عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 20 نيسان 2025

فلسفةُ الصبر.. الطريق إلى الدولة

الرئيس محمود عباس "أبو مازن"

 

الجزء الثامن

يقول طاهر العدوان- وزير الإعلام الأردني السابق:

"أصبح الكفاح المسلح -بعد سبعين عاما- مُشكلةً داخل الدول العربية وليس ضد الإسرائيليين فقط، بمعنى أنّ القضية الفلسطينية أصبحت بعيدةً عن التنسيق العربي بسبب المشاكل الفلسطينية الداخلية في لبنان والأردن".

كان الشارع العربي منشغلاً بقضية الحرب مع إسرائيل، حيث راح الرئيس المصري أنور السادات يكرِّر في كل مناسبة بعدما صفَّى التيار اليساري في السلطة والحركة الناصرية، أنّ هذا العام هو عام الحسم. وكان قد حصد حِقْد التقدميين العرب باعتباره "المرتد عن تراث عبد الناصر". وتحت الأرض كان تيّار الاسلام السياسي ينمو، ويُلاقي التشجيع وخاصة في مصر، لمواجهة التيار اليساري بألوانه المختلفة الذي دخل في صدامٍ مكشوفٍ مع السادات.

وفي سوريا كان الرئيس الراحل حافظ الأسد قد حسَم الصراع مع يسار البعث لصالحه، وصار قائد سوريا دون منازع. وعموماً أطلق اليساريون العرب على أنظمة السبعينيات "أنظمة الرِدّة على خط اليسار".

بدأت تُسحب من عناوين الصحف عبارات "الصراع الطبقي والرجعية العربية والأنظمة العميلة"، وتحِلُّ محلَّها بالتدريج عبارات "التضامن العربي والوفاق والمصالحة". كانت مصر وسورية تُعِدّان العدة للحرب، رغم أنه بدا غريباً قيام السادات بطرد الخبراء السوفييت من مصر عام 1972م. فكيف سيحارب وقد طرد الخبرات الضرورية للحرب القادمة؟

في السادس من تشرين عام 1973م، حسم النقاش وابتدأت الحرب على جبهتي الجولان وقناة السويس. اندفع الجيش المصري وعبَر القناة، واندفع الجيش السوري مخترقاً التحصينات الصهيونية في الجولان، وانتزع جبل الشيخ ووصلت طلائعه إلى شواطئ طبريا. استمرَّت الحرب عشرين يوماً، توقَّف الجيش المصري شرقي القناة بمسافة سبعة كيلو مترات، فانصب الجهد العسكري الإسرائيلي على جبهة الجولان فاخترق منطقة سعسع، ووصلت القوات الصهيونية إلى بيت جن.

وفي عملية مفاجئة أحاطَها الكثير من الشكوك والغموض، اندفعت كتيبة دبابات إسرائيلية يقودها "آرييل شارون" واخترقت دفاعات الجيش المصري عند البحيرات المرّة، وخلال أيام اتّسع الخرق حتى حوصر الجيش الثالث وطُوِّق من الشرق والغرب.

 

يقول د. زياد أبو عمرو- نائب رئيس الوزراء/ وزير الثقافة الفلسطيني:

"ماذا حدث خلال حرب عام 1973؟ باغتت مصر وسوريا "إسرائيل" في حربٍ مفاجئة، وحقّقوا اختراقات معروفة يشهد لها التاريخ، ولكن في النهاية استطاعت إسرائيل أن تسترد الأراضي المحرّرة وتحتلَّ أراضي إضافية من الأراضي السورية وحتى المصرية، وهذا ما حدث فعلا في قصة الثغرة "ثغرة الدفرسوار".

كان لهذه الحرب أثرٌ كبيرٌ في تحوِّل التفكير لدى الرئيس "أبو مازن"، وأدْركَ أنّه لا يمكن حسم الصراع عسكريّاً مع إسرائيل في تلك الظروف وفي المستقبل المنظور، خصوصا مع عِلْمه المسبَق أنّ أميركا ضمنت لإسرائيل التفوّق النوعي العسكري على العرب.

