عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 21 نيسان 2025

فلسفةُ الصبر.. الطريق إلى الدولة

الرئيس محمود عباس "أبو مازن"

 

الجزء التاسع

 

يقول د. محمود عباس- الرئيس الفلسطيني:

"كان تقديمُ طلبٍ للقمة أن تُمثِّل المنظمة الشعب الفلسطيني إنجازاً لمنظمة التحرير الفلسطينية والقيادة الفلسطينية، مع التأكيد على أنّها الممثل الشرعي والوحيد، فقلنا "ما تْفِكَوا عَنّا، هل نحن الأيتام في الساحة العربية يتسابقُ الكلُّ ليمثِّلَنا، دعونا نُمثِّلُ أنفسنا"، فأنا الفلسطيني أريد أن أتكلّم باسم فلسطين وليس غيري، حيث كانت الجهات تتسابق في تمثيل القضية الفلسطينية بحكم أنها قضية قوميّة، فأخَذْنا القرارَ تدريجيّاً واستغرق الأمر سنوات عِدَّة حتى أصبحنا نُمثل الشعب الفلسطيني بشكلٍ فعليٍّ، ولا أحد يجرؤ أن يقول "نحن نمثِّل معكم"، بل هم شركاءٌ كعرب".

كانت التجربةُ اللبنانية غنيةً وصاخبةً ومُكْلفة إلى أبعد الحدود للمقاومة الفلسطينية. اغتال الموساد الإسرائيلي عام 1972م الكاتب والمفكر الكبير غسان كنفاني، وفي عام 1973م، تسلّل "إيهود باراك" مع مجموعة من الكوماندوز الإسرائيلي واغتالوا ثلاثةً من أبرز قادة فتح: كمال عدوان، محمد يوسف النجار، والشاعر كمال ناصر في بيوتهم بمحلة فردان في بيروت، ونُسفَ مقر الجبهة الديمقراطية، وكانت إسرائيل قبل ذلك قد نسفت ثلاث عشرة طائرةً مدنية للخطوط الجوية اللبنانية "ميدل إيست" في مطار بيروت.

إثْرَ العدوان الآثم على بوسطة "عين الرمانة"، التي كانت تُقِلُّ مدنيين فلسطينيين عائدين من مهرجان انطلاقة "الجبهة الشعبية – القيادة العامة"، انخرطت المقاومة الفلسطينية في الحرب الأهلية متحالفةً مع القوى والأحزاب الوطنية اللبنانية، وسال نهرٌ من الدم في حرب السنتين وجرى اجتياح مخيم تل الزعتر.

 

يقول كريم بقرادوني- وزير ورئيس سابق لحزب الكتائب اللبناني:

"تقوم الفكرةُ الرئيسية عند "كيسنجر" على ضرب الفلسطينيين في لبنان بالمسيحيين، فيطالب الفلسطينيون بحق العودة، ويقف المسيحيون ضد التوطين". كان كيسنجر ضدِّ حقّ العودة، وبالتالي فإنَّ أفضل طريقة لإنجاح خطته هي ضرب الفلسطينيين بالمسيحيين، فيسقط حقُّ العودة من جهة، ويتم التوطين من جهة أخرى.

اجتاحت ميليشيات الكتائب والأحرار مخيّم "تل الزعتر" شرقي بيروت، وارتكبت مجزرةً دموية بحق الفلسطينيين. سقط للمقاومة مئات الشهداء في حرب السنتين، وإلى الآن لم تصدر دراسة نقدية عميقة عن التجربة اللبنانية وأسرارها.

 

يقول د. أحمد مجدلاني- الأمين العام لجبهة النضال السياسي:

"أحدثَت زيارة الرئيس محمود عباس المهمّة والتاريخية للبنان في صيف عام 2012م، بَصمةً وتحوّلاً مهما في العلاقات الفلسطينية اللبنانية، وأحدثَت تطوّراً على صعيد التحوّل في رؤية المارونية السياسية للعلاقة مع القضية الفلسطينية".

