شيكات بلا رصيد..قنبلة انفجرت خلال الحرب
30 % نسبة التراجع في تداول الشيكات خلال العام الجاري بسبب التباطؤ في الدورة الاقتصادية

* 9% نسبة الشيكات المعادة لعدم كفاية الرصيد في الشهور العشرة الأولى من العام الجاري بقيمة 1.44 مليار دولار
*4.1 مليار دولار قيمة شيكات رجعت لعدم كفاية الرصيد خلال (34) شهرا
*17307 قضايا مسجلة لدى النيابة العامة خلال ثلاث سنوات بشأن الشيكات المرتجعةبمعدل(16)قضية يوميا
*4342 قضية سجلت منذ بدء الحرب حتى نهاية تشرين الأول الماضي بمعدل (13.5) قضية يوميا
*شهود عيان: القضاة يدرسون كل حالة على حدة ويتفهمون الظروف الاقتصادية الناجمة بفعل العدوان
*اتفاق بين الشرطة والنيابة على تنفيذ القانون..ومحامون يطالبون بتشريعات تلائم الوضع الراهن
*دعوة للتضييق على مانحي الشيكات وتحديد سقوف مالية تتواءم مع المداخيل
كتب: شهد حبايبة وعبد الرحيم غانم وروان دعاس وإسراء رواجبة
إشراف: أ.أيهم أبو غوش
رغم التقدم الذي شهده النظام المصرفي في توفير قنوات دفع إلكترونية وأساليب تمويل جديدة، إلا أن الشيكات ما زالت تحتل النصيب الأوفر في التعاملات المالية والتجارية في السوق المحلي، فهيتعتبر وسيلة دفع آمنة، كونها تحمي كبار التجار من حمل مبالغ مالية كبيرة، ما يقلل من مخاطر التعرض للسطو.
كما توفر لأصحاب الدخل المحدود طريقة مرنة لتسديد التزاماتهم عبر أسلوب الدفعات المؤجلة. علاوة على ذلك تعد وسيلة أمان للتجار لحفظ حقوقهم، لأنها موثقة بأسماء وبيانات أصحابها، لكنها في الوقت ذاته يمكن أن تكون سببا في هضم الحقوق سواء كان ذلك بسوء نية أو نظير تعثر مالي.
شيكات بلا رصيد، مشكلة اقتصادية قديمة جديدة في السوق الفلسطيني، لكنها تفاقمت خلال الحرب الحالية، وخلقت مشاكل اقتصادية واجتماعية وأدت إلى اصطفاف الآلاف أمام القضاء. يكشف هذا التحقيق عن أرقام ضخمة تعكس حجم الظاهرة، فقد بلغت قيمة شيكات رجعت لعدم كفاية الرصيد خلال (34) شهرا (4.1)مليار دولار، وسجلت لدى النيابة العامة(17307) قضايا خلال ثلاث سنوات بمعدل(16)قضية يوميا وإن كانت الأرقام خلال هذه الحرب قد تبدلت لتصل نسبة التعثر إلى 9 %. حديث عن تساهل في تطبيق القانون بشأن هذه القضايا، واتفاق بين الشرطة والنيابة على العودة للإجراءات السابقة وسط مطالبة بايجادتشريعات تلائم الظروف الطارئة الحالية.
أداة تداول ضخمة في التعاملات المالية
تظهر البيانات الصادرة عن سلطة النقد أن تداول الشيكات في عام 2022 بلغ نحو(23.6) مليار دولار، وفي عام 2023 بلغ نحو (24 مليار دولار) اي بمعدل شهري نحو (2) مليار دولار وهو رقم أعلى من الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني في هذا العام والبالغ نحو 17.4 مليار دولار.
ويعتمد المواطنون على الشيك في التداولات المالية نظرا لعدة أسباب من بينها أنها أداة أكثر ثقة لرجال الاعمال من استخدام النقد المعرض لخطر السرقة، لكنه يظل كذلك وسيلة لذوي الدخل المحدود الذين لا يستطيعون شراء احتياجاتهم إلا عن طريق التقسيط.