 

يقول د. محمود عباس-الرئيس الفلسطيني:

"مِنْ هنا بدأتُ أفهم وأفكِّر كيف يمكن أن نتكلَّم معهم، كيف يمكن أن نحادثهم. ومنذ بداية السبعينيات خاصّة، قدَّرت أنّه لا يمكن الانتصار عليهم من خلال الحرب ولا بدّ من الحوار معهم".

وكانت المقاومة الفلسطينية تُنفِّذ عشرات العمليات في فلسطين المحتلة، وخاصة عبر الحدود اللبنانية، بينما اُعتقل العشرات وهم يحاولون عبور نهر الأردن.

 اجتمع مجلس الأمن وأصدر القرار "338" القاضي بوقف إطلاق النار، والمتضمن القرار "242" الذي صدر عام 1967م، ودعا إلى "عدم جواز استحواذ أرض الغير بالقوة، وإلى الانسحاب من الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967م، والحل العادل لمشكلة اللاجئين"، ودعا القرار لعقد مؤتمرٍ دوليٍّ للسلام في الشرق الأوسط.

كانت منظمة التحرير قد رفضت القرار "242" لحظة صدوره، لأنّه يتجاهل الحقوقَ المشروعة للشعب الفلسطيني، وكان أبو مازن قد احتملَ بصبرٍ حملة تشهير ومزايدات حينما طرَح على المجلس الوطني الفلسطيني مشروعه الذي عرف بالدولة الديمقراطية، أيْ "إقامة دولة ديمقراطية للعرب واليهود في فلسطين".

 

يقول د. محمود عباس- الرئيس الفلسطيني:

"خرجَتْ فكرةٌ تبنّاها إخوانٌ في اللجنة المركزية في مرحلتين مختلفتين عام 1968م و1969م، وكانت هذه الفكرة بسيطةً وسهلة وغير معقدة، مفادها أننا نريد إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية يعيش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود على قدم المساواة بالحقوق والواجبات. "رمينا هالقنبلة" وجُنَّ جنون إسرائيل، لكنها ليست قادرة على الرفض.

من طرفنا، بدأت المزاودات، وكيف نقول دولة فلسطينية ديمقراطية، ولماذا لا تكون دولة عربية، ولكن اليهود يسكنون فيها، فكيف تكون عربية، الكل يعيش فيها "لا لا لا" هذه دولة منقوصة، المهم أن الفكرة قُتِلت في مهدها من قِبلنا، عِلْماً أنّه لو تُرِك الأمر لإسرائيل "لانْجَنّت سنتين زمن".

 

يقول د. نبيل شعث- عضو اللجنة المركزية لحركة فتح:

"كان حزب التحرير يرى أنّ المقصود فيه "النظام الصهيوني" هي دولة إسرائيل، لكن نحن لا نريد أن نرمي اليهود في البحر كما يدَّعون، نحن مستعدون أن نعيش معهم كمواطنين متساوين في دولة ديمقراطية عربية، وفي الإطار العربي الفكري، ولليهود كافة حقوقهم في العبادة وممارسة طقوسهم وحياتهم، لكننا مجتمعٌ ديمقراطيٌّ حيث لكل إنسان صوت واحد فيه".

 

يقول كريم بقرادوني- وزير ورئيس حزب الكتائب اللبناني السابق:

"في اعتقادي أنّ ما يصبو إليه الفلسطينيون ليس إقامة نظام أحادي على شاكلة الأنظمة العربية، بل يَطمحون أن يكونوا مثالاً للديمقراطية، وقد طُرح منذ البداية أنه مثل ما "لبنان" ديمقراطية، فمع كل عِلّاتها فلسطين هي مشروع ديمقراطيٌّ وليست مشروعاً أحاديّاً، وكان "أبو عمار" منذ بداية الأمر يطرح مشروع الدولة الديمقراطية الفلسطينية، وأعتقد أنّ "أبو مازن" حقَّق هذه الدولة الديمقراطية الفلسطينية من خلال استيعاب المتشدِّدين وجَعَلهم يلعبون لعبة الديمقراطية".

