شظايا الموت في الضفة الفلسطينية: بين الإهمال والخطر الحقيقي

رام الله- الحياة الجديدة- عبير البرغوثي- لم يتخيل علاء ياسين، الأب لسبعة أطفال من بلدة سعير شمال شرق الخليل، أن يتحول منزله إلى ركام خلال ثوانٍ معدودة، بعدما سقط صاروخ تم اعتراضه إسرائيليًّا فوق منزله خلال الحرب الدائرة بين إسرائيل وإيران، ما تسبب في تدمير شقته بالكامل ضمن بناية مكونة من أربعة طوابق.
يقول ياسين بألم: "نصف دقيقة فقط فصلت بين إطلاق الإنذار وانفجار الصاروخ. منزلي تدمر كليًا، اثنان من أطفالي أصيبا بحروق، وحتى المواد التموينية أصبحت غير صالحة بسبب دخول البارود، أما نفسيًا فنعيش الآن في رعب دائم، لا نغادر المنزل، وتركنا الأمر لله".
تجربة ياسين ليست استثناء، فقد تكررت حوادث سقوط شظايا الصواريخ في مناطق متفرقة من الضفة الفلسطينية، مخلّفة أضرارًا بشرية ومادية كبيرة. لكن ما يزيد الخطورة هو عدم التزام نسبة كبيرة من المواطنين بتعليمات السلامة الصادرة عن الجهات المختصة، رغم تكرار الرسائل التحذيرية على الهواتف، وشاشات التلفاز ووسائل التواصل.
ففي مشاهد صادمة، وُثق عدد من المواطنين وهم يحملون شظايا الصواريخ أو يقتربون من أماكن سقوطها بدافع الفضول أو التباهي، دون إدراك لخطورة هذه البقايا التي قد تكون مشتعلة أو تحتوي على مواد سامة.
المخاطر لا تحتمل التهاون
بحسب نائل العزة، مدير العلاقات العامة في الدفاع المدني، فإن شظايا الصواريخ تُعد من أخطر التهديدات خلال الحرب، بسبب طبيعتها المعدنية الحادة، وحرارتها المرتفعة وسرعتها الهائلة.
ويقول العزة لـ "الحياة الجديدة": "قد تصيب الشظايا الأشخاص على بُعد مئات الأمتار وتسبب إصابات قاتلة. خلال هذه الحرب تلقينا 128 نداء، ووقعت 7 إصابات، معظمها بين الأطفال، كما تضرر 25 منزلًا، و6 مركبات، وأصيبت 4 مصانع".

ويحذر العزة من الاستهتار بالإجراءات قائلاً: "سلامة الأفراد مسؤولية جماعية. التعليمات التي نصدرها ليست مجرّد نصائح، بل هي الفارق بين الحياة والموت. يجب تحفيز تطبيق العقوبات على غير الملتزمين وتعزيز ثقافة الوقاية في المجتمع".
بين الثقة الغائبة والتجاهل المجتمعي
يرى الباحث في العلوم الاجتماعية عبد العزيز الصالحي أن تجاهل بعض المواطنين لتعليمات السلامة لا يعود إلى سبب واحد، بل يرتبط بعدة عوامل مركبة. ويوضح أن فهم هذا السلوك يتطلب العودة إلى أبرز التحولات التي مر بها المجتمع الفلسطيني في السنوات الخمس الأخيرة، وعلى رأسها جائحة كورونا، والحروب المتكررة على الفلسطينيين في قطاع غزة، بالإضافة إلى أزمات النزوح الداخلي.