ويرى المواطن محمد أبو زنط من نابلس أن كثيرا من المواطنين لا يستطيعون شراء احتياجاتهم إلا عبر الشيكات، قائلا" إذا أراد شخص شراء غسالة، ولم يكن يمتلك السيولة الكافية، فإنه يلجأ إلى كتابة شيكات لسداد قيمة الشراء"، منوها إلى أنها تبقى التزاما قانونيا ملزما، يجب الوفاء به في الوقت المحدد، ما يضيف عبئا إضافيا على المدينين في ظل الأوضاع الاقتصادية الخانقة.
وأكدت مؤسسات السلطة الوطنية ذات العلاقة على أن الشيكات ما زالت تعد أداة تداول رئيسية في السوق الفلسطيني رغم حرضها على وضعضوابط لتقليل حجم تداولها، مثل تطوير نظام خاص بالشيكات المعادة، وإنشاء نظام تصنيف يعزز من كفاءة إدارة هذه الأداة المالية. كما عملت سلطة النقد على تطوير أنظمة دفع بديلة تتيح خيارات مثل التقسيط والخصم المباشر. ومع ذلك، فإن الثقافة المالية والحاجة إلى تمويل الأعمال الصغيرة والمتوسطة تساهم في استمرار الاعتماد على الشيكات.
وأضافت سلطة النقد أنها تعمل على مراقبة المصارف لضمان عدم إساءة استخدام الشيكات، كما شددت على الحد من الإفراط في إصدار دفاتر الشيكات للمستهلكين، مبينة أن الهدف هو حماية المواطنين من الاستدانة المفرطة وتحقيق توازن في السوق المالية نحو اقتصاد رقمي أكثر شمولا.
وأكدت سلطة النقد التزامها بتطوير القطاع المالي الفلسطيني وتعزيز قنوات الدفع الرقمية كخطوة ضرورية لتقليل الاعتماد على الشيكات وتحقيق المزيد من الشمول المالي.
ويمكن تلخيص الإجراءات التي اتخذتها سلطة النقد للحد من الاعتماد على الشيكات، بما في ذلك:
أولا: وضع ضوابط على إصدار الشيكات: لضمان الاستخدام المسؤول وتقليل حالات التعثر، تشمل هذه الضوابط تصنيفا يحول حصول العميل على دفرت شيكات إذا ما تم رجوع عدد معين من الشيكات، ولا يتم اخراجه من هذا التصنيف إلا بمعالجة ديونه المتعثره، وتعديل سلوكه المصرفي.
ثانيا: تطوير أنظمة المقاصة والتصنيف: لتحسين إدارة الشيكات المرتجعة وتعزيز الشفافية.
ثالثا: تعزيز أنظمة الدفع البديلة: مثل الدفع عبر البطاقات الائتمانية والخصم المباشر، ما يسهم في توفير خيارات أكثر أمانا وسهولة للمستهلكين والتجار.
ويقول الخبير الاقتصادي د. ثابت أبو الروس"العملاء ذوو التصنيفات السيئة أو الذين لديهم سجل من الشيكات المرتجعة، لم يعد بإمكانهم الحصول على دفاتر شيكات، فبالتالي أصبح الأفراد والتجار أكثر حرصا في التعامل بالشيكات، حيث يخشون عواقب إرجاع الشيكات، ما أدى إلى تقليل استخدامها".
وأكد على دور البنوك في التعامل مع الشيكات المرتجعة، موضحا أنها تتلقى تعليمات من سلطة النقد الفلسطينية، والتي تهدف إلى الحد من استخدام الشيكات وضمان موثوقيتها. ويتم ذلك من خلال السماح بالاستعلام عن الملاءة المالية للعميل قبل إصدار الشيكات، بالإضافة إلى تحديد عدد معين من أوراق الشيكات الممنوحة للعملاء، وتصنيفهم إلى فئات ائتمانية، ما يجبر العميل على الالتزام.
