إذا ما كان سموتريش هو الذي سيواصل التحكم بقرارها، فهذا سيعني نعي حل الدولتين إلى الأبد.
سؤال فلسطين ليس جديدا، فقد طرح للمرة الأولى خلال الحرب العالمية الأولى وبعدها، عندما تم ربط مصير فلسطين في حينه بوعد بلفور، وحسم سؤال فلسطين بعد الحرب العالمية الثانية، عندما اجمعت الدول المنتصرة في الحرب.
وبغض النظر عن ما بينها من تناقضات، أجمعت هذه الدول على إقامة دولة إسرائيل، ولم تكترث في حينه إلى مصير الشعب الفلسطيني، فكانت النتيجة النكبة بأبشع صورها. كما لا ننسى أن سؤال فلسطين كان السؤال الأهم، بعد حرب الخليج العام 1991، والتي يمكن وصفها بأنها كانت حرب عالمية مقلصة، كان ما قبلها نظام دولي وبعدها جاء آخر، هيمنت فيه الولايات المتحدة الأميركية على العام بلا منازع. بعد هذه الحرب دعا الرئيس الأميركي جورج بوش الأب، لعقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط في العاصمة الإسبانية مدريد، وبدأت عملية سلام انتهت بتوقيع اتفاقيات أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، وهو الذي سمح لإقامة أول سلطة وطنية فلسطينية على أرض فلسطين.
ما جرى منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، مرة أخرى هي حرب عالمية مصغرة. فهي امتدت على مساحة واسعة، من إيران وحتى اليمن، مرورا بسوريا ولبنان والعراق، أما أكثر المتضررين هو الشعب الفلسطيني، والتي بدأت الحرب من عنده وهي لا تزال مستمرة عليه على شكل حرب إبادة جماعية في قطاع غزة، وقضم وتصفية المخيمات في الضفة.
نتائج هذه الحرب التي لم تنته بعد، وإن كان بعدها الإقليمي قد توقف، وعادت لتكون فقط على شعبنا الفلسطيني.
اللافت بسؤال فلسطين اليوم وبعد كل هذه الحروب، حربين عالميتين، وثماني حروب إقليمية كبيرة، وعشرات الحروب الصغيرة. إنه لم يفقد قوة وجوده، والسبب بسيط وهو أن الشعب الفلسطيني لا يمكن أن يتنازل عن حقه بأرضه، أكثر من مائة عام وهو يقدم التضحيات من أجل الهدف ذاته. إن الأرض هي أرضه، وبغض النظر كم أخطأ وكم أصاب خلال عقود الصراع فإن علاقاته بالأرض بقيت هي ما يحركه ولا يزال، لذلك سؤال فلسطين سيبقى هو المطلوب الإجابة عليه.
هناك حقائق لا بد من أخذها في الاعتبار، ونحن نجيب على سؤال فلسطين، والأساسي منها:
أولا: إن كل المحاولات لإلغاء وجود الشعب الفلسطيني، ودفعه للتنازل عن أرض وطنه قد فشلت، وكل المحاولات لتجاوز الإجابة سؤال فلسطين أيضا فشلت.
ثانيا: منذ بداية الصراع، كان ميزان القوى باستمرار يميل بقوة لصالح المشروع الصهيوني، ومن ثم لإسرائيل الدولة، والأسباب معروفة، إن هذا المشروع كان ولا يزال مدعوما من الدول الكبرى المتحكمة بالعالم، واليوم أصبح ميزان القوى يشير إلى تفوق كاسح لإسرائيل.
ثالثا: الشعب الفلسطيني لا يزال موجود على أرضه، وهو ليس أقلية بل هو يساوي بعدده اليهود، بمعنى أنه ليس شعبا طارئا يمكن التخلص منه، كما كانت تدعي الصهيونية عند نشأتها. فالواقع الراهن يقول: إن هناك في نفس الجغرافيا شعبين وهي حقيقة من الصعب إنكارها اليوم، أو تجاوزها.
رابعا: الشعبان تبادلا الاعتراف في العام 1993، بعد أن اكتشفا أنه لا يمكن إلغاء الواحد منهما الآخر. فرصة السلام التي لاحت في مطلع التسعينيات بعد حرب إقليمية كبيرة، وبعد تاريخ معقد وصعب من الصراع، هذه الفرصة أجهضها اليمين الصهيوني المتطرف أساسا، وساعده في ذلك المتطرفون في الجانب الفلسطيني وخصوصا حماس، التي ربطت نفسها بأجندة إقليمية خارجية.
خامسا: الواقع الموجود اليوم ان هناك دولة فلسطينية تحت الاحتلال، لكنها عضو غير كامل العضوية في هيئة الأمم المتحدة، وعلم الدولة الفلسطينية مرفوع على ساريات المنظمة الدولية إلى جانب أعلام الدول الأخرى، وتعترف بهذه الدولة 142 دولة في العالم، وهي عضو في عشرات المؤسسات الدولية الأخرى. وهناك سلطة وطنية فلسطينية معترف بها وقائمة على الأرض، وترتبط بعلاقات مع كافة دول العالم، وهي نتاج اتفاق فلسطيني إسرائيلي أساسا.
سادسا: شعبنا في قطاع غزة وبعد أكثر من عشرين شهرا من الحرب، صحيح أن حكومة نتنياهو قد أدمته وقتلته وجوعته وأنهكته ودمرت كل مقدراته، إلا أنه لا يزال على أرضه ومتمسكا بها مها غلت التضحيات.
سؤال فلسطين بعد الحرب الأخيرة ينتظر إجابة، وهذه الإجابة هي التحدي الأخلاقي الأهم ربما في التاريخ كله للبشرية، كيف سيتصرف العام بعد حرب الإبادة؟
لماذا لا يتحرك الرئيس ترامب، الطامح لجائزة نوبل للسلام في هذا الملف، الذي هو المحك الحقيقي للسلام والاستقرار في المنطقة والعالم؟
مواضيع ذات صلة
مكيالان في الفضاء الرقمي: ضجيج الضفة وصمت غزة
حربان في زمن واحد: المعركة على الأرض والمعركة على الوعي ...
متى نرى الجميع سعداء؟!
التعليم لأجل التعافي… حين يصبح التعلم فعلَ صمودٍ في زمن الحرب
معا نحمي الحياة… الوعي مسؤولية وطن في زمن الظروف الاستثنائية
حين تبتلع الصورة المعنى: أزمة الذائقة في الإعلام الجديد
الوطن أم القلاع المبنية من حجارة هشة ؟!