 

يقول د. محمود عباس- الرئيس الفلسطيني:

"كان لابدّ أن نحدِّد موقفنا، أولاً كفلسطينيين على أرض لبنان، وثانياً من الحكومة اللبنانية، وثالثاً من الفصائل اللبنانية. وعقدتُ مؤتمراً صحفيّاً في أول مرةٍ زرت فيها لبنان، وقلتُ للرئيس إميل لحود: نحن ضيوف على الشعب اللبناني، وسوف نغادر عندما تنحلُّ قضيتنا، وكان اللاجئون في لبنان أوّلَ نموذجٍ للاجئين الذين سوف يعودون إلى أرضهم عندما نُناقش قضية اللاجئين. وبصراحة لكم كامل الحق، فهذه أرضُكم، ولكنّنا ضيوفٌ لحين الحل، وبالتالي فإن الحكومة اللبنانية هي من تصدر الأوامر وهي من تقوم بحمايتنا، لذلك لا حاجةَ للسلاح داخل المخيمات وخارجها، لذلك يستغربون عندما يسمعون هذا الكلام ويقولون (معقول؟ هذا عم بناور، عم بلعب)، ثم أكَّدت على الكلام مرة ثانية وثالثة حتى اقتنعوا (بالتجربة) عندما ابتعدنا كل البعد عما يجري في لبنان ونقول (نحن ليس لنا دعوة)، حتى جعلت هذه السياسة اللبنانيين يتقبّلوننا أو يعيدون تقبلّنا".

ولكن التجربة اللبنانية شهدت إضاءات رائعة، فمن لبنان انطلقت قوافل البطولة الفلسطينية، وأثبت الفلسطينيون في مئات العمليات الباسلة التي نفّذوها انطلاقاً من لبنان، أنّهم شعبٌ حيٌّ مستعد لتقديم الغالي والرخيص في سبيل انتزاع حريته واستقلاله، وإنجاز دولته المستقلة فوق ترابه الوطني.

في عام 1974م، انشق "صبري البنا –أبو نضال"، ممثِّل فتح في العراق، وعضو مجلِسها الثوري عن حركة فتح، وراح يمارس عمليات اغتيالٍ ضد كوادر فتح في العالم، فطالت رصاصاته الغادرة: عز الدين القلق، صبحي ياسين، سعيد حمامي، والدكتور عصام السرطاوي، الذين كانوا الرعيل الأول الذي بادر بالاتّصال بقوى السلام والقوى التقدمية اليهودية والإسرائيلية.

سافر أبو مازن إلى بغداد للتحقيق مع صبري البنا ومحاولة إعادته إلى حضن فتح. وبَّخَه أبو مازن بقسوة، ويبدو أنّه واجهه بحقيقة مشروعه كبندقيةٍ مستأجرة للنظام العراقي، وربّما اخترِق من قبل الموساد نفسه.

 

يقول د. محمود عباس- الرئيس الفلسطيني:

"توجَّهتُ إلى بغداد لثنيه عن طريقه، ولكنّه مع الأسف كان قد قطع شوطاً كبيراً في الانشقاق، وأعلن ذلك فيما بعد، وكان من نتائج فعله اغتيال أكثر من عشرة سفراء لفلسطين، منهم سفراؤنا في روما وبلجيكا ولندن وسفيرنا عصام السرطاوي في باريس، وغيرهم من الشخصيات الفلسطينية، وكان يُؤْذينا كثيراً لأنّه كان محميّاً في العراق، وتُقدَّم له التسهيلات اللازمة من أجل اغتيال القادة في مختلف البلاد. كما اغتال السيد علي ناصر ياسين في الكويت، وكذلك قتل الوزير الإماراتي، وهو رجل طيب، بعد أن كان يقصد قتل السيد عبد الحليم خدام، وللأسف كانت كل هذه التهم تُنْسب إلينا، (الفلسطينيون خلف كل هذه العمليات)". كما قَتَل في تونس ثلاثة قادة من فتح، وهم أبو إياد وأبو الهول وفخري العمري في ليلة واحدة. ثم عاد إلى العراق واستنفذت منه كل السبل، فقتلوه أو تركوه ينتحر -ليست هناك معلومات دقيقة- ولكنَّه أساء كثيراً للثورة الفلسطينية والشعب الفلسطيني".

انكسر أبو نضال أمام التوبيخ العنيف من أبو مازن، لكنّه أرسل بعد مدة "قاتلاً" لاغتيال أبو مازن، فألقيَ القبض على "أبو نزار"، مصطفى مراد، مساعد "البنا"، وسُجن ثمانية عشر شهراً، بينما حَكَمت فتح على أبو نضال بالإعدام.