الحرب تنعكس على الأرقام المسجلة
أظهرت البيانات الصادرة عن سلطة النقد أن حجم الشيكات المتداولة في الشهورالعشرة الأولى من العام الجاري بلغت نحو (17) مليار دولار، بمعدل 1.41 مليار دولار، أي نسبة تداول الشيكات تراجعت هذا العام بمعدل شهري نحو 30 % مقارنة مع العام الماضي ما يدل على تراجع كبير في حجم الشيكات المتداولة بسبب التباطؤ في الدورة الاقتصادية بسبب تداعيات الحرب.
وفيما يتعلقبحجم الشيكات المرتجعة لعدم كفاية الرصيد فقد بلغت في عام 2022 نحو (1.147) مليار دولار بنسبة تعثر 6.3 %، أما في عام 2023 فقد بلغت قيمة الشيكات المرتجعة لعدم كفاية الرصيد (1.521) مليار دولار بنسبة تعثر بلغت 6.2 %، أما خلال العشر الأولى من العام فقد بلغت قيمة الشيكات المعادة لعدم كفاية الرصيد نحو (1.44) مليار دولار أي بنسبة 9 %.وبالمجمل بلغت قيمة الشيكات التي رجعت لعدم كفاية الرصيد خلال (34) شهرا نحو (4.1)مليار دولار.
ويقول الصحفي المختص في الشأن الاقتصادي محمد رجوب، إن هذه المبالغ ضخمة تعني تعطيل الدورة الاقتصادية، وهي عبارة عن فقاعة مالية حرمت السوق من سيولة كان يمكن استثمارها، لكن الرقم خام يختلف عن حقيقة التعثر الجدي، كونه نسبة كبيرة من الشيكات المعادة يتم معالجتها بطريقتين: إما بإعادة الشيك مرة أخرى إلى البنك لصرفه، أو بالتسويات الرضائية مع البنك بهدف استعادة التصنيف الائتماني، متوقعا بأن نحو ثلثي هذه الأموال يتم استعادتها من الناحية الفعلية.
ويضيف: الثالث المتبقي عبارة عن ثلاث فئات، الأول تعثر حقيقي بسبب الاضطرابات السياسية والاقتصادية، والثاني عمليات نصب بسوء نية، والثالث هو خلاف تجاري.
وتشير بيانات سلطة النقد الفلسطينية إلى تأثير واضح للحرب الحالية على معدلات الشيكات المرتجعة مقارنة بحجم الشيكات المتداولة خلال الربع الثالث من عام 2024، حيث بلغت قيمة الشيكات المتداولة حوالي 5.5 مليار دولار، مع نسبة 6.7 % من الشيكات المرتجعة بسبب عدم كفاية الرصيد، بقيمة 369 مليون دولار. بالمقارنة، كانت قيمة الشيكات المتداولة في نفس الربع من عام 2023 حوالي 6.2 مليار دولار، مع نسبة مرتجعات أقل بلغت 5.2 %، بقيمة 327.7 مليون دولار.
مواطنون يئنون تحت الحرب
يعانيالمواطنون في الضفة الغربية من أوضاع اقتصادية قاهرة نتيجة الحرب المتواصلة على قطاع غزة والحصار الخانق المفروض على جميع مدن الضفة، والذي بتوقف نحو(200) عامل عن اعمالهم داخل الخط الأخضر، ما أدى الى أزمة اقتصادية غير مسبوقة وأثرت على صعيد تسديد الشيكات المستحقة.
يقول المواطن محمد أبو زنط من مدينة نابلس أنه وعلى الرغم من التزامه التام بتسديد قيمة الشيكات قبل بداية الحرب وحتى تلك التي استحقت خلالالأشهر الأولى من بداية الحرب، إلا أنه انه أصبح غير قادر على تسديد قيمة شيكاته التي منحت بعد ذلك نتيجة انقطاعهعن العمل.
