عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 16 شباط 2025

أول فنجان "نسكافيه" منذ 45 عاما!

مع المحرر شادي البرغوثي

"تصوير: عصام الريماوي"

رام الله- الحياة الجديدة- عبير البرغوثي- طوال خمس وأربعين سنة.. كانت عائلة الأسرى فخري البرغوثي ونجليه شادي وهادي محرومة من الاجتماع على طاولة واحدة، فبعد 22 عاما من الأسر، عاد الأسير شادي البرغوثي إلى أحضان عائلته في بلدة كوبر غرب رام الله، ليجتمع شمل العائلة بعد 45 عاما من الفراق، حيث سبقه والده المناضل فخري البرغوثي إلى الأسر أربعة وثلاثين عاما قبل أن يتحرر في صفقة شاليط عام 2011.

لم يقتصر الاعتقال على الوالد وولده شادي بل طال أيضا، ولده الثاني هادي الذي اعتقل لمدة 3 سنوات ونصف السنة.. خمس وأربعون سنة عاشتها أم شادي رحلة الألم والمعاناة متنقلة بين السجون من منذ أن كانت بعمر الثمانية عشر عاما.

قصة عائلة اجتمع شملها على طاولة واحدة وجمعهم "فنجان نسكافيه" المشروب المفضل لجميع أفرادها، تفاصيل كثيرة تحمل مشاعر وأمنيات ورسائل رصدتها "الحياة الجديدة" خلال زيارة خاصة لمنزل العائلة.

عندما كنا في منزل فخري البرغوثي "أبو شادي" بدا شادي خلال استقباله المهنئين بالإفراج عنه، وكأنه غير مصدق أنه أخيرا تحرر من القيود والأغلال، ترك المهنئين وانضم إلينا ليقول: "بعد 48 عاما التم شمل عائلتي، وكانت رحلة طويلة بدأت باعتقال والدي عام 1978، وكان عمري وقتها 11 شهرا وأمي كانت حاملا بشقيقي هادي، وبدأت رحلة تعرفنا على والدي من خلال شبك الزيارة في السجن، وكان والدي معتقلا مدى الحياة".

ويضيف: "خلال اعتقال والدي أجلت موضوع ارتباطي أكثر من مرة، لأنني أردت أن تكتمل فرحتنا بوجود والدي بيننا، وكان ذلك في بداية الألفينيات وكان عمري وقتها 22 عاما، اعتقلت في العشرين من كانون الأول 2003، وأول سجن دخلته كان سجن المسكوبية، وبعد مرور عدة صفقات لم تشملنا أنا ووالدي، أدركت أن لقاءنا سيكون داخل السجن، وحتى عندما تم اعتقال شقيقي هادي لم أكن أعلم انه ايضا في السجن الذي كنت فيه وكان سجن المسكوبية، وهنا أذكر أنني سمعت صوته صدفة وكان في الزنزانة المجاورة لزنزانتي،  ومن ثم تم نقله الى مكان آخر".

بعد التحقيق في المسكوبية نقل شادي سجن الرملة وهناك التقى شقيقه هادي، وبعدها نقلا معا الى سجن "هداريم، "وهناك كنا نرتب للقاء والدنا الذي كان متواجدا وقتها في سجن عسقلان بعد أن تم إبلاغنا حينها من إدارة السجن أنه سيتم نقلنا بالبوسطة إلى سجن عسقلان، وكانت الليلة التي سبقت نقلنا أطول ليلة مررنا بها في حياتنا، ليلة جمعت بين مشاعر التوتر والقلق والفرحة والسعادة والخوف، حينها كان والدي أمضى من مدة محكوميته 27 عاما، ولم نلتق خلالها وجها لوجه، ولمدة سبع سنوات منعنا من زيارته بسبب المنع الأمني". يقول الأسير المحرر.

ويتابع شادي تفاصيل اللقاء المنتظر مع والدهما: "في اليوم التالي نقلنا إلى سجن عسقلان، وجلسنا هناك في غرفة الانتظار حتى يتم توزيعنا على الأقسام، وكان معنا 10 أسرى، وطلبنا أن نكون أنا وهادي آخر من يدخل إلى القسم حتى نفاجئ والدي، وبالفعل دخلنا وكان اللقاء في ممر السجن وتم ترتيبه من قبل ممثل الأسرى وقتها داخل السجن، ولم يكن والدي يعلم وقتها أنني أنا وهادي تم نقلنا إلى سجن عسقلان، من الصعب أن أصف لحظة اللقاء كانت لحظة طوفان من المشاعر لثلاثتنا، لحظة اكتسحتها الدموع والقبل، وجميع الأسرى بكوا خلال هذه اللحظة، وهنا اكتملت أركان المثلث، ولكن هنا أود أن أذكر معلومة مؤثرة نوعا ما، أنه وبعد دخولنا الزنزانة، ذهب والدي مع أسير آخر إلى إحدى زوايا الزنزانة ليسأله مين شادي ومين هادي؟! لم يفرقنا عن بعضنا خاصة وأنه لم يرنا منذ أكثر من 7 سنوات بسبب المنع الأمني على الزيارة".

