عاجل

الرئيسية » تقارير » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 16 كانون الأول 2024

جيانلوكا كوستانتيني لـ "الحياة الجديدة": تضامني مع فلسطين وصحفييها انحياز للعدالة الإنسانية

شهداء حرب الإبادة من الصحافيين الفلسطينيين حاضرون بكاريكاتورات الرسام الإيطالي

عبير البرغوثي

بدافع إنساني بحت، ترجم رسام الكاريكاتور الإيطالي جيانلوكا كوستانتيني تضامنه مع فلسطين وشعبها عبر رسومات كاريكاتورية جسّدت شخصيات مئة وثمانية صحفيين ارتقوا شهداء جراء حرب الإبادة الإسرائيلية الممتدة على أكثر من أربعمئة يوم على قطاع غزة.

ما تشهده منطقتنا خاصة والعالم بشكل عام من توترات وكوارث تطال البشر والحجر والشجر في كل مكان، يكاد يشبه أفلام الرعب بكل ما في الكلمة من معنى، فلا الخيال ولا أشد المتشائمين كان يمكن له أن يضع هذا السيناريو الذي لم يبق اية أمور على النحو الذي عهدناه أو كنا نعتقد بأننا على وعي تام بأدق تلابيبه.

وحرب الإبادةِ الإسرائيلية على قطاع غزة، حركت مشاعر التضامن لدى الفنان الإيطالي، ليجسد عبر ريشته وألوانه شخصياتِ ضحايا الحرب من شهداء الحقيقة ورسلها عبر رسوماته التي ينشرها على حساباته في وسائط التواصل الاجتماعي، معبّرًا عن انحيازه لعدالة القضية الفلسطينية، وتضامنه مع الصحفيين الفلسطينيين الذين اغتالهم جيش الاحتلال الاسرائيلي عن سبق إصرارٍ وترصد.

يقول الرسام الإيطالي كوستانتيني لـ "الحياة الجديدة": "عملي اليومي مخصص لحقوق الإنسان، مع التركيز بشكل خاص على حالات الأشخاص المحرومين من حريتهم، سواء في التعبير أو الحركة".

ويضيف "في الصراعات الأخيرة في أوكرانيا وفلسطين، أصبح الصحفيون أهدافا مباشرة، في الماضي أنشأت سلسلة مخصصة للصحفيين في أوكرانيا، وهو عدد صغير نسبيا مقارنة بالصحفيين الفلسطينيين الذين وقعوا ضحايا للصراع".

ويرى كوستانتيني في سياق حديثه لـ "الحياة الجديدة: "أن العمل يلفت الانتباه إلى القتلى في الحرب ومساعدة الناس في البلدان الأخرى على فهم أنه إذا تم إسكات الصحفيين، فلن نعرف أبدًا ما حدث حقا، ومن دون عملهم يصبح من المستحيل التحقق من المصادر أو التحقق المتبادل من المعلومات المقدمة من قبل الجيش الإسرائيلي أو الأطراف الأخرى المعنية، خاصة وأن الصحفيين الأجانب لا يستطيعون الدخول الى قطاع غزة منذ بداية الحرب وحتى اليوم".

هذا الواقع الجديد من الحروب وما يصاحبها من قتل ودمار وتشريد، أخذ معه كل فئات المجتمع، وانخرط في دوامته الجميع كل حسب علاقته وارتباطه وأهدافه وأحلامه، وبين كل هؤلاء كانت الصحافة في مقدمة المنخرطين كشاهد وعين على الأحداث بصغيرها وكبيرها.

وهذا ما أشار إليه كوستانتيني بقوله: "ثمن عال وكبير دفعه الجميع، فمضى على طريق إيصال الحقيقة للناس كواكب لا تعد ولا تحصى من الكتاب والمثقفين والمراسلين، لم ترحم نيران الحروب الاقلام في مكاتب الصحافة، ولا عيون المصورين الذين يصلون الليل بالنهار في اخطر ساحات الحروب، هذه هي تكلفة الصحافة الملتزمة وهذه مخاطر ان تكون اعلاميا همه الاول تقديم شهادة موثقة عنا يدور من احداث مهما كان اطرافها، إن إسكات الصحفيين يعني أيضا إسكات الحقيقة، وحرمان العالم من فهم نقدي ومستقل للأحداث".