المواطن أحمد عميرةمن مدينة نابلس أحد العمال الذين أجبروا على التوقف عن العمل في الداخل المحتل بسبب الحرب الأخيرة على قطاع غزة، وجد نفسه مضطرا للبقاء في المنزل، هذا التوقف المفاجئ عن العمل أدى إلى تفاقم أعباءه المالية وزيادة التزاماته بشكل كبير، ما وضعه أمام تحديات اقتصادية صعبة.
يقول التاجر عادل السخل، أحد تجار الجملة في مدينة نابلس، إن الشيكات المرتجعة خلقتمشكلة كبيرة في الأسواق، لافتا إلى أن استقبل شيكات مرتجعة بنسبة 90 % من إجمالي الشيكات التي استقبلها من التجار أو المواطنين، بينما لم تكن تتجاوز الشيكات المرتجعة نسبة الـ 20 % قبل الحرب.
ويقول التاجر يزيد ترابي إن"الأوضاع انقلبت رأسا على عقب" خلال الحرب الأمر الذي انعكس سلبا على ارتفاع الشيكات المعادة لعدمكفاية الرصيد.
يشير الخبير الاقتصادي د. ثابت أبو الروسإلى أن ظاهرة الشيكات المرتجعة ليست بالجديدة لكنها تفاقمت مؤخرا بسبب الحرب العدوانية على شعبنا وتداعياتهامن بينها توقف العمالة الفلسطينية داخل الخط الأخضر، حيث كان العامل يصدر شيكات، وعندما توقف مصدر دخله، لم يتمكن من الوفاء بالتزاماته.
كما لفت إلى أن التجارلم يعودوا قادرين على سداد شيكاتهم نتيجة الضرر الكبير الذي لحق بالأسواق المحلية نتيجة تباطؤ الدورة الاقتصادية على نحو غير مسبوق.
محامون وتجار يؤكدون ارتفاع الظاهرة
تؤكد المحامية شهد محسن بأن نسبة الشيكات المرتجعة ارتفعت بشكل كبير في الظروف الأمنية والاقتصادية الصعبة التي يمر المجتمع الفلسطيني جراء الحرب المعلنة على قطاع غزة والعدوان المتواصل على الضفة.
وأضافت بأنه يتم التعامل مع الشيك المرتجع بإرساله للبنك وختمه خلال(30) يوما وإذا تمت عملية الختم قبل سداد القيمة فيتم توجيه تهمة "جريمة اصدار شيك بدون رصيد" لصاحبه بعدها يتم اخطاره لمدة(10) أيام للسداد ومن ثم المباشرة بالإجراءات القانونية لإتمام الشكوى وأكدت شهد بأن هناك تسهيلات من قبل المحكمة المتخصصة بتنفيذ الأحكام المتعلقة بالشيكات المرتجعة والكمبيالات من خلال عدم اصدار أوامر بالسجن بسبب الحرب الدائرة والظروف الصعبة التي يمر بها المواطن الفلسطيني.
ويقول المحامي محمد سقف الحيط، إن هناك ارتفاعا ملحوظا في نسبة الشيكات التي تعود دون صرف خلال الفترة الأخيرة.
من جانبه، أكد التاجر (س.ر)، أحد أصحاب معارض السيارات، أن نسبة الشيكات المرتجعة كانت قبل الحرب 20 %، لكنها ارتفعت بشكل ملحوظ بعد الحرب لتصل إلى 90 %، وهو رقم كبير مقارنة بالأشهر السابقة.
وأشار إلى أن هناك بعض المرونة من قبل الجهات الرسمية في تطبيق القانون بخصوص الشيكات المرتجعة، خاصة بعد تعطل قرابة (200) ألف عامل عن أعمالهم داخل الخط الأخضر بسبب إجراءات الاحتلال. ومع ذلك، فإن أصحاب المعارض يسعون لتحصيل أموالهم، ولا يتم التساهل مع من لا يستجيب لأي اتصال أو مراجعة للشيك، حيث يتم تحويل ملفه إلى الشرطة للتصرف.
