عاجل

الرئيسية » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 22 كانون الثاني 2025

ياسمين ورمضان الموحش بعد "زين" وزينة وفرح !

غزة - الحياة الجديدة- مشيرة توفيق- على مقربةٍ من شهر رمضان الثاني، بعد شن جيش الاحتلال الإسرائيلي حربه على قطاع غزة في السابع من أكتوبر 2023، جلست ياسمين (40 عامًا) بجسدها النحيل وعينيها الغائرتين في صفحة وجهها من فرطِ البكاء حزنًا، تتذكرُ الأيام والليالي التي مرت دون أن تمسحَ بيدها على رأس طفلها البكر زين (12 عامًا)، ذي الشعر الناعم المُنسدل، ومن تحته عينان برّاقتان تتوقان كل عام لتعليق الزينة وشراء الفوانيس ذات الأغنيات: "حالّو.. يا حالّو".
تقول ياسمين: "رغم صغر سنه، طالما وفّر زين مصروفه الشخصي في سبيل غمر البيت بالأجواء الروحانية اللطيفة، يشتري الزينة، ويعلّقها، ويقتني مع أخوته الفوانيس المبهجة، ولا ينسى أن يعينني على إعداد الإفطار والسحور يوميًا، ثم هكذا في غمضةِ عين تركني لوحشة الأيام، وحيدة، كمن سُلِخَ نبضه عن قلبه، لا أحبُّ أن يدور الزمان، ويأتي الشهر، فأتذكره وأتخيله، وأفقدُ قدرتي على دفع الأيام للأمام، لشهر رمضان قبل الحرب ذكريات، وبعدها ذكرياتٌ أُخَر".
كان الثالث عشر من أكتوبر 2023، يومًا فاصلاً في حياة عائلة ياسمين، عندما قصفَ جيشُ الاحتلال الإسرائيلي منزلاً مجاورًا للعمارة السكنية التي تقطنها بمخيم النصيرات وسط قطاع غزة، فشعرت بالخوف، وفرّت هاربةً من منزلها لمنزل أختها حيث أقامت لأيام قبل أن تنجو وأسرتها مجددًا من قصف آخر لشقةٍ سكنية قريبة أخرجت طواقم الإسعاف والدفاع المدني زين من تحت أنقاضها سليمًا، فتتخذ قرارًا بالنزوح لمنزل أقاربٍ آخرين.
تتابع ياسمين قولها: "ما زلت لا أعرف كيف مرّت تلك الأيام من عمر أكتوبر ونوفمبر على وجه الخصوص؟، لقد عشنا لحظات تحبسُ الأنفاس، بل تقطعها، جاءت أمي من بيت العائلة في قرية المغراقة شمالاً، إليَّ لتواسيني وتحثني على الاهتمام بصغيرتي التي لم تتم عامها الأول آنذاك، تعلّق زين بطرف ثوبها، ورجاني ووالده طويلاً أن يذهب معها، على أن يعود إليّ عصرًا، وعلى قلقٍ أطلقنا سراحه، فذهب معها".
لم تكن ياسمين تعرف أن الحرص لن يمنع قدرًا، وأن جيش الاحتلال يعدُّ وليمةً من الدماء في القرية التي طالما عُرفت بهدوئها، فما هي إلا ساعات على مغادرة زين، حتّى وصل الخبر بأن الطائرات الحربية سوّت بيت العائلة بالأرض، فوق الصغير وأمها وخمسة من أشقائِها وأربعة من أولادِهم، بلا أي اعتبار لحرمة المدنيين والمدنيات ومنشآتهم.
هنا، تعلّقت ياسمين بحبال الأمل، قالت: "لن أترك وجداني لنار الفقد، هكذا بقيتُ لسنوات أَحثُّ الضحايا ممن أقدم لهم الدعم في المؤسسات التي أعمل فيها مرشدةً نفسية"، وبالفعل ظلّت تنتظرُ معجزةً تُنبّئُها بأن الأحباب ما زالوا على قيدِ الحياة، تمنّت لو أنّ جيش الاحتلال طلب منهم أن يخرجوا من المنزلِ قبل تدميره، فجريمة أهون من جريمتين، قالت: "لو أنهم أُصيبوا وتمكّنَ أحدٌ من إسعافِهم"، وكان كلُّ اتصال على هاتفها الخليوي، يُحرّكُ قِدْرَ الشوقِ فوقَ نارِ الانتظار.
بقيت الجثامينُ تحتَ الأنقاض، خلال ذلك الوقت جفَّ الحليب في صدر الأم، رغم أنفها، وواجهت عائلتها أزمة جديدة في حصول صغيرتها على الغذاء تزامنًا مع انقطاع حليب الأطفال من الأسواق، وانقطاع غاز الطهي، والسلع التي يمكن من خلالها إعداد طعام مناسب لطفلة كفلت لها اتفاقية جنيف الرابعة حمايةً خاصة، كانت لِتَحُولَ دونَ مقتلِ أخيها، لو أنّها في عُرْفِ جيش الاحتلال، ساريةُ النفاذ.
رغم خطورة الأوضاع في الميدان، كانت ياسمين تتركُ كلَ شيء وراءها، وتذهبُ إلى المستشفى يوميًا لتفتّشَ في أروقتها وسياراتِ الإسعاف علّها تجدُ من فقدتهم؛ لكنَّ الوداع كما اللقاء لم يعد ممكنًا فبعد تسعٍ وعشرين يومًا انتشلت الطواقم المتخصصة جثث الأحباب متحللة، ورأى زوجها أنها لن تكون قادرة على إلقاء نظرة أخيرة؛ لكي تبقى الصور الجميلة هي الراسخة في عقلها.
لم ينفع البكاء في شيء، كتمت ياسمين على صراخٍ ونحيبٍ في عميق قلبها، أهلكها تفقُّد الصور، شمُّ رائحة الصغير المغادر في ملابسه، غيابُ حضن الأم ومواساةٍ منها في رحيل الأخوة وأبنائهم، فتكوّمت طويلاً في فراشها، ومنذُ ذلكَ اليوم أصبحَ الاكتئابُ رفيقًا لها فرفضت الطعامَ والشراب حتى نَحَلَ جسدُها، وبعد أن كانت تقدم الدعم للجميع باتت هي في حاجته، ولم تجد أسرتها بد من العودة لمنزلها الذي غادرته بحثًا عن الأمان، ثم جاء رمضان الحرب الأول، فحدث ما كانت الأسرةُ تخشاه، في العشرة الأواخر.
تتذكر ياسمين: "خرجتُ فزعةً من باب الشقة بلا غطاء الرأس، بعد أن انهال عليَّ سقف شقتي جراء قصف الاحتلال الشقة التي تعلوني على رؤوس ساكنيها، بصاروخٍ عَبَرَ أربعة شقق سكنية مأهولة بالمدنيين والمدنيات، معظمهم من النساء والأطفال".