طيلة فترة اعتقاله سيطرت على شادي هواجس أن يخطف الموت والديه قبل تحرره وظل مؤمنا وموقنا بأنه سيلتقي بهما وسيعيش معهما تحت سقف واحد.

زوجة الأسير وأم الأسيرين "أم شادي" المرأة الفلسطينية التي سطرت أسمى آيات الصبر والصمود، تكشف في سياق حديثها للحياة الجديدة بعضا من المعاناة التي مرت بها رحلة الأسر لزوجها وابنيها، تقول: مكث زوجي في السجن 34 عاما، وقضيت هذا العمر وانا في زيارة له من سجن الى آخر، وبعد كل زيارة كنت أحسب للزيارة التي تليها، عندما تم أسر زوجي كان عمري 18 عاما وعمر شادي 11 شهرا، وكنت في بداية حملي بهادي، نحن غرسنا حب الوطن في قلوب أبنائنا، وكنت أعيش مع عائلة زوجي في غرفة كانت جزءا من منزل العائلة وفي بيت قديم، وكانت كل حياتنا واحتياجاتنا تتم في هذه الغرفة".

وتضيف: "كبر الأولاد خلال هذه الاعوام وخاضوا رحلة النضال في حب الوطن وكنت أقول لهم دائما: "يما اقعدوا يما اهدوا، بكفي أبوكم في السجن، واذا صرلكم إشي رح أنجن"، وكنت في حالة قلق وخوف دائم لأنهم كانوا يشاركون في المواجهات عندما يقتحم جيش الاحتلال البلدة".

"عندما اعتقل ولداي، وانضما لوالدهما في السجن، وكان عمر شادي وقتها 27 عاما وهادي كان عمره 25 عاما، شادي حوكم بالسجن 27 عاما وهادي 3 أعوام ونصف العام"، تسرد أم شادي بكلمات تقطر دمعا وهي تتصفح مسلسل الذكريات الصعب. وتضيف: "لم يبق سجن لم أزره حتى كنا نشارك في إضرابات الأسرى عن الطعام ونمتنع عن الأكل إلا من بعض السوائل" .

اليوم وبعد أن تحرر شادي من قضبان الأسر وزنازين الاحتلال، تتمنى أم شادي أن تفرح بتزويجه وأن يمدها الله بالعمر لترى أحفاده، وتختم المرأة الصابرة برسالة إلى أمهات الأسرى بالصبر والأمل.

في اللقاء ذاته، يقول عميد الأسرى فخري البرغوثي: "كعائلة حرمنا من بعضنا 47 عاما، وهذا عمر كامل وليس كلمات أو أرقام ، كانت سنين مغموسة بالألم والحرمان والدم، كان الثمن عاليا، لكن كل هذا التعب انتهى بمجرد ما التم شمل عائلتنا وتناول أول فنجان نسكافيه مع بعضنا".

وعن رأيه في أسطورة الصبر وأم التضحيات أم شادي، يقول أبو شادي: "ما قدمته رفيقة دربي أم شادي يعجز كل الشعراء والكتاب والروائيين عن وصفه ووصف ما مرت به من عذابات، تركتها وعمرها 18 عاما، وفي ظل ظروف صعبة وثقافة مجتمعية مختلفة تماما عما هو موجود اليوم، صبرت أكثر من 40 عاما، كنت أريد أن أدفع حياتي ثمنا للوطن وهي وقفت معي بكل ما في الكلمة من معنى".

وعن لقائه بأولاده شادي وهادي في السجن للمرة الأولى بعد 27 عاما، يقول: "أولادي داخل السجن كانوا ينادونني "عمي"، وعندما كانوا ينادونني بـ "يابا" لم أكن أرد عليهم، لأني لم أكن معتادا على ذلك.

أخيرا وبعد طول انتظار ورحلة معاناة وعذابات، التم شمل عائلة فخري البرغوثي على فنجان نسكافيه الذي تجمع العائلة على عشق هذا المشروب الساخن، حيث كان شادي يحلم باحتسائه منذ خمسة عشر شهرا، وبرفقة عائلته منذ اثنين وعشرين عاما.