(16) قضية يوميا
كشفت الأرقام أن القضايا المسجلة لدى النيابة العامة بشأن الشيكات المرتجعة بلغت(8536) قضية في العام 2021، و(5152) قضية في العام 2022، و(3619) قضية في العام 2023، أي بمجموع (17307) قضايا خلال ثلاث سنوات بمعدل (16) قضية يوميا. ومنذ بدء الحرب على قطاع غزة في 7 تشرين الأول 2013 لغاية نهاية تشرين الاول الماضي بلغت عدد القضايا المسجلة (4342) قضية بمعدل (13.5) قضية يوميا.
غير أن هذه الأرقام لا تنسجم مطلقا مع ارتفاع ظاهرة الشيكات المرتجعة خلال الحرب، ولا تعكس تحسنا على الوضع المالي، لكن المراقبين والمحللين يوعزون ذلك إلى ثلاثة أسباب رئيسية: الأول هو وجود توجهات رسمية (لفترة محددة) لإبداء مرونة مع قضايا الشيكات المرتجعة في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يمر بها الوطن في ظل الحرب، والثاني هو التعاضد الاجتماعي وتفهم أصحاب الحقوق لإمكانية ايجاد حلول ودية وشخصية دون اللجوء للمحاكم، والثالث هو تشديد الحصار والإغلاقات على المدن والقرى الفلسطينية، الذي حال دونتوجه مواطنين إلى المحاكم.
يقول التاجر يزيد ترابي إنه توقف عن استقبال الشيكات منذ بداية الحرب نتيجة الأوضاع الاقتصادية الصعبة، مشيرا إلى أنه يتحلى بنوع من المسؤولية المجتمعية تجاه بعض الزبائن الذين انقطعت بهم السبل وتوقفت أعمالهم نتيجة التزامهم التام قبل بداية الحرب، ولم يقم بتسليم الشيكات إلى الجهات المختصة إلا في بعض الحالات التي لم تتجاوب معه للوصول إلى حل.
ويقول الخبير الاقتصادي د. أبو الروس إن هذا الانخفاض في القضايا المسجلة لدى النيابة لا يعكس تحسنا في الوضع المالي العام، بل يمكن تفسيره بأنه يمثل عدد الأفراد الذين لجأوا إلى النيابة لتحصيل شيكاتهم المرتجعة، لكن التغييرات في سياسات التنفيذ والمتابعة القانونية في عام 2024، خاصة رفض المحاكم استقبال دعاوى تتعلق بالشيكات المرتجعة في بعض الفترات، تعكس تحديات جديدة تواجه الأفراد.
جريمة قانونية ولكن
يعتبر إصدار شيك بدون رصيد جريمة يعاقب عليها القانون، وقد يعرضك لعقوبة الحبس أو الغرامة، لأن الشيك يعتبر أداة وفاء وفق التاريخ المحدد في الشيك، وبمجرد إصدارك له، أنت تلزم نفسك قانونيا بأن يتم الدفع عند موعد الاستحقاق.
ومع ذلك يتحدث مواطنون أن هناك تخفيفا في تنفيذ الإجراءات القانونية المتعلقة بالشيكات المرتجعة لتكون أكثر مرونة أو تسامحا، نظرا للظروف الاستثنائية التي يواجهها الأفراد والشركات في ظل الظروف الراهنة.ويشمل هذا التخفيف تقليل العقوبات المفروضة على أصحاب الشيكات المرتجعة، مثل تخفيض الغرامات أو منح فترات سماح أطول لتسوية المبالغ المستحقة بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة. بالإضافة إلى ذلك، قد تشجع السلطات على التسويات الودية بين الأطراف بدلا من اللجوء إلى القضاء.
