سونيا النمر.. "شمس" جنين الثالثة

جنين- الحياة الجديدة-عبد الباسط خلف - نالت أستاذة الفلسفة والدراسات الثقافية بجامعة بيرزيت، وساردة أدب الأطفال، سونيا فتحي النمر، شهادات وألقابا عدة، لكنها أيضا من أوائل أسيرات جنين بعد هزيمة 1967، وسبقتها بأشهر إلى زنازين الاحتلال نهلة العبوشي والمرحومة سائدة البظ.
وسردت النمر لـ"الحياة الجديدة" تفاصيل التجربة الاعتقالية لفتاة بالكاد أكملت 20 عاما، لتجد نفسها في زنازين معتقل المسكوبية، ثم تمضي خلف ستائر العتمة في سجن الرملة للنساء 3 سنوات قاسية، بتهمة الانتماء لمنظمة التحرير، وتنظيم طالبات الجامعة، وتثقيفهن وتعبئتهن وطنيا.
وأعادت الزمن إلى 20 تشرين الأول 1975، حين تلقى والدها فتحي النمر رسالة مما يسمى "الحاكم العسكري"، تطلب منه إخبار ابنته بمراجعتها ضباط المخابرات في "المسكوبية" بالقدس المحتلة.
من الكلية إلى المسكوبية
وقالت إنها ذهبت رفقة والدها مهندس الكهرباء في بلدية جنين إلى المعتقل، ولم تعرف أنها لن تعود مع أبيها إلا بعد ثلاث سنوات، فانقطعت عن دراستها للعلوم في بيرزيت التي كانت كلية، ثم صارت جامعة خلال أسرها.
واستذكرت النمر بابتسامة عفوية، رقمها الجامعي 604، الذي لم يتغير بعد إعادة التحاقها بالجامعة، وتغيير وجهتها إلى كلية الآداب، لكنها باحت بتفاصيل التعذيب النفسي التي خضعت لها خلال التحقيق.
وتابعت أنها أمضت 18 يوما قاسية في زنازين "المسكوبية"، ولم تكن في المعتقل أسيرات أخريات، بل زج بها وسط سجينات يهوديات، اعتقلن على خلفية جنائية، وكانت سيدة سبعينية فلسطينية وحيدة، قتل مستوطنون زوجها، وألصقوا بها التهمة.
ووفق النمر، فإنها لم تتعرض لتعذيب جسدي، بل ركز المحققون على محاولة لغسل دماغها، وفتحوا معها نقاشات طويلة لإثبات أن فلسطين لليهود.
ووالت: عذبني المحققون نفسيا بطريقة مختلفة تشبه "التعذيب الذاتي"، فكانوا يعصبون عيوني ويداي مقيدة، ويطلقون التهديد والوعيد لي ويغادرون الزنزانة، ويجعلوني أفكر بالمصير الذي سألقاه، وكنت أرتعب من أي صوت أسمعه، وأبدأ بتوقع شكل التعذيب الذي سيطالني، وأية منطقة من جسدي ستكون المستهدفة.
لم يكن مسموحا لأهل سونيا ولا للمحامين أو الصليب الأحمر بزيارتها، ونُقلت بعد انتهاء التحقيق إلى "نفي تيرتسا"، الملاصق لسجن الرملة، وأقامه الاحتلال عام 1968، وخصص للأسيرات الفلسطينيات والجنائيات الإسرائيليات.
رفيقات العتمة
وأضافت أن الاحتلال لم يسمح لها قبل محاكمتها بالخروج من الغرفة إلا ساعة واحدة يوميا، فيما كان خلف القضبان نحو 50 أسيرة بينهن فاطمة البرناوي، أول أسيرة للثورة الفلسطينية عقب هزيمة 1967، وعائشة عودة، ورسمية عودة، وعايدة سعد، وتيريزا هلسة اللتان شاركتا في اختطاف طائرات الاحتلال.
وعادت إلى تفاصيل مطبخ المعتقل، الذي عملت فيه لفترة، فقد كان الطعام سيئا، وبكميات قليلة ونوعية رديئة، وكان عليها تقسيم علبة اللبن الصغيرة وحبة البندورة بين أربع أسيرات، وكرر الاحتلال تقديم المربى والزبدة، وشرائح الملفوف المسلوق، والفاصولياء البيضاء، وكان يحضر لحمة رديئة ودجاجا مرة أسبوعيا.
وقالت ضاحكة: السجانات كن يحضرن لهن خبزة "المصة" في عيد الفصح بكميات كبيرة، ولا يعدن لهن الخبز العادي إلا بعد انتهاء مخزونهن من الخبز الخالي من الخميرة.
أمعاء خاوية وحرية
ووفق النمر، فقد كان الأسيرات الفلسطينيات في مبنى مختلف عن سجن اليهوديات الجنائيات، ولم يحدث أي احتكاك معهن، وكان يجري استدعاء عدة سجانين من سجن الرملة لقمع الأسيرات خلال فترات الإضراب العديدة، منها الاحتجاج على نفي 3 من رفيقاتهن إلى سجن غزة هن: عائشة عودة، ورسمية عودة، والراحلة عفيفة بنورة.