هذه المحطات، بحسب الصالحي، تركت آثارًا اجتماعية واقتصادية عميقة، وأسهمت في تراجع تجاوب المواطنين مع نداءات الجهات الرسمية، خصوصًا في الأزمات، إذ لم تعد تلك النداءات تحظى بالجدية المطلوبة على المدى القريب.
ويُضيف الصالحي في سياق حديثه لـ "الحياة الجديدة" أن أحد أبرز التحديات في التعامل مع الجمهور هو فقدان الثقة، والتي لا تقتصر على المصداقية، بل تشمل شعور الأفراد بأن التعليمات الصادرة من الجهات المختصة قد لا توفر الحماية المطلوبة، نتيجة لواقع مستمر من التهديد تحت الاحتلال.
ويشير إلى أن المواطن، الذي يرى نفسه مهددًا يوميًا، قد لا يتعامل بجدية مع خطر مؤقت مثل سقوط شظايا الصواريخ، وهو ما شُوهد كذلك خلال جائحة كورونا حين لم يلتزم كثيرون بالإجراءات الوقائية في بدايتها بسبب غياب الثقة والوضوح في الإجراءات.
كما يؤكد الصالحي أن انعدام المشاركة المجتمعية في صنع القرار يفاقم الأزمة، إذ إن المواطن يُطلب منه الالتزام بتوجيهات لم يكن جزءًا من صياغتها أو حتى إبلاغه بها بالشكل الكافي.
ويُبين أن الحل الأمثل في حالات الطوارئ هو إشراك المجتمع في التخطيط والتنفيذ، وهو ما يُسهم في تعزيز الشعور بالمسؤولية والالتزام.
أما عن التحدي الثالث، فيكمن في ضعف الإمكانيات المادية والبنية التحتية، حيث يرى الصالحي أن الاحتلال يُسهم في تكريس صورة العجز الفلسطيني، من خلال التضييق السياسي والاقتصادي، وعلى رأسه اقتطاع أموال المقاصة، ما يضعف من قدرة الجهات الرسمية على تنفيذ خطط فعالة لحماية المواطنين.
ويتابع الصالحي: "من الدروس التي يجب استيعابها من الأزمات السابقة، هو أن المجتمع ليس متلقيًا فقط، بل هو كيان اجتماعي حيّ، له رأي عام وتفاعلات يجب أخذها في الحسبان".
ويشدد على ضرورة تطوير سياسات إعلامية جديدة تعتمد الشفافية والانفتاح، وتكسر الحواجز الثقافية والاجتماعية، بهدف تحقيق تواصل حقيقي بين صانع القرار والجمهور.
ويُقترح أن يكون هناك دور فاعل للجهات المحلية -مثل البلديات والمجالس والأندية المجتمعية- لتعزيز التفاعل مع المواطنين في بعض المناطق، وإعادة بناء جسور الثقة.
وفي ما يتعلق بالسلوكيات الفردية، مثل التزاحم على الوقود أو تخزين المواد الغذائية، يوضح الصالحي أنها تعكس حالة خوف جماعي وغياب للثقة في وجود حماية مستقبلية واضحة.
ويختتم بالقول: "لا يمكن تحميل الأفراد مسؤولية هذه السلوكيات دون توفير رؤية واضحة وإجراءات طارئة فعالة. كما أن ضعف الاستثمار في مفاهيم مثل التكافل الاجتماعي والعمل الجماعي، خلال السنوات الماضية، جعل النزعة الفردية أكثر بروزًا، وهذه الفردانية لن تنقذ أحدًا".
الخوف يُنتج إنكارًا وسلوكيات خطرة
وتشير الدكتورة نبال خليل، المختصة في الأنثروبولوجيا الاجتماعية، إلى أن حالة التهاون تنبع من آليات نفسية دفاعية يتبناها الإنسان خلال الحرب، وتقول: "في ظل الضغط النفسي المستمر، قد ينكر العقل وجود الخطر، ويتعامل وكأن الحرب غير موجودة، كطريقة للهرب من الواقع المؤلم. هذا التبلد أو "الخدر النفسي" يقلل من الإحساس بالخوف، ويولد سلوكيات متهورة".

وتشير إلى أن عدم الالتزام بالإجراءات قد يكون تعبيرًا عن محاولة لاستعادة السيطرة أو الشعور بالقوة، في ظل شعور عام بالعجز.
الرسالة التوعوية: حياتك وحياة من تحب مسؤوليتك
رغم جميع التحديات النفسية والاجتماعية، فإن الالتزام بتعليمات السلامة ليس خيارًا شخصيًا فقط، بل مسؤولية جماعية، فكل لحظة تهاون قد تؤدي إلى كارثة، وكل تجاهل لتحذير قد يكلّف حياة إنسان بريء.
يدعو الدفاع المدني وجميع الجهات المختصة إلى تعزيز التوعية المجتمعية، وإعادة بناء الثقة مع الجمهور، وإشراكه في آليات الحماية، وتذكير الجميع أن: "النجاة من الخطر ليست حظًا بل نتيجة وعي والتزام".
مواضيع ذات صلة
الخليلي: الاحتلال يمارس عنفاً اقتصادياً مركباً يضاعف معاناة النساء الفلسطينيات
الاحتلال يداهم عدة منازل في دير سامت غرب الخليل
في حفل استضافه تلفزيون فلسطين: أمين عام اتحاد الكتّاب ونظيره الأفريقي يتبادلان التكريم
ارتفاع حصيلة الشهداء في قطاع غزة إلى 72,601 والإصابات إلى 172,419 منذ بدء العدوان
يوم العمال بلا عمل.. العمال في قطاع غزة بين تبعات الحرب والحصار
طرق الحج إلى مكة المكرمة.. رحلات إيمانية تتجدد عبر العصور
سلطة الأراضي تعلن تعليق 17 حوض تسوية للاعتراض في عدد من المحافظات