"في الوقت الذي أدرك فيه العالم المخاطر والثمن الذي يدفعه الصحفيون من أجل الوصول للحقيقة، خاصة بعد حجم التضحيات التي سطرها الصحفيون جيلاً بعد جيل، أدرك العالم بمؤسساته الحقوقية الدور المتصاعد للصحافة وأهميتها في اظهار الحقيقة والدفاع عن حقوق الانسان في المعرفة، فوفق القانون الدولي، يُفترض أن يتمتع الصحفيون بالحماية، ولتأكيد هذه الحماية تم تحديث اتفاقيات جنيف في عام 1977 بعد حرب فيتنام، للتأكيد على أن الصحفيين الذين يغطون النزاعات المسلحة، باعتبارهم مدنيين ويتمتعون بحمايتهم، دون الصحفيين، لن نتمكن من معرفة النطاق الكامل للحروب، سواء من خلال الروايات المضادة للحرب والسرديات الصادرة عن الاطراف، وما يشهده العالم من تقنيات وأدوات للتضليل الإعلامي تكاد تختفي معها معالم الحقيقة ومعالم المدانين"، يقول كوستانيتني.

ويضيف: "لقد صدقت الحكمة القائلة إنه: كلما قُتل صحفي في الحرب، نفقد جزءًا من الحقيقة، ولا شك أن الحرب المستمرة في غزة ألحقت أضرارًا غير مسبوقة بالصحفيين، إلى جانب دمارها الشامل لكافة مناحي الحياة، حتى يخال للعين بأن غزة ليست مكانًا مؤهلاً للحياة مهما كانت، ولا أدل على ذلك من تتبع حجم الخسائر البشرية ومن ضمنها الشهداء من الصحفيين، فوفقًا للجنة حماية الصحفيين، إن هذا الواقع هو الأخطر على الصحفيين منذ أن بدأت اللجنة بجمع هذه البيانات في عام 1992".

ما يثير المزيد من أجواء المخاطر على الصحفيين ان التهديدات والأثمان امتدت لتصل الدائرة الاجتماعية المحيطة بالصحفيين سواء خلال تغطياتهم الميدانية او حتى اثناء تواجدهم مع أسرهم او في بيئة العمل، لم تعد هناك مساحة زمنية او مكانية للحماية من الخطر، والأصعب غياب المساءلة والمحاسبة ما يطلق العنان للمزيد والمزيد من الاستهداف، ليشمل الإنسان والكاميرا والكلمة لإسكات وإغلاق عيون الشواهد في ظل منطق القوة ووضع ذلك ضمن ضرورات الحرب والأمن.

هكذا يرى الفنان الايطالي بعيونه حال الصحفييين في الاراضي الفلسطينية: "التزامي كفنان وناشط سياسي بتصوير ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان حول العالم، والمساهمة في رفع أصواتهم من خلال الرسم لا يهدف إلى استعادة ما فُقد؛ فهذا مستحيل، بل هو بمثابة عرض توثيقي وإيماءة رعاية لذكرى من لم يعودوا معنا والذين اختاروا مهمة الشهادة كرسالة لهم في هذه الأرض، إنه عمل يشبه حوارًا بين الأحياء والأموات".

ويختم حديثه بالقول "الصحفيون والإعلاميون لا يعملون من أجل أنفسهم، بل لتوثيق الآخرين، رسوماتي عن هؤلاء الصحفيين هي شكل من أشكال الامتنان العميق، ورغبة راسخة في ألا نتخلى عن وجه أحبائنا، حتى لو لم نلتقِ بهم، وحتى لو لن نعرفهم الآن، والغرض من رسوماتي عن هؤلاء الصحفيين أيضًا هو ألا ننساهم".

هذا التضامن الذي عبر عنه الرسام جيانلوكا كوستانتيني ، لم يكن الاول فعلى مدار مسيرته المهنية كانت فلسطين حاضرة في ريشته وألوان رسوماته، ليكون واحدًا من مئة رسام إيطالي أعلنوا عن ذلك.

صمّم كوستانتيني، العديد من الملصقات التي تحمل مضامين مؤيدة لحقوق الشعب الفلسطيني خلال العقدين الماضيين، منها ملصق نفّذه عام 2002 بعنوان "كفاية" تضامنًا مع مروان البرغوثي إثر اعتقاله خلال انتفاضة الأقصى، حيث لا يزال أسيراً في سجون الاحتلال حتى اليوم.