كانت حرب تشرين مَفْصِلاً مهماً في مسيرة الصراع الطويل بين العرب وإسرائيل لم تنتهِ تداعياته حتى يومنا هذا، ولكن ثمّة حقيقة، كان أوّلُ من أشار إليها "أبو مازن" ألا وهي، لا بدّ من تسييس البندقية، فالرصاص يزرع والسياسة تحصد، ولكن هل آن أوان الحصاد؟

في نهاية السبعينيات اعتكف "أبو مازن" بعدما تخلّى عن مهمته كمسؤولٍ عن مالية فتح. غضبت القيادة وألحَّ أبو عمار على عودته لكنه رفض. لا أحَد يعرف بالضبط سرّ ما جرى، فأبو مازن لم يتحدّث، ولم يُفَضِّلْ مثلَ غيره تجميع شِلّةٍ يُطلقُ عليها اسْماً ويقودُ فصيلاً، رغم أنّ الظروفَ كانت كلّها لصالحه، لكنّه أوضَح بأنّ التاريخ الذي كُشف منه حتى الآن أكثر من سبعين كِتاباً سيوضّح كلّ شيء، رغم إصراره ألّا يُنشر في حياته، لأنّ من حق الشعب الفلسطيني أن يعرِف كلّ شيء.

رفض الانشقاق، وكُلَّما تُذْكر أيامُ الانطلاقة والخلافات التي عَصَفت بمركزية فتح، يُنَوِّه باحترامٍ إلى أعضاء اللجنة المركزية الذين خرجوا منها عام 1966م، عبد الله الدنّان، وعادل عبد الكريم ومحمود مسودة.

 

يقول أبو مازن:

"كنتُ حزيناً جِدا، وأنا أحزن دائما، يعني "زعلات كتيرة" تُؤدّي إلى خروجي من هنا وهناك، لكنّني مهما حزِنْت أبقى في الإطار، وأبْقى محافِظاً على الولاء والوفاء، لكننّي أبْعد عن العمل التنظيمي".

طالَبوا بإقالة أبو عمار وأعْلنوا أنّهم لن يعملوا معه وخرجوا، لكنْ لم يَطْعنوا الحركة في ظهرها، لم ينشقّوا، لم يُنشئوا فصائل، قالوا رأيَهم وغادروا كما يليق بمناضلٍ محترم، لم يواربوا ولم يستزلموا لأحد، وظلّت علاقتهم بالحركة طيّبة إلى النهاية.

اعتكف محمود عباس، لأسبابٍ لا يعرفها أحدٌ بالضبط، ثمة أمورٌ لم تُعجبه فقرَّر الاعتكاف. لكنّ انسحاب "أبو مازن" الذي استمرَّ سنتين لم يكن تقاعداً، فقد كان يُحضّر لنيل الدكتوراة في جامعة الاستشراق في موسكو. زار موسكو والتقى بالمسؤولين السوفييت وقال لهم بوضوح: "نحن لسنا شيوعيين ولن نكون، لكنّنا أصدقاءٌ للاتحاد السوفييتي. نحن حركة تحرّر وطني تحتوي على كل ألوان الطيف في مجتمعنا، لسنا مطيَّةً لأحد، ونرفض التبعية والوصاية والاستزلام، ولن نتنازل عن استقلالية قرارنا".

 

يقول د. خضر الظفيري- صديق شخصي للرئيس محمود عباس:

"فكَّر الروس أنّ هذا الشخص يختلف تماماً عن الآخرين، فهو يطالب بالسلام وبدولة فلسطينية على حدود عام 1967م، أيْ يُركِّز على أمورٍ لم تتجرَّأ الفصائل الفلسطينية أو حتى الحكومات العربية الحديث عنها، وفي ذلك الوقت تطوَّرَت العلاقة بين أبو مازن والقيادات السوفييتية، وكانت هناك لجنة باسم اللجنة الإمبراطورية الأرثوذكسية الروسية الفلسطينية -كانت مجمَّدة- أُنشِئت في زمن القياصرة –على ما أعتقد- عام 1882م، ففكَّر أبو مازن بإنشاء (جمعية الصداقة السوفييتية الفلسطينية)، فالتقينا لأوّل مرة مع رئيسة جمعيات الصداقة مع شعوب العالم السيدة "فالينتينا تريشكوفا"، المعروفة جيّدا لدى العالم على أنّها أول امرأةٍ تصعدُ إلى الفضاء، حيث تحدّثنا معاً فوافقت فوراً على إنشاء الجمعية، وعيَّنت الأخ أبو مازن "رئيسا للجمعية الفلسطينية السوفييتية".