يقول المواطن محمد أبو زنط إنه لم يلمس إجراءات قانونية صارمة بحقه خلال فترة الحرب، وأضاف بأنه تواصل مع سلطة النقد وأخبرهم بالوضع الاقتصادي الصعب الذي يمر به، وقد قامت السلطة بحثه على سداد جميع الشيكات المستحقة عليه.
ويقول التاجر (س.ر) إنه يتم إخطار صاحب الشيك وإعلامه بالشيك المرتجع، والقانون هو الذي يحاسب على ذلك. وأضاف أن أصحاب معارض السيارات لا يترددون في البيع بنظام الشيكات، الذي يسيطر على السوق الفلسطينية، حيث إن الامتناع عن التعامل بها قد يؤدي إلى توقف التجارة وتقليل المبيعات.
وأوضح أنه في بعض الأحيان يتم التعامل مع أصحاب الشيكات المرتجعة بشكل ودي، وفي حالات أخرى يضطر للجوء إلى المحاكم، لكنه لا يفضل هذا الخيار إلا مضطرا للحصول على أمواله بسرعة، لتجنب الانتظار لفترات طويلة أو التقسيط لاسترداد الأموال
من جهته، يقول المحامي سقف الحيط إلى وجود مرونة تبديها الجهات المختصة مع أصحاب الشيكات المرتجعة، نظرا لمراعاتها بأن الوضع الاقتصادي مترد في البلد بسبب تداعيات الحرب.
وأضاف" تم وقف إصدار أوامر الحبس من قبل المحاكم، كما خففت الشرطة من إجراءات توقيف الأشخاص الذين بحقهم مذكرات حبس، رغم أن الإجابة الدقيقة على هذا السؤال تظل لدى الجهات المختصة"
أما فيما يتعلق بالإجراءات القانونية المتبعة ضد أصحاب الشيكات المرتجعة، فقد أوضح أنه يتم تقديم شكاوى بشأن إصدار شيك بدون رصيد لدى النيابة العامة، حيث يتم التحقيق في القضية وفقا للقانون.
وفيما يخص إمكانية رفع دعوى للمطالبة بتعويضات عن الأضرار الناتجة عن الشيك الراجع، أشار إلى أنه لا توجد سوابق قضائية في هذا الشأن حتى الآن.
ولفت التاجر ترابي إلى أن اللجوء إلى التسويات بين الأطراف يظل أمرا مفتوحا في مثل هذه القضايا، مؤكدا أنه يمكن للطرفين الوصول إلى تسوية ودية، لكن ذلك يعتمد على مدى حرص المتعثر على الحفاظ على سمعته وأخلاقياته في التعامل.
وتقول المحامية محسنإن الشيكات المرتجعة تعد جريمةبموجب القانون، وعقوبتها قانونيا إما الحبس أو الحجز على أموال أصحاب الشيكات المرتجعة لتحقيق الردع والضغط عليهم لسداد قيمتها.
وأضافت أنه في الآونة الأخيرة، وخاصة خلال الحرب المعلنة على قطاع غزة وما تبعها من أوضاع اقتصادية قاهرة، تم إصدار تعليمات خاصة ترمي إلى وقف إصدار مذكرات الحبس التنفيذي لدى غالبية دوائر التنفيذ في المحاكم الفلسطينية في الضفة الغربية.
أما المحامي عبود صبح، فأكد على ارتفاع نسبة الشيكات المرتجعة خلال الحرب نتيجة الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد. وأضاف أن المحاكم لم تصدر أوامر بالسجن بل تكتفي بالحجز على أملاك أو رواتب أصحاب الشيكات المرتجعة. وأشار إلى أن النيابة لم تغير إجراءاتها.
