بعد أن نجون من مجزرة المعمداني، ثلاث أخوات وقعن في الأسر

الحياة الجديدة- إيمان جمعة- عاش الغزي في هذه الإبادة كل أشكال الموت والألم، فمن نجا من قصف الصواريخ لم ينجُ من أوجاع الفقد والنزوح والاعتقال، والهروب المستمر من آلة الفتك والقتل الاسرائيلية، حتى بات من المستحيل أن تمر دقيقة واحدة في يومه خالية من العذاب.
إيمان، سهاد، وشيماء، ثلاثة أخوات نجون بأعجوبة من المجزرة المروعة التي ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي، في المستشفى الأهلي العربي الشهير بـ "المعمداني" في مدينة غزة، إلا أنهن بعد أن خرجن من بين الجثث والأشلاء ونهر الدماء الذي سال من قرابة ال 400 شهيد، وقعن في قبضة جنود الجيش الاسرائيلي، فكان قدرهم التعذيب والإهانة والفتك بكرامتهم وانسانيتهم في زنازين الاحتلال.
شيماء الخولي 31 عامًا، واختاها سهاد 38 عاما، وايمان 43 عاما، أسرهن جنود جيش الاحتلال من على باب المستشفى المعمداني، بعد محاولاتهم العديدة الهرب من الموت والجوع والحصار، تقول شيماء "كان يوم 17 أكتوبر 2023م، بوما أسودًا في حياتنا، قصفت طائرات الاحتلال ساحة المستشفى المعمداني التي كانت مليئة بآلاف النازحين، وكنا منهم، أنا وأخواتي وجميع أفراد عائلتنا، بعد أن نزحنا قسرًا من منازلنا في حي الزيتون شرق غزة، معتقدين أن المعمداني سيكون ملاذا آمنا لنا ولأطفالنا، إلا أن لطف الله بنا أخرجنا أحياء رغم الإصابات التي تعرضنا لها، بسبب تطاير الشظايا علينا، كما فقدنا عددا من أقاربنا الذين ارتقوا شهداء".
في هذه اللحظة توقفت شيماء عن الكلام، انهمرت عيناها بالدموع، كأن الكلام حبل مشنقةٍ يخنقها، تداركت اختها سهاد الموقف، لتخفف عنها وتكمل: "نزحنا من منازلنا يوم الجمعة 13 أكتوبر 2023، في اول يوم طلب فيه جيش الاحتلال الإخلاء والنزوح نحو مناطق جنوب وادي غزة، إلا أننا قررنا التوجه إلى منزل أختي في شارع النديم بحي الزيتون، حيت أن منازلنا تقع على شارع صلاح الدين، وأصابنا خوف شديد من دخول الدبابات بداية على منطقتنا، إلا أننا مكثنا ستة أيام فقط في منزلها، عشنا فيها الأهوال بسبب شدة الغارات والأحزمة النارية على الحي وكافة انحاء مدينة غزة، فقررنا النزوح للمستشفى المعمداني حيث يعمل زوج أختي إيمان فيها، وبعد أيام قليلة من وقوع المجزرة ومداواة جراحنا، خرجنا من المعمداني وعدنا مرة أخرى لمنازلنا".
ربما كان قرارًا خاطئًا اتخذته العائلة، فحي الزيتون كان من أكثر الأحياء التي تعرضت لقصف عنيف من طائرات الاحتلال، وهو من أول الأحياء التي اجتاحته دبابات وآليات الاحتلال العسكرية، هكذا تصف إيمان الموقف، فكل الغزيين بعد ان جربوا النزوح، إما عادوا إلى منازلهم كي يموتوا فيها، أو نزحوا باتجاه الجنوب ظنًا منهم أنه ربما يكون أقل موتًا من مدينة غزة، تقول إيمان: "بعدما عشنا أيامًا أكثر رعباً من أن تصفها الكلمات، دخلت علينا الهدنة ونحن في منازلنا. التقطنا القليل من أنفاسنا، واعتقدنا انه ربما انتهت مأساتنا وسنستطيع مداواة ما علق في ذاكرتنا من جراء المجزرة، إلا أن الهدنة انتهت، وعادت الحرب بوحشية أكثر دموية، وكان نصيب حي الزيتون كالعادة، آلاف الصواريخ والقذائف والتدمير وسفك الدماء، نزحنا من بيوتنا تحت ضرب النار، والقذائف تنهال علينا من فوقنا، ورصاص القناصة يطاردنا في كل شارع وزقاق، مشينا فوق جبال من الركام والحجارة، وأشلاء الشهداء ملقاة في الطرقات، حتى الحيوانات لم تسلم من وحشية القصف فقد افترشت جثثها الشوارع، استطعنا بأعجوبة الوصول إلى المعمداني لنستقر فيه، طبعاً خرجنا من بيوتنا بلا شيء، لا طعام ولا ماء ولا غطاء، بعض الملابس التي استطعنا حملها في حقائب الطوارئ التي دائماً تكون جاهزة، فيها أوراقنا الرسمية وبعض النقود والمقتنيات الثمينة".