 

يقول د. محمود عباس-الرئيس الفلسطيني:

"كان بيني وبين الإخوان في فتح مُشْكلةٌ عام 1980م، وكنتُ بعيداً عن ساحة العمل لمدّة سنة وبضعة أشهر، وكنتُ أعمل فقط من مكتبي في "جمعية الصداقة السوفييتية الفلسطينية" التي كنتُ رئيساً لها، وكان يزورني أبو عمار من فترة إلى أخرى، فقلت له يا أخ أبو عمار عندما يحصل أي عدوان على أي مكان فلسطيني، طبعا سوف تضرب، يوم أو بعض يوم ثم يكتشفك الإسرائيليون ويدّمرون، لكنك تكون فعلت شيئاً".

مضت الأيّام وحدث عدوانٌ على عين الحلوة، والإشارة هنا إلى المختبئين خلف البوليس الدولي، وأُعطيت إشارة فبدأت الصواريخ على نهاريا، فقامت القيامةُ ولم تقعد، وكان يَتوَّقع أبو عمار أنّه يوم واحد ويمضي، مرَّ أول يوم وثاني يوم وثالث يوم ورابع يوم والناس كلّها في الملاجئ، فاْستدعوا "بيغين" قائلين: "ما الذي يَحدث" قال: "لا طَوْلوا بالكم"، ثم مضى اليوم الخامس والسادس وكذلك السابع، فاستدعوه مرّةً أخرى وقالوا "بعدين معك احنا بدنا نخلص" قال لهم "ماذا أفعل؟"، ولا أحد يعلم من أين تأتي الصواريخ، وهم باعتبار "إيليت" الشعب الإسرائيلي يَأْخُذ بِخاطرهم ويزورُهم في الملاجئ، فقالوا له توجَّهْ للملك السعودي ليتواصل مع ياسر عرفات ويعقد هدنة، ثم قال "بيغين" "كيف أتوجّه للملك السعودي؟"، قالوا له "دع "ريجين" يتحدّث معه"، فقال "بيغن" لـ"ريجين" هل من الممكن أن تتواصل مع الأمير فهد وتعقِد هدنة مع "هؤلاء المخربين"؟، فوصل الخبر بأنّه معروضٌ عليك هدنة -اعترف أنّها هدنة- بين أبو عمار أو المنظمة وإسرائيل، فقال لهم "موافق حسناً حسناً" واتّفقوا على الهدنة.

 

يقول طاهر العدوان- وزير الإعلام الأردني السابق:

"اعترفت إسرائيل بطريق غير مباشرة بأن خصمها هو منظمة التحرير، فوقَّعَت اتِّفاقا عبر الأمم المتحدة بوقف إطلاق النار، حيث لم يكن في هذا الاتِّفاق أي بند ينص على انسحاب السلاح الفلسطيني، ودفع هذا الانتصار الكبير بالرأي العام العالمي إلى تحولات كبيرة وحقق مكاسب كثيرة للفلسطينيين، كفتح سفارات في عدد كبير من عواصم دول العالم مثل موسكو وأثينا، وتقدم ولي العهد الأمير فهد بمشروع عربي لحل القضية الفلسطينية، كما تقدم رئيس الاتحاد السوفييتي "بريجينيف" بمشروع سلام وكذلك تقدم الفرنسيون بمشروع سلام، واشتد الضغط ليطالب الرئيس "كارتر" والرئيس "فورد" أميركا الاعتراف بمنظمة التحرير".

فوجئ "أبو مازن" بأنّ السوفييت أحبّوه واختاروه من دون "الرفاق" ليكون رئيساً لجمعية الصداقة الفلسطينية السوفييتية، وهكذا كان رئيس جمعية الصداقة يعمل على أطروحة الدكتوراة التي أصدَرَها في كتاب قيّم حمَل عنوان: "الوجه الآخر. العلاقة السريّة بين النازية والصهيونية".