 

 تجّلى القهر في حياة ياسمين من جديد، نالت الحرب من حقها في مأوى كفله لها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، تنزوي فيه مع حزنها وآلامها، وصار لزامًا عليها أن تنتقل إلى مكانٍ آخر تتشاركه مع عائلة زوجها، الأمر الذي صعّب عليها كل شيء، خاصةً في اللحظات التي أجبرت فيها مرارًا وتكرارًا على المغادرة، في كلٍ مرة تحلو فيها جريمة النزوح القسري في عين جيش الاحتلال، فيأمرُ بإخلاء المناطق السكنية المزدحمة بالسكان، في ظل أزماتٍ معقدة في مقدمتها منعُ إدخال الوقود إلى القطاع، وشلُّ حركة المواصلات، كوجهٍ من وجوه سياسة العقاب الجماعي.
وتعبّر ياسمين عن إحباطها: "نحنُ عائلة مسالمة، ومع ذلك أكرهنا على النزوح بحثًا عن الأمانِ المفقود في كلِ شبرٍ من القطاع، أتذكر الأسبوعين المريرين الذين قضيتهما في يناير 2024 في خيمةٍ من النايلون في رفح جنوبًا، في أكثر أوقات العام برودة، مع آلاف النازحين من حولي، ثم لأنني لم أحتمل، خاطرتُ بحياتنا وعدتُ لبيتي، لم أعد أثق بأن هناك قانونًا في هذا العالم بوسعنا أن نحتمي به دون وحشية جيش الاحتلال، فلتنظر إلى ما أعشيه، ويكفيك هذا دليلاً".