دفء رمضان في نابلس.. التكية التي تطعم الأرواح قبل البطون

نابلس– الحياة الجديدة– بشار دراغمة- في مدينة نابلس، حيث الأزقة تشهد على خطا العطاء، وحيث التطوع ليس غريبا، هناك واحة من الرحمة تنبض بالعطاء كل يوم، تكية نابلس الخيرية، التي تفوح منها روائح الأكلات الشهية ودفء الخير.
مع اقتراب أذان المغرب في شهر رمضان، تمتد الأيدي المرتعشة، بعضها يحمل أكياسا فارغة، وبعضها يحمل الدعاء بانتظار الحصول على وجبة الإفطار المنتظرة من تكية نابلس الخيرية التي توزع ما يزيد عن 1500 وجبة طعام يوميا.
من قلب المدينة وفي مبنى حمل في جدرانه قصص العابرين، تتدفق الحياة من جديد عبر الأطباق التي يعدها المتطوعون بشغف، الأرز المطهو بعناية، وقطع اللحم التي تنتظر نصيبها في الأطباق، والحساء الذي يحمل الدفء للمنتظرين، مكونات كلها تنتظر أن تحط في أكف ارتعش بها الجوع، فوجدت في التكية ملاذا وسكينة.
يقول أبو حسن، الرجل الستيني الذي أصبحت التكية جزءا من يومه: "لم يكن الجوع يوما اختيارا، لكنه أصبح واقعا علينا أن نتعايش معه، التكية ليست مجرد مكان نأخذ منه الطعام، بل هي بيت لنا حيث نجد الاحترام، وحيث لا نشعر بالخجل ونحن نأخذ حاجتنا".
في زاوية أخرى، تقف أم ياسين، تخفي دمعة وهي تقول بصوت يشوبه الحنين: "حين أتناول هذا الطعام، أشعر وكأن يدي أمي امتدتا إليّ من عالم آخر، كأنها تطبخ لي كما كانت تفعل في صغري".
التكية تعتمد في بقائها على قلوب نابلس النابضة بالعطاء، في الأسواق ترى أصحاب محال تجارية يضعون ما تجود به أيديهم، من أرز وسكر وزيت حتى لا يحرم أحد من لقمة كريمة.
في أحد الأركان، يجلس متبرع لإيصال ما جادت به نفسه، بينما يأتي آخر وقد حمل معه ما استطاع إليه سبيلا من الأرز، ليشكلوا معا ملحمة إنسانية.
في مطبخ التكية، يقف شاب يلف منشفة حول رأسه، بينما يحرك قدرا ضخما، يقول بابتسامة متعبة: "حين أرى الفرحة في أعين الناس، أشعر أنني أطعم قلبي قبل أن أطعم غيري. لا شيء يعدل فرحة طفل يأخذ وجبته، أو شيخ يدعو لك دعوة صادقة".
محمد الشنار، رئيس لجنة زكاة نابلس التي تتبع لها التكية الخيرية يتحدث عن هذا العمل بروح المسؤولية، قائلا: "نحن نطمح إلى أن تصبح التكية أكثر من مجرد مكان لتوزيع الطعام، نريدها أن تكون مفتوحة طوال أيام الأسبوع بعد رمضان، حتى لا يكون هناك يوم يشعر فيه المحتاج بالجوع".
في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، ومع تزايد أعداد المحتاجين، تجد التكية نفسها أمام مسؤولية ثقيلة، لكنها لا تستسلم. من هنا، تبنت سياسة التبرعات المفتوحة، وفق ما يؤكده الشنار حيث لا يرفض أي تبرع، مهما كان حجمه فمن قدم مالا كبيرا، ومن جلب كيلو أرز، ومن وقوف ساعات لإعداد الطعام، كلهم يشاركون في نسيج الخير الذي يكسو هذه المدينة.
يقول الشنار: "المحتاجون يزدادون، لكن الخير في هذه المدينة لا ينضب، ونحن نعتمد على أهلها في الاستمرار، لن نغلق الأبواب في وجه أحد، فالتكية للجميع".
قبل أن ينادي المؤذن للصلاة، يتوافد الناس إلى تكية نابلس الخيرية وقبل أن تختلط الأدعية باللقيمات، يشهد الحاضرون على صوت كرامة الباحثين عن وجبة الإفطار والحفاظ على خصوصيتهم وإنسانيتهم.
هكذا تستمر تكية نابلس الخيرية، شعلة لا تنطفئ، تتحدى قسوة الحياة بنبض القلوب الطيبة، وتعيد رسم ملامح المدينة بلمسات العطاء والإنسانية.
مواضيع ذات صلة
"إيتان" تستعرض "عضلاتها" في جنين المحاصرة ومخيمها المحتل
الخليل: الاحتلال يهدم منزلاً في بيت عوا ومساكن في يطا ومنشآت زراعية في بيت أمر
مستوطنون يجبرون عائلات من "الديوك التحتا" على ترك منازلها
المجلس الفلسطيني للإسكان يعلن إطلاق مشروع دعم وتطوير الإسكان والبنية التحتية
الرئيس يجتمع مع ملك النرويج هارالد الخامس
الرئيس: قرارات الحكومة الاسرائيلية الأخيرة تتطلب موقفًا حاسمًا من الإدارة الأمريكية والمجتمع الدولي
الرئيس يبحث مع رئيس وزراء النرويج المستجدات السياسية وتعزيز العلاقات الثنائية