في هذا الكتاب كشف "أبو مازن" بالوثائق علاقات المنظمة الصهيونية العالمية بالنظام النازي، والاتفاقات التي عقدها الصهاينةُ والنازيّون وخاصّةً "اتِّفاق هعفراه" وهي كلمة عبرية تعني النقل.

 

يقول د. خضر الضفيري- صديق شخصي للرئيس محمود محمود عباس: 

"حَضَرَت اللجنةُ المكوّنة من (27) أستاذا، إضافة إلى حضورٍ كبيرٍ جداً وغير متوقع، فنظر الواحد إلى الآخر متسائِلاً، لماذا هذا الحضور؟ فكانت رسالة الدكتوراة غير طبيعية وعنوانها غير طبيعي بالنسبة للروس، كانت العادة أنّ الطالب يكتب ثلاث أو أربع صفحات ليدافع عن أطروحته ويقرأها، لكنّ أبو مازن بدأ المناقشة بلا صفحات أو رؤوس أقلام، وكان حاضرا أحد مترجمي البولوديا- وهو بليغ باللغة العربية والروسية- فألقى أبو مازن كلمةَ الدفاع عن أطروحته ارتجاليا، وكان متمكِّناً من اللغة والحديث والقُدرات، وفعلاَ دافع عن أطروحته، ثم توجَهَ رئيسُ لجنة الإشراف في معهد الاستشراق بسؤال: هل لديك الوثائق التي تُثْبت صحة ما تقول؟، فتناول أبو مازن كتباً بجانبه وقال: أملك 93 وثيقةً تثبت ما أقول، وقرأ أبو مازن مُخْتصرا عنها وكان لديه وثائق حصل عليها من "إسرائيل"، وأنهى أطروحته بامتياز، فيما طلب معهد الاستشراق طبع أطروحته ككتاب باللغة الروسية".

 فَضَح أبو مازن في كتابه استمرارَ تلك العلاقة حتى أثناء الحرب العالمية الثانية، واستبشار الحركة الصهيونية بقدوم هتلر، الذي طرَحَ نظرية النقاء العرقي، مِمّا وفّر للحركة الصهيونية مَخْرجاً مُرعباً لترحيل اليهود من ألمانيا، ولاحقاً من أوروبا كلّها إلى إسرائيل، في تبادلِ منافع مَقيتٍ بين الجانبين. وأكثر من ذلك كشف أبو مازن في كتابه المبالغةَ الرهيبةَ في مجازر اليهود وأفران الغاز وأثبتَ زيف تلك المبالغات.

ثم أصدر كتاباً لا شك أنّه أثلج صدور الرفاق السوفييت حمل عنوان: "الحركة الصهيونية في أدبيّات لينين". وقد أوضح كيف فضح "لينين" الجوهر الرَّجْعي للحركة الصهيونية كحركةٍ عميلةٍ للإمبريالية، ومعاديةٍ للعمّال اليهود أنفسِهم. تلك العلاقة مع "الرفاق السوفييت"، ثمَّ لاحقاً مع الأصدقاء الروس مستمرة بحميميةٍ حتى الآن.

 دافع الطالب "محمود عباس" عن أطروحته "الوجه الآخر"، وحاز على شهادة الدكتوراة في جامعة الاستشراق. وقد كان في موسكو عام 1980م، عندما تم اخْتياره عضواً في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.

 

 يقول أبو مازن:

"في عام 1980م، وقَعَ الاختيار عليّ لأكون عضواً في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ولم أكُن حاضراً في اجتماع المجلس الوطني الذي اختارني في ذلك الوقت، ولو تُرِكَ الأمر لي لرفضت، بل إنني لو استُشِرْت بذلك وكنت حينها في موسكو لأبلغتهم رفضي. إلا أنّني عندما عدتُ إلى دمشق وجدتُ نفسي عضواً في اللجنة التنفيذية ولم أشارِكْ في أعمالها لمدة سنتين كاملتين حتى حصل اجتياح إسرائيل للبنان في العام نفسه".

