فلسطين في الساحة الدولية
حوار مع االرئيس محمود عباس

أجرى الحوار بادية فواز ياسين آب – 2024- الجزء الثاني:
9. ما الذي دفع باتجاه البحث عن حل سياسي للصراع والتوجه إلى فكر واستراتيجية السلام مع إسرائيل؟
إن فكرة تبني النهج السياسي والدبلوماسي السلمي في الصراع مع إسرائيل، والبحث عن اتفاق سلام معها، جاء انطلاقاً من هذه الإدراكات الجديدة لنتائج الحروب التي خاضتها الدول العربية مع إسرائيل. ومن هنا جاءت فكرة التوجه إلى المجتمع الإسرائيلي وإلى القوى المؤيدة للسلام في إسرائيل والتي كان أغلبها من اليسار. وجرت في هذا السياق الاستفادة من الحزب الشيوعي الإسرائيلي الذي كان أغلب قادته وأعضائه من المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، حيث شكل هؤلاء جسرا للتواصل مع اليهود المؤمنين بالسلام.
يضاف إلى هذا العامل أنني أدركت منذ وقت مبكر أن العالم، وأصدقاء الشعب الفلسطيني، كالاتحاد السوفياتي سابقاً والصين، لم يكونوا مع فكرة الحرب مع إسرائيل أو القضاء عليها، وهو أمر لم يكن ممكنا في الأساس. وفي جلسة المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر عام 1988 تم تبني قرارات فلسطينية تتحدث عن السلام، بما في ذلك الاعتراف بقرارات الشرعية الدولية 242 و 338 وكذلك الاعتراف بدولة إسرائيل. ولقد شجعت هذه المواقف السياسية الجديدة المجتمع الدولي على السعي الجاد لإيجاد حل سياسي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فجاء إثر ذلك مؤتمر مدريد للسلام للعام 1991، وبعد ذلك التوقيع على اتفاق أوسلو للعام 1993.
في أعقاب الخروج من بيروت في العام 1982، اعتقد البعض أن القضية الفلسطينية أصبحت مهددة بالضياع بسبب افتقاد المقاومة للجغرافية السياسية وخطوط التماس مع الأراضي الفلسطينية المحتلة. ولكن الوقائع أثبتت خطأ هذا الاعتقاد، حيث تمت الاستعاضة عن الكفاح المسلح بالتركيز على النضال متعدد الأشكال داخل فلسطين وخارجها، والذي تُوِّجَ بانتفاضة شعبية تاريخية عارمة كان لها ما صاحبها وما تلاها من تداعيات هامة على الجوانب المختلفة للقضية الفلسطينية. كما أن الخروج من بيروت حرر القرار الفلسطيني المستقل من المحاولات الحثيثة للبعض للسيطرة عليه، وقد عانينا في السابق الكثير من محاولات مصادرة هذا القرار.
لكن غزو العراق للكويت في العام 1990 شكل انتكاسة كبرى للقضية الفلسطينية التي تعرضت قيادتها للحصار بسبب موقفها الذي اعتبر مؤيدا للعراق في هذا الغزو.
ورغم أن القيادة الفلسطينية قبلت الذهاب إلى مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 في وفد أردني فلسطيني مشترك، مقدمة بذلك المرونة المطلوبة لكي تتمكن من المشاركة، فإن الحصار السياسي والمالي المضروب على منظمة التحرير الفلسطينية لم يتوقف، بل ازدادت أزمة المنظمة تفاقماً.
بعد أن فشلت مفاوضات واشنطن المنبثقة عن مؤتمر مدريد للسلام في العام 1991 في إقرار الاعتراف بالشعب الفلسطيني، وتحقيق أي تقدم جدي بالتوصل إلى حل، بدأنا نفكر في طرق بديلة للخروج من حالة الجمود السياسي التي كانت تحيط بالقضية الفلسطينية.