لم يرتاحوا إلا لساعات قليلة، حتى وصلت دبابات جيش الاحتلال وحاصرت المستشفى من كل الاتجاهات، "شربنا الماء بالسنتيمتر، عبر الحقن نعطي أطفالنا كل ساعة 3 سم" هكذا تصف شيماء الوضع، إلا أن الحصار لم يدم طويلًا، ثلاث أيام فقط بعدها انسحبت قوات الاحتلال من المكان، فخرجت شيماء وأهلها وعادوا للبيت، كان لديهم كيس طحين، حمله أخوها وعاد به بسرعة إلى المستشفى، بعد يومين طلب الجيش من أهالي البلدة القديمة في مدينة غزة إخلاءها بالكامل، لم تدرك الأخوات الثلاثة، أن المعمداني من ضمن مربع الإخلاء، فبقوا فيه، وما أن طلعت شمس اليوم التالي، حتى حاصرت دبابات الجيش المستشفى مرة أخرى، تقول سهاد: "اعتقدنا أنه سيكون كالحصار السابق، يومين ثلاثة وينسحب الجيش، ولكن وبعد مرور خمسة أيام من الحصار المطبق، لم نكن نستطيع ان نرفع رؤوسنا من الأرض او نمشي في ازقة المستشفى، وفي ليلة الأحد 17 ديسمبر 2023، قامت القيامة، قصف عنيف وجنوني من المدفعية، احزمة نارية مكثفة من الطيران الحربي، استهدافات عنيفة في سوق فراس والساحة والزاوية والشجاعية، طائرات الكواد كابتر تطلق النار على كل شيء، سقط الكثير من الشهداء أشلاء متفحمين في الشوارع، استمر القصف بشكل عنيف وعشوائي ومرعب لمدة تزيد عن 18 ساعة".
تعبت سهاد من الكلام، وتنهدت حتى ظننت أن الهواء يحرق قلبها، فقد تذكرت كل شيء كأنه يحدث الآن، هنا وبعد أن سكت صوت القصف وتحديدًا في ليلة الاثنين 18 ديسمبر 2023م، "عشنا ثلاثة ساعات في صمت وهدوء قاتل، للحظة شعرت بالأمان لأول مرة منذ شهرين"، هكذا تصف إيمان اللحظة، ظنوا أن الجيش انسحب، فقرروا الخروج من المستشفى إلا أن المصيبة وقعت هنا، تكمل "ما أن وصلنا باب المستشفى حتى وجدنا الجنود بمدرعاتهم ودباباتهم أمام الباب يقفون. بدأوا بالنداء علينا عبر مكبرات الصوت، كانوا قد جهزوا لنا ممرًا أمنًا كي نخرج منه، طلبوا منا خلع حجابنا وملابسنا بشكل كامل، وأن نبقى بلباسنا الداخلي كما فعلوا بالشباب، لكننا اعترضنا ورفضنا وقاومنا، حتى أن الشباب حاولوا حمايتنا فنالهم الضرب المبرح والتعذيب من قبل الجنود، في نهاية الأمر شلحنا حجابنا، كان هناك مجندتان بدأوا بتصويرنا بجوالاتهم، حتى الجنود الرجال التقطوا لنا الصور وهم يضحكون ويستهزؤون، ثم نادوا علي أنا وأخواتي شيماء وسهاد، وامرأتين أخريين من الموجودات معنا، أدخلونا في احدى المحلات المجاورة للمستشفى ... " هنا بدأت بالبكاء.