 

يقول د. محمود عباس- الرئيس الفلسطيني:

"أبو نضال –بالمناسبة- شخصٌ رِعديد، خوّيف، ولا تخاف إلا من الخوّيف الجبان، وهو جبانٌ فعلاً، وكان يرتعد ولا يرفع رأسه عندما كنت أواجهه، وهو يقوم بالأعمال (الجبانة) من نابع شخصيته (الجبانة)، فوبَّختهُ بكلامٍ قاس ولم يرد بكلمة واحدة، فتركته، وعاد إلى مسلكه".

 

يقول باسل عقل- عضو المجلس الوطني الفلسطيني:

"كما ذَكَرت، أبو مازن رجلٌ شجاع، ونبّهته مراراً أنْ يهتمَّ بأمنه وحياته الشخصية من أيّ هجومٍ إسرائيلي، فكان يقول لي أنا إنسانٌ مؤمنٌ وأعلم علم اليقين أنّه إذا أرادت إسرائيل قتلي، فستقتلني إما في سيارتي أو في مكتبي أو منزلي أو في الشارع، فلن أتخذ أية احتياطات لأنّ ذلك مضيعة للوقت، وإسرائيل قادرة على قتلي".

 

يقول د. محمود عباس- الرئيس الفلسطيني:

"كانت أول محاولة لاغتيالي من قبل أبو نضال، فقد أرسل أشخاصا إلى دمشق ووصلوا إلى بيتي واستطلعوه، فاكتشفهم الأمن الفلسطيني واعتقلهم، وزُجّوا في السجون فترةً طويلة حتى أُخلي سبيلهم".

في عام 1977م، طرَح أبو مازن مبادرةً جريئةً للاتصال مع القوى اليهودية الإسرائيلية التقدميَّة "المحبة للسلام"، فهبَّت عاصفة في وجهه، لكنه لم يتراجع، فاتَّخذ المجلس الوطني الفلسطيني الثالث عشر قراراً خاصاً يؤكد على أهميتها.

 

يقول د. محمود عباس- الرئيس الفلسطيني:

"كيف نتكلَّم مع اليهود؟، ما هو الحلُّ الآخر؟، فبدأتُ أكتب أفكاري وأنشرها، وصرَّحْتُ عنها لأوّلِ مرّة في المجلس الوطني الفلسطيني عام 1977م، وربّما كانت المرة الأولى والأخيرة التي أتحدَّث فيها في المجلس، ولكنني تحدَّثْت بشكلٍ واضحٍ وصريحٍ حول كيفية التعامل مع المجتمع الإسرائيلي واليهود، فليس كلّهم يهودا وصهاينة، ويجب علينا أنْ نفهم المجتمع الإسرائيلي من الداخل. كان أعضاء المجلس الوطني يقولون: نريد أن نعرف مَنْ الخونة الذين يتَّصِلون بالإسرائيليين؟. وانتهت كلمتي بتصفيق حاد من مكان جلوسي في المنصة حتى آخرها، فانقلب الموقف باتّخاذ قرارٍ لِلقاء القوى الديمقراطية والتقدمية عام 1977م".

 

يقول صالح رأفت- نائب الأمين العام للاتحاد الديمقراطي الفلسطيني:

"يعمل أبو مازن على نسجِ علاقاتٍ وثيقةٍ مع قوى السلام في إسرائيل، التي ترفض استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967م، وتُؤمن بحق الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير، وذلك منذ اشتراكه في مؤسسات منظمة التحرير وقبل إقامة السلطة الوطنية الفلسطينية".

 

يقول د. نبيل شعث- عضو اللجنة المركزية لحركة فتح:

"كان لديه رؤيةٌ مبكِّرة منذ عام 1969م، إنّه لا بد من فتح الحوار مع القوى اليهودية التقدمية القريبة من فكرنا، حتى أصبحت كلّها تتفاوض معنا، ونوضِّح لهم ما نرفضه وما نقبله، حتى اغتنى هذا التطور بقرار المجلس الوطني الفلسطيني عام 1988م".

