عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 17 أيار 2025

التراب المضيء

تغريدة الصباح- حسن حميد

أجل،

بعد تأمل طويل، وتعب لا يخلو من مشاق، عرفت أنّ السر العميق في جمالية أي أدب أو فن أو فكر أو عمران بشري، تجلوه المساهرة والمثابرة والمضايفات، وأنه ليس من شيء يزاد على هذه الأمور الثلاثة سوى العاطفة التي يعبّر عنها الشغف، والعشق، والمكابدات.

   دوستويفسكي، عظيم الأدب الروسي (المتوفى سنة 1881)، ما زال حياً يعيش بيننا في الأمكنة كلها، وأحاديث الآداب كلها، وعوالم الإبداع كلها.. لأنه كان من أهل السهر والمثابرة والمضايفة، مثلما كان من أهل العاطفة بدلالاتها الذهبية: الشغف، والعشق، والمكابدات.

   شكسبير، عظيم الأدب الإنكليزي، (المتوفى 1616) عاش سنوات وسنوات وهو طي أجواء المسرح وأحواله، ولم يحلم يوماً بأن يكون كاتباً مسرحياً، يدور الممثلون، والمتفرجون، وأهل النقد حول نص من نصوصه، بدأ حارساً ليلياً، يأخذ بأرسنة خيول العربات التي حملت المتفرجين إلى المسرح، كيما يربطها في الأمكنة المخصصة لها (كراج الخيول والعربات) وانتهى به الأمر إلى حضور آبد متفرّد بالمكانة والنيافة، بسبب شغفه، وعشقه، ومكابداته المسرحية كي تبدو نصوصه... وتضيء.

   المتنبي، عظيم شعر العرب (المتوفى 965) نسي الليل، والنوم، ونداءات التعب.. كي يكتب قصيده، ويلقيه في القصور، وعلى مسامع النحاة، وأهل البلاغة، ومن حباهم الله بعزوم الشعر وجماله، وأهل السيادة والملك، وليس في الأسواق العامة أو تحت عرائش سعف النخيل، فتفرّد، وامتاز، وملأ أذنيه بالمديح لكي يجعل من قصيده ألواح رخام، من الصعب محو ما نقش عليها، بسبب شغفه بالشعر، والعشق الباحث عن صوره ومجازاته النائيات، والمكابدات التي لا تعرف الانحناء.

   هكذا هم أهل النيافة في الآداب والفنون والعمران، فما بدا من إبداعاتهم تكشف عنه تلك المساهرة والمثابرة والمضايفات؛ وذلك الشغف، والعشق، والرضا بالمكابدات وما فيها من رجاءات.

   أقول هذا، وأنا أرى مدونة الآداب والفنون والعمران الفلسطينية التي كتبت، ودوّنت، وبرزت علامات جلية خلال المئة سنة الفارطة من تاريخ الآداب والفنون والعمران الفلسطيني، وفيها كل موجبات الحضور، والشهرة، والبقاء، ذلك لأنّ من عمل عليها هم من آمنوا بأنّ الجغرافيا ليست مساحات تقاس بالأفدنة والهكتارات، وإنما هي جغرافيا تقاس بالحذق الإبداعي، وكبرياء الحضور، كان بإمكان أهل الآداب والفنون والعمران في بلادنا الفلسطينية العزيزة أن يكتفوا بالتلقي والمتابعة للمعارف التي تصل إليهم من الغرب، عن طريق البحر الأبيض المتوسط وأن يطربوا لها، وكان بإمكانهم أن يرضوا بما اقترحته ثقافة مصر، والشام، وبلاد الرافدين، ويفرحوا بها، ويمتدحوها أيضاً، لكن سمو الروح، وشواغل الحذق، وقوة الإبداع.. كلها جعلت مبدعي فلسطين، خلال السنوات المئة المنصرمات، وجهاً آخر للإبداع المعمور بالوفرة والإقناع والإمتاع والغنى، لأنّ المكان الفلسطيني ما كان ميناء لرسو إبداعات الآخرين فقط، بل كان مقلعاً حقيقياً لإبداع أصيل كتب، ونقش، وتقلّب على نيران جمرها لاذع.. كي يبقى، وكي يصير مرآة للآخرين لا غنى عنها.

   قلة هم الذين يعرفون الأسرار التي جعلت إدوارد سعيد (1930-2003) يكتب ما يكتبه لنا، وقد غدت مدونته الفكرية حاضرة ومكتملة بين أيدي الناس، تدرّس في أهم جامعات الدنيا، لكي يرى الذين لعبوا بمصائر الشعوب والأمم أخطاءهم الأخلاقية التي أخذتهم من عالم المؤانسة إلى عالم التوحّش، وقلّة هم الذين يعرفون لماذا لم يكتف سعيد بكتابه الفذ (الاستشراق) وبما حمله إليه من شهرة ومكانة على الرغم مما فيه من نقد جهير لظلموت القوة العمياء، ولو اكتفى به لخلّد اسمه، لكن المساهرة، والمثابرة، والرغبة بالمضايفة، ثلاثية ذهبية جعلته يكتب للبشرية ما هو مماثل في القيمة والمعيار لكتابه (الاستشراق).

   وقلة هم من يعرفون الأسرار التي جعلت محمود درويش (1941-2008) يكتب لنا، وللدنيا، هذه المدونة الشعرية الفريدة، وهو، بعد، على مقاعد الدراسة، أو وراء طاولات الصحافة، أو بين جموع الناس المتظاهرين المنادين: فلسطين، فلسطين، ترى..أما ما كان بإمكانه أن يكتفي بقصائد الستينيات التي أسست لمعظم رموز الشعر الفلسطيني الحديث.. من البيت والبرتقال إلى الفدائي والسجن؟ بلى كان بإمكانه ذلك، ويعرف هو أنّ ذلك يخلده، لكن مراودته الليلية للقصيدة كانت تعباً وتشوفاً ووعداً ليكتبها، وهو في تمام قيافته، وشغفه، وشوقه، ومكابداته.. في الصباح.

   وكذلك هي الحال حين نتحدث عن مدونة هشام شرابي (1927-2005) التي عربت حال المجتمع العربي مفردات وجملاً كما يقول أهل النحو، فصار ما كتبه جذراً أساساً لتدريس علم السوسيولوجيا في الجامعات العربية، حين تحدث عن بنية العائلة العربية، والتراتبية فيها، وما قرب فيها من قناعات.

   والحال هي كذلك حين نواقف أسماء الأجيال الفلسطينية اللاحقة في الآداب والفنون والعمران.. التي أبدعت آدابها الجميلة، رغم ما لحق بالمكان والتاريخ والشعب الفلسطيني من أذيات وحرائق أرادت أن تمنع عنه الهواء.. فهل قرأ مبدعو فلسطين الكتاب المسمى بـ(التراب المضيء) الذي يتشقق في كل فجر، وليل، عن النخيل والخروب والأنهار والبحيرات والبحار والقرى والمدائن.. فحاكوا ما فيه من جمال، كيما تصير لنا هذه الآداب والفنون والعمائر الطافحات بالأسرار العصية، والجمال البهي؟!