وقد جاءت قناة أوسلو بمحض الصدفة ولكننا لم نُضِعها، وانخرطنا في مفاوضات سرية أفضت إلى توقيع اتفاق أوسلو.
10. لماذا وكيف وافقت إسرائيل على قبول قيام كيان فلسطيني في الأراضي الفلسطينية التي احتلتها عام 1967؟ أكان قبولها للسلام مع الفلسطينيين وإعطاؤهم حكما ذاتيا في اتفاق أوسلو واقعية سياسية أم توجهاً مفروضاً عليها؟
لقد وافقت إسرائيل على قبول قيام كيان فلسطيني في مناطق نفوذها رغم أنفها، وربما كان هذا القبول تكتيكياً، وبمثابة انحناء للعاصفة، في ظل ما خلقته الانتفاضة الشعبية الفلسطينية التاريخية الرائعة في العام 1987، من حالة تعاطف وتأييد دوليين للشعب الفلسطيني، ومن ناحية أخرى نتيجة لما حظيت به السياسة الواقعية الفلسطينية، المؤيدة لإيجاد حل سياسي عادل وشامل يقوم على المفاوضات مع إسرائيل، من تأييد عالمي.
لقد كشفت الانتفاضة ظهر إسرائيل أمام العالم في تعاملها الوحشي مع انتفاضة شعبية سلمية، ولم يكن بمقدورها الاستمرار في اتباع ذات الأساليب الوحشية التي فشلت في إطفاء نار الانتفاضة. وربما شعرت الولايات المتحدة وبعض دول العالم بضرورة الالتفات لحل القضية الفلسطينية في أعقاب حرب الخليج الأولى ضد العراق، ومشاركة بعض الدول العربية فيها. ولا بد من الإقرار أنه كانت هناك جهات محددة في إسرائيل، أو ما يسمى معسكر السلام، التي دعمت من حيث المبدأ فكرة التوصل إلى تسوية سياسية مع الفلسطينيين، وقد وفر اتفاق أوسلو الفرصة لهؤلاء لتحقيق ذلك.
ولابد من التذكير هنا بأن هناك من عارض في إسرائيل وبقوة هذا الاتفاق، إدراكاً من هؤلاء لما يمكن أن ينطوي عليه من مخاطر على إسرائيل، وكان على رأس هؤلاء بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل الحالي، والذي قاد حملة تحريض ضد الاتفاق، وكذلك كان إيهود باراك معارضا للاتفاق رغم أنه من حزب العمل، ومعارضة هذين في النهاية خلقت الأجواء لاغتيال إسحاق رابين، رئيس وزراء إسرائيل الذي وقع على هذا الاتفاق إلى جانب الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، في أهم ساحة في تل أبيب.
11. أوسلو: مشروع كيان فلسطيني أم مشروع استكمال تحرر أم كلاهما؟
عندما وقعنا اتفاق أوسلو، أردنا أن يكون مشروع كيان فلسطيني يقود إلى دولة مستقلة على حدود العام 1967 كاملة السيادة بعاصمتها القدس الشرقية، وحل قضية اللاجئين الفلسطينيين على أساس القرار 194، رغم إدراكنا للمصاعب والعقبات الكأداء التي تعترض تنفيذ هذا الاتفاق. فإسرائيل لم تكن مُجمعة على إنجاح هذا الاتفاق الذي لقي معارضة شديدة في أوساط اليمين الإسرائيلي. توجت باغتيال إسحق رابين، رئيس وزراء إسرائيل، المسؤول عن توقيع هذا الاتفاق. لقد وضع اليمين الإسرائيلي العراقيل أمام تنفيذ هذا الاتفاق ما أدى في النهاية إلى إجهاضه.