مجندتان اثنتان، صغيرتا العمر، لم تتجاوزا العشرين عاما، نزعوا عنهن ملابسهن كاملة، فتشوهن بشكل عاري تماما، ولأكثر من مرة، تحسسوا اجسادهن بأسلحتهم الثقيلة، صادروا نقودهن وذهبهن وجوالاتهن وكل ما يملكون، جعلوهن يدُرن حول أنفسهن وهم عاريات، التقطوا لهم الصور، عاثوا بكرامتهن فسادًا، تقول شيماء التي استجمعت نفسها بصعوبة كي تكمل الحادثة "قاموا بربط أيدينا وعصبوا أعيننا ورقمونا وبدأوا بتعذيبنا، أجلسونا على الرصيف وجاء الجنود وقاموا بضربنا بأسلحتهم، وانهالوا علينا بسيل هائل من الشتائم بأوسخ الألفاظ وأقذرها. ثم اقتادونا عبر آلياتهم إلى سجن عناتوت، وهو يبعد عن القدس نصف ساعة تقريبًا، كنا نواسي انفسنا بسماع صوت الأذان المقدسي، وندعو الله أن يكون الفرج قريب، فبمجرد وصولنا للسجن جرونا على أرضية من الزلط، شبحونا وعلقونا واستمروا بضربنا، لم أكن قادرة على التحدث مع أخواتي، لم نكن نعرف ماذا نقول، نشعر بألم بعضنا دون كلام، كنا معصوبات الأعين طيلة الوقت، لم تكن الواحدة منا تعرف أين الأخرى، لم نذق الطعام، كانت حصتنا من الأكل يوميًا خبزتين توست والقليل من اللبنة، كان كلاب الجنود مسلطين علينا طيلة الوقت تعوي في وجوهنا لساعات طويلة".
عاش الأخوات الثلاث هذا الوضع لأسبوعين كاملين، بكل وحشية وعنف لم يسلموا أبدًا من بطش جنود الاحتلال وتعذيبهم، "جاءتني الدورة الشهرية، طلبت من المجندات فوط صحية، فقوبل طلبي بالرفض، واستمروا بإهانتي والاستهزاء بي، وبعد ساعات من الضحك أحضروا لي الفوط"، قالت شيماء وهي تخبىء بيديها.
بعد أسبوعين من الحبس، عرف أهلهم مصيرهم فقد وصلت أخبارهم عبر الصليب الأحمر، بعد قرابة الخمسين يومًا، كانوا أياما من الجحيم كما تصفهم إيمان، تتابع بعد أن هدأت قليلًا "أفرج عنا لأنه لا يوجد علينا أي تهمة. ومن معبر كرم أبو سالم، بقينا في رفح مدة من الزمن، بعد ذلك نزحنا إلى دير البلح في وسط القطاع، بقيت أنا وأخواتي شيماء وسهاد، ومعنا زوج أختي سهاد وابن أخي، اللذان تم ترحيلهم من مستشفى المعمداني إلى رفح في يوم اعتقالنا، باقي العائلة بقوا في غزة، لي ثلاثة أولاد وثلاثة بنات، ولأختي سهاد ولدين، لم نراهم منذ ذلك اليوم الأسود، لقد فتك بنا الفراق والاشتياق يكوي قلوبنا، وما زالت الكوابيس تزورنا دائما لأيامنا التي عشناها في السجن، وعذاباته التي لا نعرف متى سنشفى منها".
مواضيع ذات صلة
جنين تحت النار
"الخارجية" ترحّب بتقرير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بشأن المستوطنات
السفير أبو جيش ونائب وزير الخارجية التركي يبحثان تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين
سلطة النقد تخرج الفوج الثالث من أكاديميتها
دراسة للهلال الأحمر: النزوح والحرب وراء تفشي الجرب والقوباء بين أطفال غزة
سعد يدين جريمة الاحتلال بحق عدد من العمال جنوب الخليل