كما اتَّخذت اللجنة التنفيذية لـ (م.ت.ف) قراراً بعقد لقاء علنيٍّ مع الحزب الشيوعي الإسرائيلي (راكاح)، وتمَّ اللقاء عام 1977م. وفي عام 1988م، أصدر أبو مازن كتيباً هاماً بعنوان: "هذه الاتِّصالات لماذا"؟ وقد أجاب بدقّةٍ ومسؤوليةٍ عالية، وبعرضٍ سياسيٍّ مقنع حول أهميتها، ودافع بصلابة عن الرواد الذين قاموا بها، وأعلَنَ بصراحة: " أنا أوّلُ من طرح هذه اللقاءات ولن أتهرب من المسؤولية، والذين قاموا بها عملوا بتوجيهاتي".

 

يقول د. زياد أبو عمرو- نائب رئيس الوزراء/ وزير الثقافة الفلسطيني:

"لدى أبو مازن رؤيةٌ سياسيّةٌ متقدِّمة لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وهو خيرُ من يقدِّر الأساليب النضالية الفلسطينية في المراحل المختلفة، فهو الذي رجَّحَ قرار انطلاق الثورة الفلسطينية المسلّحة، ولكنه يُعْتبر مؤسس المدرسة الواقعية في السياسة الوطنية الفلسطينية، وأعتقد أن التحوَّل المعرفي والسياسي حدث له بعد حرب عام 1973م".

كان إعلان أبو مازن شجاعةً أدبيّةً واضحةً في موضوعٍ إشكاليّ، سال من أجله الكثير من الحبر والدم، وهو ما يزال إشكالياً إلى الآن وخاصة بعد اتفاقية "أوسلو" وقيام السلطة الوطنية الفلسطينية على أرضٍ مُحرّرة، بينما يعتبرها المعارضون لا تزال تحت هيمنة الاحتلال. ثم صارت هذه المبادرة قراراً ثابتاً في مقرّرات المجالس الوطنية، حتى اتَّخذت اللجنة التنفيذية عام1987م، قراراً بتشكيل اللجان الخاصة بتلك الاتصالات. وعُيّن أبو مازن رئيساً لِلَجْنة الاتصالات الفلسطينية الإسرائيلية وعضوية كلٍّ من عبد الله الحوراني، ياسر عبد ربه، سليمان النجاب، عبد الرزاق اليحيى ومحمود درويش. وقرِّرت مركزية فتح تشكيل لجنةٍ مماثلة برئاسة أبو مازن وعضوية أبو إياد، وأبو جهاد، وأبو الهول. لا شكَّ أنّ معرفة أبو مازن العميقة بالعدو بعد سلسلة الدراسات والكتب التي أصدَرها أكَّدت رئاسته اللجنة، إضافة إلى المجادلات الساخنة التي أثبتَ فيها جدارةً لا يرقى إليها الشك.

في عام 1976م، تدخَّلَت القوات السورية في لبنان، وانقسمت المقاومة الفلسطينية بين مؤيِّدٍ ومعارض، وجرَت مواجهاتٌ مسلّحةٌ بين معارضي التدخل السوري وهم أغلبية المقاومة الفلسطينية والقوى الوطنية اللبنانية، والجيش السوري في لبنان.

 

يقول طلال ناجي - الأمين العام المساعد للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين- القيادة العامّة:

"كان أبو مازن رجلاً واقعيّاً، وهو من كبار العاملين على هذا الملف، فقد كان له دورٌ أساسٌ في رأب الصدع بين القيادة الفلسطينية والقيادة السورية، وكان له دورٌ كبيرٌ في محاولة النأي بالنفس عن الحرب الأهلية اللبنانية من القيادة الفلسطينية والثورة الفلسطينية".

كان لكلِّ طرفٍ أُطروحته في هذا المجال، ومنظومةٌ دفاعيٌّة متماسكةٌ حَكَمت موقفه، لكنّ الصدام كان قد حصل وجرت الدماء وتعقَّد المشهد.

 

تقول د. حنان عشراوي - عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية:

"إن صراحة أبو مازن واستمراره في منهاجٍ واضحٍ أعطياه مصداقيةً مع العالم أيضا، على الرغم من أن خطاباته في كثيرٍ من الأحيان لم تُعجب الشعبَ الذي كان يريد خطابات حماسية، ولكن مصداقيته هذه كانت تَعني أنَه ملتزمٌ ومنسجمٌ مع مبادئه ومع خطِّه السياسي".