كما أننا أردنا من اتفاق أوسلو أن يكون مشروعا لاستكمال التحرر الوطني. ولكن مهمه التوفيق بين أوسلو كمشروع بناء كيان، وأوسلو كمشروع نضالي لاستكمال التحرر، كانت مهمة صعبة للغاية، وكانت بحاجة إلى تنظيم وعمل محكمين حتى لا تتحول إحدى المهام عبئاً على الأخرى.
وفي حقيقة الأمر كانت البداية صعبة، وقد تجلت هذه الصعوبة في اندلاع انتفاضة العام 2000، التي جاءت لتدمر كل ما راكمناه من إنجازات منذ تأسيس السلطة الوطنية في العام 1994.
12.لماذا أثار اتفاق أوسلو الجدل ولماذا ينتقده المعارضون؟ هل انطوى أوسلو حقا على تنازلات؟ هل ترتبت عليه تداعيات سلبية على القضية الفلسطينية؟
استندت قناعتي الأكيدة إلى ضرورة إيجاد حل سياسي مع إسرائيل يعيد لنا حقوقنا الوطنية المشروعة التي حددناها كثوابت وطنية في اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر عام 1988، من هذا المنطلق تعاطيت بواقعية وإيجابية مع المبادرات والمشاريع السياسية المختلفة التي طُرِحَت لإيجاد حل للقضية الفلسطينية.
لقد رأيت في اتفاق أوسلو مدخلاً لمثل هذا الحل. واعتقدت في حينه أنه مهما اعترى هذا الاتفاق من ثغرات، فإن فوائده أكثر من سلبياته بمراحل، وهذا ما أثبتته الوقائع على الأرض. صحيح أننا لم نأخذ كل ما نريد من اتفاق أوسلو، ولكن الاتفاق جاء في وقته ليحمي القضية الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية من الضياع والاندثار في ظل حصار سياسي ومالي غير مسبوق.
كما أن الاتفاق الذي شكل إطاراً للحل، شكل في الوقت ذاته مدخلاً للاستمرار في إدارة الصراع في حال لم يتحقق الحل الوطني المطلوب والمقبول.
أما أولئك العدميون الذين عارضوا الاتفاق جملة وتفصيلاً دون التدقيق في الفرص التي يمكن أن يتيحها لنا لاستعادة حقوقنا، لم يكن بمقدورهم تقديم البدائل سوى الشعارات السياسية والمعارضة الفارغة من المضمون، ولم يكن بمقدورهم تحديد تنازل واحد تم في اتفاق أوسلو كما يدّعون.
لقد أتاح اتفاق أوسلو الفرصة لإعادة الحفاظ على الذات، وإعادة الاعتبار لقضيتنا ووجودنا الوطني بعودة قيادة منظمة التحرير الفلسطينية التي يعترف بها العالم بأسره، إلى أرض الوطن، فأول من سمح لهم بالدخول إلى فلسطين هم أعضاء المنظمة والعاملون معهم، وهذا يعني أن قيادة فلسطين لأول مرة ستعمل من داخل فلسطين. وبذلك اكتملت مقومات الكيان والدولة: الأرض والشعب والسلطة، حتى لو كانت هذه الدولة ترزح تحت الاحتلال. وما كان لـ 149 دولة في العالم أن تعترف بدولة فلسطين لولا وجود هذه الدولة على أرضها ومن حولها شعبها في فلسطين وفي بقاع العالم المختلفة. ولو لم يكن أوسلو، لظلت القيادة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية مشتتة متنقلة بين البلدان، وخاضعة لأنظمتها، بل ومهددة بالتفكك والاندثار.
صحيح أن اتفاق أوسلو لم يحسم نتيجة مفاوضات قضايا الوضع النهائي، ولكننا نحن الذين حسمنا هذه النتيجة وبدون مفاوضات مع إسرائيل، وذلك بانتزاعنا اعتراف العالم والشرعية الدولية بالدولة الفلسطينية، بحيث لم نعد بحاجة للتفاوض مع إسرائيل في هذا الشأن. يمكن أن نتفاوض مع إسرائيل حول آليات إنهاء الاحتلال وحل بعض القضايا العالقة، وتنفيذ استقلال الدولة.