واللافت أن الاحتلال كان يجبر الأسيرات على تنفيذ عدة أعمال، مثل صناعة ملاقط الغسيل الخشبية، وتجهيز وقص أوراق "الكورنيش"، لكنهن كن يتلفن الورق بمادة صمغية، ولم تكرر السجانات إحضاره لهن.
ورسمت النمر صورة يوم تحررها في 20 تشرين الأول 1978، فقد كانت تتخيل انتظار أهلها على مدخل المعتقل لتركض نحوهم، لكنها دخلت في حالة نفسية صعبة وانهيار عصبي يوم استعادة حريتها، ورفضت بداية الأمر ترك رفيقاتها، وشعرت بالقهر عليهن، فأعطيت حقنة مهدئة، وتحررت بوضع صحي صعب، والتقت بأهلها وهي تجر من سجانتين لما أصابها من هزال.
واستردت تفاصيل يوم حريتها الأول، إذ قدم أهالي المدينة لاستقبالها، ونظم لها رفاقها الطلبة استقبالا مهيبا. كما أعاد الاحتلال اعتقالها في زنازين "المسكوبية" ذاتها عام 1990، وأمضت 10 أيام، بجوار غرف تعذيب الشبان، ثم أطلق سراحها.
وقالت إن ظروف الأسيرات لا تقارن بين سنوات النضال الوطني، لخصوصية كل مرحلة واختلاف ظروفها العامة.
قمع وضحك
واستذكرت أقسى لحظة يوم عملية "عنتيبي" لاختطاف رهائن نفذها فلسطينيون ويساريون ألمان في 27 حزيران 1976، ففجأة أقفلت السجانات عليهن الأبواب، واختلف التعامل معهن، وفتح المطبخ الذي يحتوي على أدوات حادة للسجينيات اليهوديات، انتابنا الخوف من الاعتداء علينا، وصرن نفتش عن أي وسيلة للدفاع عن أنفسنا.
وتابعت أن أطرف ما حصل مع رفيقتنا نعمة الحلو، وهي أسيرة بترت يدها وتشوه وجهها، بعد إلقائها قنابل على دبابات الاحتلال، إذ كانت تملك يدا صناعية تخلعها خلال النوم وتضعها في الخزانة، وفي أحد أيام قمعنا عند الصباح الباكر نسيت نعمة يدها، وفتحت سجانة الخزانة فسقطت اليد أمامها، وصارت تصرخ رعبا، بينما انفجرنا نحن بالضحك.
سيرة ثرية
أبصرت د. سونيا النمر، النور عام 1955، وأنهت الثانوية في مدرسة بنات جنين عام 1973 والتحقت بجامعة بيرزيت، وأعادت الالتحاق فيها، وأنهت الدراسة الجامعية الأولى منها عام 1980 ثم التحقت بالجامعة الأمريكية في بيروت لدراسة الماجستير، وحصلت على الدكتوراة من جامعة إكستر في بريطانيا في 1992. بعدها عملت مديرة للمتاحف في وزارة السياحة والآثار، والتحقت بجامعة بيرزيت كأستاذة للفلسفة والدراسات الثقافية حتى الآن.
والنمر أكاديمية وكاتبة أدب أطفال لها العديد من الدراسات الأكاديمية المنشورة، و24 كتابا للأطفال ترجم عدد منها إلى الإنجليزية والإسبانية والبرتغالية والكتالونية والدنماركية والفارسية.
وحصلت كتبها على عدة جوائز عربية وعالمية.
وتنتمي د. سونيا إلى عائلة قدمت الكثير لجنين، فجدها الدكتور سعيد النمر كان من أوائل الأطباء في فلسطين وأول طبيب يفتح عيادة في جنين في عام 1918. ووالدها المهندس فتحي النمر والذي كان أول مهندس للكهرباء في بلدية جنين وأول من أنشأ شبكة الكهرباء في المدينة وريفها، والذي بقي في عمله لأكثر من 45 عاما مديرا لدائرة الكهرباء في البلدية.
أما عمها المهندس عصام النمر فكان من المختصين القلائل الذلين عملوا في وكالة (ناسا) على مشروع "أبولو 11" الفضائي، الذي أوصل البشرية إلى الفضاء صيف 1969، ونقش اسم جنين على حجر، وأرسله مع (نيل أرمسترونغ) و(باز ألدرين) إلى القمر.
مواضيع ذات صلة
إصابة برصاص الاحتلال شرقي مدينة غزة وسط عمليات تجريف ونبش قبور وقصف مكثف
الاحتلال يعتقل شابا بعد الاعتداء عبيه شمال القدس
مستعمرون يقتحمون المسجد الأقصى
مستعمرون يقتحمون المسجد الأقصى
ارتفاع حصيلة الشهداء في قطاع غزة إلى 71,660 والإصابات إلى 171,419 منذ بدء العدوان
الاحتلال يهدم بركسات وحظائر ماشية جنوب الخليل