كما نشر ملصقات أخرى تدين المجازر الإسرائيلية وسياسات الفصل العنصري، ونشر أعماله التي خصّص معظمها لانتقاد حملة القمع التي تقوم بها قوات الشرطة ضدّ المحتجين في عدد من جامعات الولايات المتحدة.

وفي مقال نشَره على موقع "الديمقراطية الآن للعالم العربي" (DAWN)، كتب كوستانتيني: "مع تآكل كرامة وإنسانية الشعب الفلسطيني، وإنكار حقوقه، تمرّد الطلاب في العديد من المدن حول العالم مطالبين بالعدالة للفلسطينيين ووضع حد للحرب الانتقامية الوحشية التي تشنها إسرائيل في غزة. الطلاب في 'أكاديمية الفنون الجميلة' في مدينة بولونيا الإيطالية، حيث أقوم بالتدريس، طلبوا إنهاء التبادل الأكاديمي مع 'كلية شنكار' في تل أبيب، وهي المؤسسة التي تدعم الحرب في قطاع غزة، إلا أن المجلس الأكاديمي للأكاديمية رفض إنهاء الشراكة. لقد دعمت طلب الطلاب، ليس فقط من خلال رسم احتجاجاتهم ولكن من خلال التظاهر إلى جانبهم".

جيانلوكا كوستانتيني فنان إيطالي، ورسام كاريكاتير، ومصور، وناشط تعرفه العديد من المنصات عبر مشاركته العديد من المنشورات والروايات المصورة في موضوعات مهنية مهمة، كما يعرف عنه تعاونه مع منظمات مثل لجنة حماية الصحفيين، وأكشن إيد وغيرها، جهود ومبادرات أهلته للحصول على جائزة الفن وحقوق الإنسان من منظمة العفو الدولية في عام 2019.

مئات وربما آلاف الاسماء التي اغتالتها الحروب، حالات إنسانية تغص بها صفحات الصحف بأسماء هولاء الذين يستحقون التخليد، وهذه هي المساحة التي انطلقت منها مبادرات لتخليد دور وذكرى تلك الكواكب الاعلامية لتبقى في ذاكرة الجميع على مر العصور.

كل جهد لوقف المقتلة وحماية الارواح وخلق ظروف للأمن والاستقرار يستحق الثناء والتقدير، فهذا الفنان حمل هذه الرسومات في احتجاجات ضد الحرب في أتلانتا وسياتل، لتصبح الرسومات جزءًا من الاحتجاجات، ممسكةً بأيدي المواطنين الذين يتظاهرون في أماكن بعيدة للمطالبة بالحق والعدالة، والمطالبة بوقف إطلاق النار في غزة.

رسام الكاريكاتير والفنان الإيطالي جيانلوكا كوستانتيني يرسم الجميع وكل شيء: الكوميديا السياسية والصحافة المصورة، وحتى الرسوم التوضيحية الرياضية.

لكن عمله الذي يسلط الضوء على انتهاكات حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم، والذي لفت الانتباه إلى النشطاء والصحفيين المعتقلين، هو ما أكسبه تقديرًا دوليًا، بما في ذلك جائزة منظمة العفو الدولية للفنون وحقوق الإنسان لعام 2019.

كوستانتيني هو فنان مُدرَّبٌ تدريبًا كلاسيكيًا من شمال إيطاليا، تخرج من أكاديمية الفنون الجميلة في رافينا، خاض تجربة الرسوم الكاريكاتورية السياسية بشكل بسيط في البداية منذ حوالي عقدين من الزمن، حيث بدأ برحلة إلى سراييفو.

يتعاون في الوقت الحالي مع المنظمات غير الحكومية الدولية ومنظمات حقوق الإنسان في مجموعة من المشاريع، لتسليط الضوء على محنة الصحفيين المعتقلين في إريتريا، على سبيل المثال، والمعتقلين الذين يُزعم أنهم تعرضوا للتعذيب في تركيا. ويعمل أيضًا مع فنانين آخرين، مثل الفنانة الصينية المعارضة آي ويوي.

تٌعرض الرسوم الكاريكاتورية الخاصة بكوستانتيني في مجموعة من المنشورات الدولية وعلى حسابه الشهير على تويتر.