اتفاق أوسلو لم يعطنا الحق للذهاب إلى المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة إسرائيل وقادتها على جرائم الحرب التي يرتكبونها بحق شعبنا، ولم يعطنا الحق في الذهاب إلى محكمة العدل الدولية ومجلس حقوق الإنسان ومنظمات دولية أخرى عديدة ننتمي إلى عضويتها، تؤكد أننا دولة كبقية دول العالم، ولكننا فعلنا ذلك رغم أوسلو.
ومن هذا المنطلق تحدثنا عن الفرص المتاحة التي يمكن أن نستغلها أو نصنعها. وقد قلت منذ اليوم الأول للاتفاق، إن اتفاق أوسلو ينطوي على فرص ومخاطر، فإما أن يقودنا إلى الاستقلال والدولة، وإما أن يكرس الاحتلال.
13. أشرت في كتابك الأخير "محطات تاريخية مرت بها القضية الفلسطينية" إلى أن من أهم إنجازات أوسلو هو عودة الفلسطينيين إلى وطنهم، هل لأوسلو أثار وإنجازات إيجابية أخرى؟
بالتأكيد أن من أهم إنجازات اتفاق أوسلو هو عودة مئات الآلاف من الفلسطينيين لأرض وطنهم في تجسيد لشكل ما من أشكال العودة. وعلى مدى الثلاثين عاماً الماضية، تزايد عدد هؤلاء حتى وصل إلى حوالي المليون نسمة. هذه الخطوة بالذات، خطوة عودة الفلسطينيين إلى أرض فلسطين، والتي تحققت بفعل اتفاق أوسلو، هي دليل قاطع على فشل المخطط الصهيوني الذي أراد أن تكون فلسطين أرضاً بلا شعب لِتُعطى لشعب بلا أرض، حسب القول الصهيوني. العودة إلى فلسطين لا تعني فقط العودة، وإنما تعني استرداد الهوية الفلسطينية التي طُمِسَت لعقود. بحيث إن كل فلسطيني على أرض الوطن أصبح يحمل هوية معترفا بها في مختلف دول العالم.
عودة هؤلاء الفلسطينيين، وتزايدهم على أرض وطنهم، أصبح يشكل هاجساً للكيان الصهيوني الذي حلم بإقامة دولة يهودية خالصة والتخلص من سكان فلسطين الأصليين، وأصبح الكيان يشعر بتهديد ما أسماه القنبلة الديموغرافية.
وبدون شك فإن عودة الفلسطينيين إلى وطنهم تحظى بذات الأهمية التي تحظى بها قيام الدولة والاعتراف بها، وكل ذلك يعتبر من إنجازات أوسلو الهامة.
14. هل كان من الأفضل للقضية الفلسطينية ومسار إقامة الدولة عبر المفاوضات ألا تندلع الانتفاضة الثانية؟
كان أثر الانتفاضة الثانية سلبيا على مسيرة استكمال المفاوضات مع إسرائيل وفرص إقامة الدولة الفلسطينية، وبغض النظر عن ظروف اندلاعها، وخاصة زيارة أرئيل شارون للمسجد الأقصى عام 2000، كان يجب أن تتوقف الانتفاضة عند حد معين، وفي وقت مبكر، قبل أن تتحول عبئاً على ما تم إنجازه من مكاسب منذ تأسيس السلطة الفلسطينية، وكذلك على المشروع الوطني بشكل عام. فبالإضافة إلى تدمير البنية التحتية التي جرى بناؤها في السنوات السابقة، أدت الانتفاضة الثانية إلى اجتياح القوات الإسرائيلية للضفة الغربية وإعادة احتلالها، ما أدى إلى تأخير كل تقدم باتجاه المفاوضات وانتكاستها، بالإضافة إلى انتشار فوضى السلاح وفقدان السلطة السيطرة بشكل كامل على الأمور، ما أثر سلباً على صورة السلطة الوطنية الفلسطينية دوليا من حيث قدرتها على السيطرة وبسط نفوذها في الأراضي الخاضعة لها. وكان من الخطأ أن تنخرط أطراف محسوبة على السلطة في التحريض على استخدام العنف والعمل المسلح والمشاركة فيه، الأمر الذي أثر على ثقة المجتمع الدولي بمصداقيتها، ومدى جدية التزام الفلسطينيين ورغبتهم في السلام.