كان أبو مازن في دمشق، فحاوَل تخفيفَ الاحتقان بقدْرِ ما استطاع من خلال لقاءاته وعلاقاته الطيّبة مع القيادة السورية، واتصالاته مع القيادة الفلسطينية، وقد أثمرت جهوده أحياناً وأخفقت أحياناً أخرى، لكنّ حضور أبو مازن في المشهد كان يعني أنّه ثمة رجلٌ حريصٌ على التفاهم ويحوز على ثقة الجانبين.

 

يقول الدكتور طلال ناجي – نائب الأمين العام للجبهة الشعبية القيادة العامة – عن تلك الفترة:

"الأخ أبو مازن أخي العزيز وصديقي الشخصي. تعرَّفْتُ على أبو مازن في دمشق مطلع السبعينات، وعملنا معاً في دمشق في العمل الفلسطيني. كان قائداً كبيراً في فتح، وأنا في جبهتي "القيادة العامة"، عملنا بشكلٍ مشتركٍ وخُضنا معاً مهام صعبة للغاية في ذلك الوقت – تذكرون. وقعت الحرب الأهلية اللبنانية، ووقع الصدام السوري – الفلسطيني، كنت إلى جانب أخي أبو مازن وعددٍ من الأخوة، القيادِيين: الأخ أبو ماهر غنيم، والمرحوم خالد الفاهوم، المرحوم عبد المحسن أبو ميزر، شكَّلنا قيادةَ عملٍ يوميٍّ في دمشق لمتابعة هذين الملفين وانعكاساتهما".

كان أبو مازن دائماً يوحي بالثقة للآخرين، لأنّه يعبِّر عن آرائه بصراحةٍ تامّة، ويدافع عن قناعته بدون تردد.

تشكّلَ المشهد في لبنان كالتالي: المقاومةُ بكامل قوتها العسكرية والسياسية والقوات السورية، وميليشيات القوات اللبنانية في شرق بيروت وكسروان، أمّا إسرائيل فإنّها تترَبّص في الجنوب، تتحيّن الفرصة لتحقيق ضربتها الاستراتيجية التي حلم بها المؤسّسون الأوائل للحركة الصهيونية والتي تقضي بمد الحدود الإسرائيلية إلى ضواحي بيروت.

كانت التجربةُ الأولى في عملية الليطاني عام 1978م، التي قاومتها المقاومة الفلسطينية والقوى الوطنية اللبنانية ببسالة.  وصل الاجتياح إلى صيدا، وأصدر مجلس الأمن القرار رقم "425" القاضي بانسحاب إسرائيل من لبنان بلا قيد أو شرط.

انسحبت إسرائيل إلى شريطٍ على طول الحدود اللبنانية الجنوبية، وأقامت دُوَيلة أطلقت عليها اسم "دولة لبنان الحر"، ونصَّبت عليها عميلاً لها هو الرائد اللبناني "سعد حداد "، وحينما مات، نصَّبت مكانه عميلاً آخر هو الجنرال "انطوان لحد". ذلك الحلم الذي طالما حلم به بن غوريون.

في عام 1981م، خاضت المقاومة معارك تموز البطولية، ودكّت صواريخ الكاتيوشا الفلسطينية مستوطنات الجليل، ثم أُعلن وقف إطلاق النار بين إسرائيل ومنظمة التحرير، وفي تلك الحرب نصح "أبو مازن" الأخ "أبو عمار" بضرب نهاريا بدل كريات شمونة، لأنّها تجمعُ نخبةَ المهاجرين اليهود الألمان، وهذا ما حصل، وكانت نتيجتها الهدنة المعروفة.

وفي عام 1982م، قدَّم أبو نضال الذريعة لإسرائيل، حينما حاول أحد عناصره اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن "شلومو أرغوف"، وهنا نبّهَ "أبو مازن" إلى الدور الإسرائيلي في عملية الاغتيال، وإلى أنها مقدمة لاجتياح لبنان حتى بيروت، وأبلغ ذلك الى "أبو عمار".

كانت إسرائيل التي يرأس حكومتها منذ عام 1977م، الإرهابي الدموي "مناحيم بيغن"، رئيس عصابة الأرغون، وتلميذ جابوتنكسي، الذي كان يتلمَّظُ لسحق منظمة التحرير عسكرياً وسياسيّاً، لأنّه مثل غولدا مائير لا يعترف بوجود شعب فلسطيني. كان يقول: "أين هو الشعب الفلسطيني؟، ليس له وجود".

