كَفر الدّيك.. صورةُ فلسطين المُستعمَرَة
مؤيد قاسم الديك

ذاتَ يومٍ، من أيامِ فلسطين الجميلة، كان جدّي يركبُ بغلته، حاملًا عليها قُطّين كفر الدّيك، وخروبها وزيتها وزعترها، مُتّجهًا نحو الغرب، مع ساعات الفجر الأولى، قاطعًا أربعين كيلو مترًا، فيبيع ما جادت به أرضه من خير، ويعود مع ساعات الليل المتأخرة محمّلًا بما جادت به أسواق مدينة الرّملة، دون أن تعثر بغلتُه بحجر!
كانت أرض كفر الدّيك تمتدُّ إلى الدّاخل الفلسطيني، إلى قرية مجدل الصّادق، التي استأجر البريطانيون فيها أكثر من خمسمئة دونم من أهالي القرية كي يبنوا مراكز لجنودهم هناك.. ذات يوم من أيام فلسطين الجميلة كانت كفر الديك من أعمال الرملة.
على ارتفاع أربعمئة مترٍ عن سطح البحر وضع آباؤنا الأولون حجر أساسها. لقد رأت كفر الدّيك النّور قبل أن يعرفَ التّاريخ شيئًا عن لصوصِ الأرض وسُرّاقها.
وسط الضفّة الفلسطينية، وبين مدينتي نابلس (34) كم نحو الشمال الشرقي، ورام الله والبيرة (30) كم نحو الجنوب، تتربّع بلدة كفر الدّيك على صخرة دهريّة. عبر تاريخها تَبِعَت أقضيةً مختلفة، من نابلس إلى الجمّاعينيات، إلى طولكرم، وقلقيلية، ثمّ سلفيت.
يحيط بها من الشّرق بلدة بروقين، حيث تتداخل بيوتهما، ومن الجنوب الشرقي تطلّ على قريتي كفر عين وقراوة بني زيد. وعلى بُعد خمسة كيلو مترات نحو الشمال تصل أراضيها قرى وبلدات سَرطة وبِديا والزّاوية ورافات. ومن ناحية الغرب، وعلى بُعد ثلاثة كيلو مترات تتداخل أراضيها بأراضي دير بلوط واللبّن الغربي.
ومن الجنوب، حيث بيوتُها معلّقة في الهواء، وشرفاتها تطلّ على واد سحيق، لأكثر من مئتي مترٍ نزولًا، مياهه الغاضبة شتاءً تأتي من على بُعد 30 كم من الشّرق، حيث منابعه من جبال قرية عقربا، ويشقّ طريقه حتّى مصبّاته الأخيرة في نهر العوجا. هذا الوادي يشبه نهر الأردن في جريانه، عندما كانت آلهة الغناء تأتيه من أعماق البحار باحثة عن القصب كي تصنع نايات الحبّ من على ضفافه، كما تقول الأسطورة. الوادي الأبيض كما يعرف بكتب الجغرافيا، أو وادي (شِيلا) كما اصطلح عليه الطارئون على هذه الأرض، مياهه تغذّي عيون الماء المحيطة بالبلدة، التي كانت تتدفّق نحو بساتين البسطاء في لحظة عيشٍ هانئة.
النّازلُ من رام الله باتّجاه دير غسّانة يستوقفه مشهد السّرطان الاستيطاني، الذي يتمدّد سريعًا في جهاتٍ ثلاث لِيلْتهمَ الحجر والشّجر.
وبَعدَ أن كُنّا نرى البحر من رؤوس جبالها صار نظرُنا يصطدم بكتلٍ اسمنتيّة تحجب لمعان بحر يافا البعيد.
لقد تقلّصت مساحة البلدة لأقلَّ من ألفٍ وأربعمئة دونم، بعد أن كانت أراضيها تتداخل ببيوت القرى المجاورة. لقد أصبحت مخنوقةً ببوّابات العنصريّة بعد أن كانت نوافذها مفتوحةً للشّمس.
لم تعد كفر الدّيك كما كانت، كما لم يستطع جدّي بيع قطّينه في أسواق الرملة. لقد خنقها الاستعمار، وسرق لصوصُ الأرض بغلةَ جدّي، وقُطّينَ أرضه، وسوق المدينة، كما سرقوا صحنَ الحمّص وحبّة الفلافل، وثوب جدّتي، وخابية القمح من هناك، من العبّاسية.
واليوم يعود المشهدُ، ليصطدم أهل الحقِّ برعاع الأرض ومفسديها، فأصبح أهل البيتِ في صدام يومي مع المحتلين.
يعود المشهد اليومَ لنرى كيف يتمادى هؤلاء المستعمرون بعد سرقة مائنا وهوائنا، وشجرتي التّين والزيتون، والقُبّار والزّعتر والطيّون، وحجارة الوادي، وروح الفلاح، ليسرقوا الأمل الخالد في نفوس أهل الأرض، الأمل الذي يقول إنّ غدًا أفضل، رغم الثّمن الباهظ، والوجع الغائر.
نعم، سرقوا كلّ شيء بإجازة من حكومة، يدعو قادتها المتطرفون، ومن أعلى منابرهم، وعلى مسمع من العالم لمحو قريتي كفر الدّيك وبروقين كما الشّجاعية، فراح المحتلُّ بهمجيّته يهدم البيوت، ويقتل الآمنين، ويستبيح حرماتهم، ويستولي على بيوتهم ليحولها ثكناتٍ لجنوده وتدريباتهم، لتصبح أشبه بحظائر بعد مغادرتهم، وقد حشروا أهلها في غرف ضيّقة، لتشهد هذه الأفعال على اختلالهم الأخلاقي، وعلى عدم سويّتهم الإنسانيّة، فلا يعيرون رضيعًا حقًّا حتّى في حصوله على علبة حليب، ثمّ يعلنون أنهم انتصروا على "الإرهاب"!
هذه صورة لأكثر من سبعة آلاف فلسطيني، كانوا يملكون أكثر من سبعة عشر ألف دونم من الأرض، ذات يوم، حشرهم الاحتلال في بلدة أصبحت بيوتها تعلو نحو السّماء بعد أن كانت منتشرة بين البساتين.
إنّها صورة لكلِّ قرية وبلدة ومخيّم ومدينة فلسطينيّة من شمالها لجنوبها، ومن مشرقها لمغربها. إنّها صورة فلسطين الكلّيّة مع آخر استعمار عرفته البشرية.
مواضيع ذات صلة
مكيالان في الفضاء الرقمي: ضجيج الضفة وصمت غزة
حربان في زمن واحد: المعركة على الأرض والمعركة على الوعي ...
متى نرى الجميع سعداء؟!
التعليم لأجل التعافي… حين يصبح التعلم فعلَ صمودٍ في زمن الحرب
معا نحمي الحياة… الوعي مسؤولية وطن في زمن الظروف الاستثنائية
حين تبتلع الصورة المعنى: أزمة الذائقة في الإعلام الجديد
الوطن أم القلاع المبنية من حجارة هشة ؟!