الحاجة شيخة الجندي.. قرن من اللجوء ومئة عام من الذكريات

طولكرم– الحياة الجديدة– مراد ياسين- لم يكن الحديث مع الحاجة شيخة الجندي، المولودة عام 1925، أمرًا سهلاً. بين تنهيدات الذكرى ودموع الحنين، استحضرت بأسى رحلة لجوئها القاسية من قريتها المهجرة "المنسي" قضاء حيفا، وكيف وجدت نفسها اليوم، بعد 77 عامًا، تواجه نزوحًا جديدًا من مخيم نور شمس، في مشهد يعيد تعريف النكبة المتجددة التي يعيشها الفلسطينيون.
تتحدث الجندي بمرارة عن مأساة اللجوء، منذ النكبة الأولى عام 1948 وحتى الآن، مؤكدة أن معاناتهم لم تتوقف، بل استمرت بصور متعددة من التشريد والحرمان في مخيمات اللجوء التي تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الإنسانية.
تستعيد الحاجة شيخة تفاصيل الأيام الأولى للنكبة، وتحديدًا يوم 9 نيسان 1948، حين تعرضت قريتهم المنسي لهجوم شرس من عصابات الحركة الصهيونية. وبينما حاولت مجموعات الدفاع عنها مقاومة الهجوم، رفضت عصابات "الهاغاناة" اقتراح جيش الإنقاذ بوقف إطلاق النار، وشنت هجومًا واسعًا على القرى المجاورة، دمرت خلالها قرية المنسي بالكامل، بيتًا تلو الآخر.
"رحّلونا قسرًا من مخيم إلى آخر في الضفة الغربية، وبعد وفاة عمي استقر بنا الحال في مخيم نور شمس"، تقول الجندي، قبل أن تضيف بحزن: "وبعد السابع من أكتوبر، تكرّر المشهد ذاته، إذ هاجم الاحتلال المخيم مرارًا، فهدم البيوت وأجبرنا على النزوح مجددًا... تمامًا كما فعلوا في المنسي".
تصف الجندي ما يعيشه المخيم اليوم بأنه "نكبة جديدة"، إذ تم تدمير البنية التحتية بالكامل، وجعل الاحتلال من المخيمين في نور شمس وطولكرم مناطق غير صالحة للعيش.
ترى الجندي أن النكبة لم تكن فقط قصفًا ودمارًا، بل حرب نفسية مدروسة. "في 15 آذار 1948، شنّت الهاغاناة هجومًا على سيارة مدنية كانت تقل ثلاثة من أفراد عائلة واحدة، وقتلوا جميع من فيها، فأصاب الذعر أهالي المنسي والقرى المجاورة، ليبدأ النزوح الكبير"، تروي الجندي.
وفي أواخر نيسان وأوائل أيار من العام نفسه، أُجهز على ما تبقى من القرية، بتدمير منازلها على يد الهاغاناة وسكان المستعمرات المجاورة، حتى باتت العودة إليها مستحيلة.
تتحدث الحاجة شيخة عن قريتها وكأنها ما زالت تسير في أزقتها: "كل بيت كان له حاكورة، نزرع فيها الخضراوات ونربي الدواجن. كنا نعيش على خيرات الأرض، من دون كيماويات، ونستخدم الأعشاب البرية في الدواء والغذاء، كالخبيزة والميرمية والفطر".
وتضيف: "كانت لدينا مدرسة ومسجد ومقبرة، ومئذنة المسجد كانت تعلو فوق القرية كلها.
وتقول إن اسم القرية يعود لأحد الأولياء المتصوفين المعروفين بـ"المنسي"، الذي حفر عين ماء في المنطقة، فصار الناس يطلقون اسمه على كل ما يحيط بها.
رغم مرور أكثر من قرن على ولادتها، لا تزال الجندي تحتفظ بذاكرة حية لتفاصيل قريتها. تشير إلى أن ما تبقى من المنسي اليوم، هو بقايا المدرسة والمسجد، وبعض الأسس الحجرية وسط أكوام من الأنقاض. تحيط بها نباتات الصبار والكرمة، بينما يستغل الاحتلال ما تبقى من أراضي القرية لزراعة الأفوكادو وتربية الدواجن في كيبوتس "مدراخ عوز" الذي أُقيم على أراضي المنسي عام 1952.
وتختم الحاجة شيخة حديثها بمرارة: "أتمنى ألا يطول هذا النزوح. لقد انتظرنا سبعة عقود ولم نعد، لكن الأمل لا يموت. نحن لا ننسى، ولا ننسى من نحن... هذه الأرض أرضنا، والحق لا يسقط بالتقادم".
مواضيع ذات صلة
"هيئة مقاومة الجدار": المستعمرون نفذوا 443 اعتداءً خلال شهر من الحرب الدائرة
ارتفاع حصيلة ضحايا حرب الإبادة الإسرائيلية إلى 72.268 شهيدًا و171.995 مصابًا
الاحتلال يشن سلسلة غارات على جنوب لبنان والبقاع
شهيد وإصابات بينها خطيرة برصاص الاحتلال بمدينة غزة
15 قتيلًا منذ مطلع آذار: مقتل رجل وإصابة نجله في جريمة إطلاق نار في يافا
29 يومًا على إغلاق المسجد الأقصى والاحتلال يتذرّع بـ"الأوضاع الأمنية"
حالة الطقس: ارتفاع ملموس على درجات الحرارة