تميّز أبو مازن بالجرأة في المبادرات السياسية المتقدّمة على عصرها منذ طرَحَ فكرة "الدولة الديمقراطية" عام 1969م.  وبعد حرب تشرين وفورة "السلام" والمؤتمر الدولي والدبلوماسية المكّوكية لوزير الخارجية الأمريكي "كسينجر" التي أفْضَت إلى اتِّفاقيتي الفصل بين كل من إسرائيل ومصر وسورية.

 بعد كلِّ ذاك، وقَعَت منظمة التحرير في حَيْرة، ماذا تفعل؟ لم تُدْعَ المنظمة للمؤتمر الدولي، والقرار "242" لم يعترف بحق تقرير المصير، بل المعنيّ فيه دول الطوق ومنظمة التحرير ليست دولة. خشيت المنظمة أنْ تُتْركَ على قارعة الطريق وتدفع ثمن أيّ عرقلة لمسيرة السلام. بادر أبو مازن لطرحٍ جريءٍ هو ما عُرِف باسم البرنامج المرحلي، أو برنامج "النقاط العشر" الذي تبنَّتْه "الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين" بقوةٍ ودافعت عنه، وقد تشارك "أبو مازن ونايف حواتمة في صياغة نقاطه العشر.

 

يقول د. محمود عباس-الرئيس الفلسطيني:

"طرَحْنا مشروع (النقاط العشر)، وكان يحتاج إلى جُرأة ليعرض على المجلس الوطني بعد الحرب، وتلقّى معارضةً شديدة، وقِلّةٌ تبنّوه وتاهَ في الأدراج، لكن كان يجب أنْ نطرحَ مشروعاً حتى نكون على الخارطة".

 

يقول د. نبيل شعث-عضو اللجنة المركزية لحركة فتح:

"كانت حرب عام 1973م أهمَّ حربٍ قامت بها الأمة العربية وحكوماتها في العصر الحديث، وتعدَّلت فيها موازين القوى، فلماذا لا نسعى لدولةٍ مَرْحلية في الضفة الغربية وغزة وعاصمتها القدس، (الحل المرحلي)".

نشأ خلافٌ كبير في الساحة الفلسطينية، وتمَّ حسمه ببرنامج الـ (النقاط العشر)، وهو أسلوبٌ للتوفيق بين فكرة تحرير كامل التراب الفلسطيني، وبين فكرة دولة فلسطينية على جزء من التراب الفلسطيني.

يحتوي هذا البرنامج على عدة بنودٍ منها: "إقامة السلطة الوطنية على أيّ شبرٍ أو على أيّ جزءٍ من الأرض الفلسطينية يتم تحريره أو ينسحب منه العدو"، لكن البند الذي يليه "ولكن يبقى الحلّ إقامة دولةٍ ديمقراطية على كامل التراب الفلسطيني"، ويليه "من حق الشعب الفلسطيني أنْ يستخدم النضال السياسي والحراك السياسي من أجل تحرير وطنه"، يليه "ولكن يبقى الكفاح المسلّح هو الطريق الوحيد"، وبالتالي كان هناك أول إطلاق لفكرة إقامة الدولة الفلسطينية على جزء من فلسطين لكنّه لم يتخلَّ عن فكرة دولة ديمقراطية، ولأول مرة تُطرح فكرة النضال والحراك السياسي لإقامة الدولة إضافة إلى الكفاح المسلح، وظل النقاش مستمرا منذ عام 1964م حتى عام 1988م في المجالس الوطنية.

 

تبنّى البرنامج المرحلي لحل القضية الفلسطينية شعار: "العودةُ وتقرير المصير وإقامة الدولة الوطنية الفلسطينية على أي جزء يُحرَّر من فلسطين". اُعتمِد هذا البرنامج في حزيران عام 1974م، برنامجاً وطنياً عامّاً لـ(م.ت.ف)، ثم أصبح برنامجاً رسمياً عربياً في قمة الرباط، وهو الذي ساهم في انتزاع قرار القمّة التاريخي باعتبار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.

يتبع...