ولهذه الأسباب كلها، كان لي موقف واضح فيما يتعلق باستخدام السلاح، حيث دعوت بشكل صريح إلى عدم عسكرة الانتفاضة، لأن استخدام السلاح هو الذي وفر ذريعة للقوات الإسرائيلية لإعادة احتلال الضفة الغربية، وقصف واجتياح كامل المدن الفلسطينية، وتدمير بناها التحتية، وقيام الجيش الإسرائيلي بفرض حصار على الرئيس أبو عمار في مقر الرئاسة (المقاطعة) في رام الله عام 2002 استمر ثلاث سنوات تقريبا. لم يقف العالم ضد الاجتياح والقتل والتدمير الإسرائيلي، ولم يساند الرئيس الفلسطيني في حصاره، وحمّله المسؤولية عن استخدام السلاح خلال سنوات الانتفاضة، وكانت النتيجة النهائية لهذا الاجتياح والحصار أن فقد الرئيس أبو عمار حياته.
15. هل سياستكم الخارجية، سيدي الرئيس، هي امتداد لما سبقها أم تشكل توجها جديدا؟
هذا وذاك، بمعنى أن السياسة القائمة هي التمسك بالثوابت الفلسطينية التي أقرها المجلس الوطني في الجزائر عام 1988، وإعلان الاستقلال والاعتراف بقرارات الشرعية الدولية، ولكن في نفس الوقت كان هناك توجه جديد نسبيا من حيث التركيز على العمل السياسي والدبلوماسي والشرعية الدولية. وفي هذا السياق أبدينا قدرا أكبر من المرونة التكتيكية في التعاطي مع المبادرات والمشاريع والمواقف السياسية المتعلقة بالقضية الفلسطينية، لإبقاء الموضوع الفلسطيني في الصدارة أو على الطاولة في أسوأ الأحوال. كنت على استعداد للنظر من حيث المبدأ في أي مبادرة، ومحاولة إيجاد جوانب إيجابية فيها، لكي نتعاطى معها ونحولها إلى فرصة، ونعالج الجوانب السلبية فيها أو الضغوطات التي تمارس علينا من خلالها. وفي مرات عديدة قلت لا لمبادرات من هذا النوع عندما اكتشف أن ليس بمقدورنا أن نحولها لصالح القضية الفلسطينية. وفيما يتعلق بالمبادرات المجحفة تماما بالحق الفلسطيني، فقد تبنيت مواقف رافضة قاطعة لها، كما حدث في رفضنا المطلق لصفقة القرن، الخطة المزعومة لتحقيق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، التي قدمها الرئيس الأميركي دونالد ترامب عام 2017.
لقد استطعنا بأسلوبنا الدبلوماسي اللاصِدامي مع الدول المختلفة أن نكسب تأييدها لصالح مواقفنا، واستطعنا في هذا السياق أن ننتزع العديد من القرارات المؤيدة والحافظة للحقوق الفلسطينية وعلى رأسها قرار 2334، وبعد ذلك الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية، حيث ارتفع عدد الدول التي اعترفت بدولة فلسطين إلى 149 دولة.