ويشير أبو الروس إلى التداعيات القانونية والاجتماعية للشيكات المرتجعة، حيث يتم رفع قضايا قانونية على مصدر الشيك المرتجع. ومع ذلك، فقد أبدت المحاكم بعض التساهلات منذ بدء الحرب، بسبب إدراكها أن العدوان الإسرائيلي هو السبب الرئيسي وراء ارتفاع ظاهرة الشيكات المرتجعة، وليس بإرادة العميل.
وأضاف أنه بالرغم من ذلك، فإن هناك إجراءات قانونية واضحة وعقوبات محددة، سواء بالسجن أو الغرامة أو تقييد العميل عن إصدار دفاتر شيكات مستقبلية.
المحاكم مزحمة بقضايا الشيكات المرتجعة
(ز.ص)، وكيل لإحدى شركات التأمين في مدينة رام الله، أكد أنه يتابع مئات الشيكات المرتجعة لزبائنه، مشيرا إلى أن أعداد الشيكات المرتجعة منذ بدء الحرب زادت أضعافا عما كانت عليه قبل الحرب نتيجة الأوضاع الاقتصادية المتردية وتعطل فئات اجتماعية عن العمل.
وقال: “المحاكم مزدحمة بقضايا الشيكات المرتجعة”، مشيرا إلى أن المحاكم تطبق القانون وتحاول قدر الإمكان ألا تصل القضايا إلى مرحلة الحبس.
وأكد أن القاضي غالبا يتفاوض مع صاحب الشيك المرتجع للتوصل إلى تسوية تتوافق مع وضعه المالي، حيث يتم تقسيط قيمة الشيك على مدة زمنية أطول وبقيمة شهرية تمكن صاحب الشيك من السداد.
وحول الاختلاف بين الإجراءات القضائية في المحاكم خلال الحرب عما قبلها، وإذا ما كان هناك تخفيف على المواطنين، يقول (ز.ص): “بشكل عام القضاء يطبق القانون، وهم يحاولون تشخيص الوضع المالي لصاحب الشيك وبناء عليه يتم اتخاذ القرار، لكن من الواضح أن القضاة متفهمون لسوء الوضع الاقتصادي.
وادعى أن هناك “واسطات” و”محسوبيات” بين قضية وأخرى، موضحا أن من له نفوذ يستطيع أن يسرع الإجراءات القانونية للضغط على مانحي الشيكات للسداد، أو التخفيف عنهم، ومن لا يملك “واسطة” تطول قضيته في المحكمة.
وأضاف: "هناك مراعاة لطبيعة الحالات بشكل عام. فمثلا، أحد أصحاب الشيكات المرتجعة دخل إلى المحكمة، وعندما نظر القاضي إلى جيبه ووجد علبة سجائر غالية الثمن، قام القاضي باحتساب ثمن علبة السجائر في السوق وتكلفة شرائها الشهرية، وألزم المدعى عليه بسداد مبلغ معين. فمن يشتري علبة سجائر بهذا الثمن يستطيع دفع قسط شهري. لكن إذا ثبت للقاضي أن وضع المدعى عليه سيئ اقتصاديا وأنه تعطل بفعل الحرب، يكون قراره إلزامه بسداد قيمة الشيك على مراحل أطول".
وبين (ز.ص) أن هناك اختلافا في التعامل إن كان صاحب الشيك ذكرا أم أنثى. فعادة، إذا كانت صاحبة الشيك أنثى، يسارع أهلها إلى السداد للحيلولة دون حبسها. لكن للأسف، يوجد نساء حكم عليهن بالحبس، رغم أنهن لسن صاحبات العمل، وإنما أزواجهن أو أقاربهن هم من تعاملوا في السوق بشيكاتهن.
الجهات الرسمية تتفق على تنفيذ القانون
توجه فريق التحقيق إلى النيابة العامة، وطلبوا ردا منها حول المرونة التي تحدث عنها مواطنون ومحامون حول إنفاذ القانون فيما يتعلق بالشيكات المرتجعة، لكن النيابة اعتذرت عن تقديم إجابة.
