عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 11 حزيران 2025

هدير آليات ورصاص جنود يغرسون الموت بخاصرة البلدة القديمة في نابلس

نابلس– الحياة الجديدة – بشار دراغمة- في تمام الثانية عشرة منتصف الليل، حين كانت نابلس تتثاءب متعبة من يوم آخر يغافل الموت ليعيش، دهمها الاحتلال على حين قهر، لم تكن تلك ساعة منتصف الليل بقدر ما كانت ساعة عدوان جديد خلفه قتل ودمار.

عاشت المدينة على مدار الساعات الماضية، على وقع هدير آليات ورصاص جنود يغرسون الموت في خاصرة البلدة القديمة.

عشرات الآليات الاحتلالية تسللت، لتفتح لنفسها طريقا على أكتاف حجارة أتقنت الصمود.

البلدة القديمة، حيث الحجر أصدق من نشرات الأخبار، وحيث الشبابيك تتهجى أسماء الشهداء، كانت هي الهدف، لم تترك زاوية إلا وطالها الاجتياح، كما لو أن جنود الاحتلال يبحثون عن تاريخ ما، أو عن ذاكرة يريدون محوها.

القتل في لغة الاحتلال، روتين اعتيادي، شابان شقيقان أعزلان تم إعدامهما بدم بارد أمام عدسات الكاميرات، فيسارع الاحتلال لتقديم روايته المزعومة بأن شابا حاول خطف سلاح أحد الجنود، بينما الميدان وشهود وكاميرات المصورين كانت أسرع في كشف زيف ادعاء الاحتلال، لتثبت الأدلة أن ما تم هو إعدام بدم بارد.

يتقدم الشاب الأعزل نضال عميرة نحو جنود الاحتلال، يكشف ملابسه عن جسده ويرفع يديه عاليا بينما كان هناك شقيقه خالد في الزاوية الأخرى، يسارع جندي احتلالي في الاعتداء على نضال وضربه، ومن ثم تسمع أصوات إطلاق نار في كل اتجاه، يعدم الاحتلال الشابين الشقيقين ويمضي نحو مزيد من الجرائم.

أجبر الاحتلال عائلات على ترك منازلها، بيوت لم يهجرها أهلها على مر الزمان، تحولت إلى ثكنات عسكرية، كان الجنود يدخلون المنازل كعصابات، تضرب وتدمر وتسرق.

حقائق أثبتها شهود عيان عايشوا تلك اللحظات. أحمد عمر شاهد عيان، قال إن الاحتلال كان "يتلذذ" بتخريب محتويات المنازل، وكأنهم لم يأتوا بحثاعن "مطلوبين"، بل عن النبض الفلسطيني كي يخنقوه، الهواتف، الوثائق، المقتنيات كلها صودرت، بينما يتم اقتياد الشبان إلى التحقيق واستخدامهم دروعا بشرية.

جنود الاحتلال لا يفرقون بين بين شاب وطفل، يضربون الجميع بأعقاب البنادق، فنقل الهلال الأحمر إصابات بالضرب، بالرصاص، بالغاز، وكأن كل أنواع التعذيب والموت كانت في رحلة استعراض لقوة لا تخشى أحدا، ولا تخجل من شيء.

على أحد مداخل البلدة وبالقرب من ميدان الشهداء كان يقف محافظ نابلس، غسان دغلس، لا كموظف دولة، بل كناطق باسم المدينة كلها وأهلها، كوجدان يحاول أن يوقف طوفان القهر بجملة، قال بصوت أثقله المشهد: "الاحتلال يثبت كل يوم أنه احتلال، لكنه إلى زوال، ومن سيبقى في الأرض هم أصحابها".

لم يكن يقرأ بيانا، كان يصرخ بما تقوله عيون النساء اللواتي أخرجن عنوة من بيوتهن، بما يبوح به وجع الأطفال حين يختبئون خلف أمهاتهم المرتجفات، كان صوته امتدادا لصوت المدينة وهي تصرخ "أنا باقية، رغم كل شيء".

الوجه الآخر للجريمة ظهر في رواية غسان حمدان، مدير الإغاثة الطبية، قال إن جنود الاحتلال لم يكتفوا بتحويل البيوت إلى ثكنات، بل صادروا حتى ذاكرة المكان. دواوين المدينة، تلك المجالس التي تروى فيها الحكايات، أضحت مراكز تحقيق ميداني.

المداخل والمخارج أغلقت، لم يعد في البلدة القديمة سوى منفذ للهواء الملوث بالغاز.

العدوان ليس مفصولا عن سياق.. هو فصل في رواية طويلة من الإبادة الجماعية. قالها غسان حمدان صراحة: "ما يجري في نابلس هو امتداد لما يجري في غزة، وجنين، وطولكرم، إنها حرب بكل ما فيها من معنى، هي حرب إبادة وتهجير".

ليس القتل وحده ما يرتكب، بل هناك نوع آخر من التصفية، تصفية الأمل، وتحطيم الروح، حتى سيارات الإسعاف، رمز الحياة في لحظة الموت لم تسلم.