16. كيف بدأت فكرة الاعتراف بالدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة؟ ولماذا تأخر السعي لتحقيق هذا الهدف للعام 2011؟
منذ العام 2010 تقريبا، وصلت المفاوضات مع إسرائيل إلى طريق مسدود، وذلك خلال فترة حكم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. في ذات الوقت لم تف إسرائيل بالتزاماتها التي نصت عليها قرارات الشرعية الدولية وكذلك الاتفاقيات الموقعة مع الفلسطينيين، ولم ينجح المجتمع الدولي في إجبارها على الالتزام بها. أدركنا آنذاك بما لا يدع مجالا للشك أن إسرائيل مصرة على التنصل من هذه الالتزامات والتنكر لحل الدولتين، كما تجلى ذلك بوضوح من خلال استمرارها في الاستيطان وتهويد القدس ومواصلة عدوانها على الشعب والأراضي الفلسطينية.
ضمن هذه المعطيات، كان لا بد من البحث عن سبل أخرى لاستكمال مسيرة النضال والاستقلال الفلسطيني، وكان علينا أن نستفيد من قرارات الشرعية الدولية التي طالبت مراراً بإنهاء الاحتلال. وحيث إن السلطة الفلسطينية وضعت نصب أعينها بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية، وبدعم كبير من المجتمع الدولي وشهادته بأن هذه المؤسسات قد ارتقت في مستواها إلى مؤسسات دولة، فقد كان لزاماً علينا أن نتوجه إلى الهيئات الدولية، والأمم المتحدة تحديدا، للاعتراف بدولة فلسطين وقبول عضويتها في المنظمة الأممية. بهذه الخطوة أقدمنا على مقاربة جديدة تقوم على تدويل الحق الفلسطيني في إقامة الدولة وتحصيل الاعترافات الدولية بدولة فلسطين، وبالتالي سلكنا مسارا باتجاه تحديد الوضع النهائي (الاعتراف بدولة فلسطين واستقلالها) بدون مفاوضات مع إسرائيل، وفي هذا السياق أصبحنا نتعامل مع المجتمع الدولي كشريك لنا في صنع السلام بدلا من إسرائيل.
لقد حاولنا نيل العضوية في الأمم المتحدة عبر الذهاب إلى مجلس الأمن الدولي، وعندما عرقلت الولايات المتحدة هذا المسعى اضطررنا للذهاب إلى الجمعية العامة، حيث كان من الأيسر علينا أن ننال عضوية الدولة المراقب. ربما نكون قد تأخرنا بعض الشيء في ذهابنا إلى الأمم المتحدة لنيل العضوية، ذلك لأننا قبل ذلك لم نكن لنضمن النتيجة التي حصلنا عليها في العام 2012، وربما في نفس الوقت لم تكن الظروف الدولية ناضجة أو مهيئة بما يكفل لنا نيل هذه العضوية.
لقد ساعدتنا هذه المقاربة المتدرجة في الوصول إلى الأمم المتحدة على إقناع دول العالم بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، بما في ذلك اعتراف عدد من دول أوروبا الغربية بها، والذي يعتبر إنجازا هاما يفسح المجال لدعم طلب فلسطين الحصول على العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، والذي تجسد في جلسة مجلس الأمن التي عقدت بتاريخ 18 نيسان/ أبريل 2024، عندما صوت معظم أعضاء مجلس الأمن الدولي لصالح منح فلسطين العضوية الكاملة فيما عدا الموقف النشاز المنفرد للولايات المتحدة في مواجهة العالم بأسره، حيث مارست حق النقض (الفيتو) ضد مشروع القرار فأفشلته.
يتبع..
مواضيع ذات صلة
حالة الطقس: أجواء شديدة البرودة وأمطار
جنين تحت النار
"الخارجية" ترحّب بتقرير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بشأن المستوطنات
السفير أبو جيش ونائب وزير الخارجية التركي يبحثان تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين
سلطة النقد تخرج الفوج الثالث من أكاديميتها
دراسة للهلال الأحمر: النزوح والحرب وراء تفشي الجرب والقوباء بين أطفال غزة