وفي مذكرةٍ رسميةٍ صدرت بتاريخ 25/11/2024، أعلنت الشرطة الفلسطينية أنه وبناء على تعليمات اللواء علام السقا رئيس الجهاز، تم التعميم على أفرع الإدارات والأقسام والمراكز ذات الاختصاص بأنه تم التوافق مع مكتب النائب العام على العودة إلى الآلية السابقة، والتي تتمثل بعدم إرسال الشكاوى من النيابة العامة إلى إدارة التحقيقات، وإنما إرسال مذكرات إحضار لإدارة الشرطة القضائية مرفق بالطرفين للنيابة العامة لاستكمال الإجراءات القانونية.
وتعقيبا على هذا القرار، صرح المحامي المختص بالأمور القضائية فضل نجاجرة، بأن القرار يتفق مع صحيح القانون، إذ لا يوجد إعلان لحالة الطوارئ، التي يمكن من خلالها تقييد العمل بالقوانين.
وأضاف نجاجرة بأن هناك حاجة لإصدار تشريعاتٍ تلائم الوضع الراهن والاستثنائي الذي تمر به البلاد، على أن لا يتم تعطيل إجراءات التنفيذ الجبري؛ لأن تعطيل هذه الإجراءات يؤدي إلى الفوضى القانونية، ولجوء الناس إلى عصابات التحصيل، وبالنهاية انعدام ثقتهم بالقانون.
وأكد وجود حاجة لتطوير تشريعاتٍ جديدةٍ تتناسب مع الوضع الاستثنائي، لضمان عدم تعطيل الإجراءات القانونية وتفادي الفوضى أو انعدام الثقة بالقانون.
ما الحل؟
تبقى الشيكات المرتجعة لعدم كفاية الرصيد مؤشرا اقتصاديا يعكس واقعا صعبا، فمن ناحية لا يمكن الاستغناء عن الشيك كأداة تداول مالي في ظل الإمكانيات الضعيفة للعديد من الفئات الاجتماعية، كما لا يمكن غض الطرف عن حقوق الأفراد في تحصيل ديونهم، وتعطيل الدورة الاقتصادية.
ويوضحالمحامي عبود صبح أهمية التزام الأفراد بمواعيد السداد وعدم التهرب من دفع المستحقات، مشددا على أن التهاون في ذلك قد يترتب عليه عواقب قانونية صارمة، مثل الإحالة إلى المحاكم، بالإضافة إلى احتمال وقوع مشاكل اجتماعية نتيجة عدم الوفاء بالالتزامات المالية.
ويرى الصحفي الرجوب بأن الحل لمشكلة الشيكات المرتجعة بحل فوري بربط سقوف الشيكات بالدخل المصرح به، فلا يمكن لشخص دخله مثلا خمسة آلاف شيقل أن يمنح شيكا بقيمة مليون من الناحية النظرية، لذا وضع سقوف في هذا الموضوع.
كما يجب علاج هذه المشكلة ولو على حساب حصول تباطؤ اقتصادي محدود، ولكن بعدها يصبح الاقتصاد يرتكز على أسس حقيقية دون الركون لدخل لا يقين بحصوله.
-----------
*هذه المادة تدريبية ضمن مساق" الصحافة الاستقصائية" في جامعة "القدس المفتوحة"
مواضيع ذات صلة
الشيقل يلامس ذروة 30 عاماً.. مكاسب للاقتصاد الفلسطيني تأكلها قيود الاحتلال
الذهب يتجاوز عتبة الـ5 آلاف دولار للأونصة والنفط يواصل الارتفاع
الشائعات تشعل أزمة غاز مصطنعة في الضفة
أزمة الغاز .."التخزين الزائد يساوي الحرمان لغيرك"
أسعار الذهب تقترب من 5 آلاف دولار للأونصة
"الإحصاء": عجز الميزان التجاري ارتفع بنسبة 43% خلال تشرين ثاني الماضي
انخفاض أسعار الذهب في المعاملات الفورية