في 4 حزيران عام 1982م، كان وزير الدفاع الإسرائيلي أرييل شارون يقود مئة وعشرين ألفاً من جنوده، ويجتاح لبنان من الناقورة إلى بيروت. كانت مصر قد خرجت من معادلة الصراع بعد معاهدة كامب ديفيد ومقاطعتها عربياً في قمة بغداد عام 1979م، واستفرَدَت إسرائيل بمنظمة التحرير، وما كان بيغن وشارون يقبلون بأقل من رأسها.

وكان أبو عمار يردِّد بعد عدوان تموز1981م تخوَّفَه وقلقَه مما أَطلق عليه "عملية الأكورديون"، أي زحف القوات الإسرائيلية من الجنوب، وميليشيا بشير الجميل من الشمال ويقول: "سندخل في نفقٍ مظلم، لكنني ألمح ضوءاً في نهاية النفق، أرى من خلاله مآذن الأقصى وأجراس القيامة".

 كان أبو مازن مُعتكِفاً عن ممارسة مهامّه في اللجنة التنفيذية، لكنَّه عاد إليها فوراً مع بدء الاجتياح، ومارَس دوره بنشاطٍ لافت، وكثَّفَ اتصالاته مع القيادة السورية، لأنَّ لها جيشاً يقاتل جنباً إلى جنب مع المقاومة في لبنان. وحينما قرّرت المقاومة الخروج، كان أبو مازن هو الذي أبلغ أبو عمار أن سورية مستعدةٌ لاستقبال أيّ عدد من المقاومة الفلسطينية وبدون تحديد.

 

يقول الباجي قائد السبسي - الرئيس التونسي:

"لقد سبق مجيء الفلسطينيين إلى تونس اتصالاتٌ مُسبقة مع ابو عمار، فقد أخذ الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة القرارَ باستقبال الفلسطينيين في تونس دون الرجوع إلى أحد، لم يأخذ رأيي ولكنه أعلمني بهذا القرار، على الرغم من أنني كنت من المقربين إليه، حيث كنت وزيراً للخارجية وقتها، هاتفني وقال، لقد قبلتُ أن يأتي الفلسطينيين إلى تونس، وكان هذا في الوقت الذي رفضت فيه كثير من الدول استقبالهم".

 دافعت المقاومة الفلسطينية عن كلّ مترٍ في لبنان، خاصّة حينما اجتاز الغزاة مدينة صيدا، ودارت معاركُ قاسيةٌ دفع فيها الإسرائيليون ثمناً باهظاً في الدامور والناعمة وخلدة وجزين وبحمدون والقرعون والسلطان يعقوب. كانت المعركة مظهراً رائعاً للوحدة الوطنية الفلسطينية واللبنانية والسورية، حيث ذابت الخلافات كلّها، وانصهر الجميع في حمأة المعركة دفاعاً عن المقاومة وبيروت والكرامة العربية ومستقبل القضية الفلسطينية.

حوصِرَت بيروت من جميع جهاتها، وظلّت المقاومة تقاتل طيلة ثلاثة أشهر في بيروت الغربية، متصديّةً لهجوم إسرائيلي وحشي من البر والبحر والجو تحت حصار خانق قطعت فيه المياه وكل أنواع المؤن. وكادت الذخائر تنفد من المقاتلين، حتى أنّ العميد الشهيد سعد صايل أبو الوليد أبلغ القيادة أن المضادات الأرضية نفدت ذخائرها، وأنّ صواريخ الكاتيوشا تكاد تنفد.

 كان القصف السياسي مُركَّزاً من الموفد الأميركي الداهية "فيليب حبيب"، اللبناني الأصل، والذي كان مُهْتماً بأمن اسرائيل أكثر من اهتمامه بمصير لبنان.

 خاضت المقاومة أسابيعَ من القتال لتثبيت بندٍ لم تتراجع عنه، أنْ تخرج المقاومةُ بسلاحِها من البر والبحر دون أن تمرَّ على أيّ حاجزٍ إسرائيلي. وأمام صمود المقاومة رضَخَت إسرائيل. وطيلة أيّام الخروج من مرفأ بيروت كان المقاتلون يَصْعدون السفن على وقع الموسيقى الفلسطينية بسلاحهم الفردي وألبستهم النظيفة المرقَّطة. وخرج أبو عمار في بروتوكول وكأنّه يودَّعُ كضيف استثنائي.

يتبع...