شادية أبو غزالة.. ريحانة جبل النار

نابلس- الحياة الجديدة- حنين خالد- كانت نابلس ليلة 22 تشرين الثاني 1968، على موعد مع 7 طلقات من المدفع الرمضاني لإعلان ثبوت شهر الصوم كما جرت العادة، لكن الطلقة الثامنة كانت أشد وقعا وأعلى صوتا لقنبلة استشهاد شادية أبو غزالة، لتنال لقب أول شهيدة فلسطينية بعد النكسة.
ورغم مرور 57 عاما على الحادثة، ما زالت شادية حاضرة في زوايا نابلس، وفي قلوب وعقول أهلها وذويها وأصدقائها.
علم اجتماع نضالي!
ولدت شادية عام 1949 في نابلس، وتلقت تعليمها الابتدائي والثانوي في المدينة وتخرجت من المدرسة الفاطمية للبنات، وكانت متفوقة في دراستها، ثم التحقت صيف 1966 بقسم علم الاجتماع والنفس بجامعة عين شمس في القاهرة، ثم قررت العودة إلى جبل النار وإكمال تعليمها في كلية النجاح الوطنية، ولم تنجح محاولات أسرتها في ثنيها عن هذا القرار، خاصة بعد النكسة.
بدأت أبو غزالة نشاطها النضالي منذ الصغر، فانتسبت إلى حركة القوميين العرب عام 1962، وبعد هزيمة 1967، انبثقت عن الحركة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وأصبحت شادية عضوا قياديا فيها.
فضل الشقيق الأكبر للشهيدة، المهندس وائل عدم الحديث عن أخته؛ حتى لا يستذكر ليلة استشهادها، بسبب الألم الذي سببه هذا الفقد له ولعائلته.
أما زوجته د. فيحاء عبد الهادي، الكاتبة والباحثة، فقالت لـ "الحياة الجديدة": "حين تعرفت على الشهيدة، كنت في الأول الثانوي، في مدرسة العائشية، وكانت وصلت من القاهرة بعد سنتها الجامعية الأولى في عين شمس، وقد حطت طائرتها بمطار قلنديا، ورفضت بشكل قاطع العودة لاستكمال الدراسة، بالرغم من محاولات أهلها وأصدقائها إقناعها بالرجوع، وكانت مقولتها الشهيرة: ما فائدة الشهادات طالما لا توجد جدران نعلقها عليها".
كاتمة أسرار
وأضافت: كانت شادية تؤمن بكل أنواع العمل السياسي، أحبت كثيرا قراءة الكتب الفكرية والفلسفية والأدبية والشعرية، وكانت تحب الحياة، كان هدفها العمل من أجل الحياة الأفضل لها ولشعبها، أحبت الشعر وكتبته، ولها مجموعة قصائد، وكانت تحب الأطفال كثيرا، وتعمل لأجل أن يعيشوا حياة كريمة وكتبت الكثير من الشعر لهم وعنهم، كانت تحب الطبيعة ورياضة المشي، وخاصة في نابلس القديمة.
ووفق عبد الهادي، فقد ربطتها علاقة وثيقة بأشقائها وشقيقاتها، وخاصة الكبرى هيام، لأنها هي التي ربتهم بعد وفاة أمهم. وكانت شادية تعمل سرا حيث عملت على تنظيم الشبان، وكانت كثيرا ما تعمل في المناطق الشعبية داخل مدينة نابلس للمساندة، ولم يكن يعلم أحد من عائلتها ولا حتى إخوتها عن عملها التنظيمي، بالرغم من قوة علاقتهم بها.
وتابعت د. فيحاء: لم تكن شادية فئوية، وتعاونت مع التنظيمات كافة والمستقلين، كانت مبتسمة دوما، وتزرع الأمل والتفاؤل بين صديقاتها ولديها إيمان وثقة راسخان أنه مهما حدث من صعوبات لا بد سننتصر. كانت تؤمن بدور المرأة وترى أنها لم تأخذ دورها على كافة المستويات، وعملت لترسيخ دورها الوطني، وهذا ما حدث في حياتها واستشهادها، فقد رسخت دورا فاعلا للمرأة قولا وفعلا.
ووفق عبد الهادي، ما زالت صورة شادية تزين منازل أشقائها وشقيقاتها، وأطلق الكثير من أفراد عائلتها اسم شادية على بناتهم، وهذا دليل على أن الشهيدة ما زالت حاضرة في عقول وقلوب ذويها، وهناك مدارس وشوارع تحمل اسمها، وصدر كتاب "باقية هنا" عن لجنة تخليد ذكرى الشهيدة، يحتوي على شهادات حية من عائلتها ورفاقها ومن قيادات وطنية وأشعارها.
رفيقة درب الشهيدة
ماجدة المصري رفيقة درب الشهيدة، وعضو اللجنة المركزية للجبهة الديمقراطية، ما زالت تستذكر كثيرا من التفاصيل التي تخص الشهيدة، من بينها جنازتها التي شاركت فيها نابلس عن بكرة أبيها، بعدما تمكن شباب المدينة من إخراج الجثمان من المستشفى الوطني عقب اشتباك مع جنود الاحتلال ارتقى خلاله شهيد، حتى لا يتمكن الاحتلال من احتجاز الجثمان في مقابر الأرقام.
ووصفت المصري صديقتها بصاحبة العينيين الصغيرتين اللامعتين اللتين تطلان بحرص وتفقد لكل ما حولهما، وصاحبة البشرة البيضاء المشربة بالحمرة الخجولة، ورشيقة الحركة، ومشرقة الابتسامة، تميزت منذ طفولتها بشخصية قوية مستقلة فريدة من نوعها، وجريئة شجاعة، وخجولة متواضعة إلى درجة أحمرار الوجنتين، صريحة وواضحة، وغامضة متكتمة غير مفرطة في الكلام.
وعرف عن شادية الجرأة المتناهية وقوة العزيمة والغموض الشديد، وابتدأت مسيرتها النضالية وهي في الرابعة عشرة من عمرها.
وتبعا للمصري، فقد استطاعت شادية أن تخفي كليا انخراطها في العمل المنظم، فلم يكن هناك أي تغير في تصرفاتها أو شخصيتها، سوى أنها تزداد صلابة يوما بعد يوم، ونظمت الأفراد وأمنت الاتصالات وجمعت التبرعات، وطبعت منشورات، ولم يكن للعائلة أي علم بكل هذا النشاط.

مواضيع ذات صلة
خوف وقلق وخيام هشة… الشتاء يزيد أوجاع الغزيين
سياج الاستعمار يطوق أراضي المواطنين
زيتون غزة .. من موسم عطاء إلى أرض محروقة
اليمين الإسرائيلي في سباق على "قوانين الضم"... توافق على المبدأ واختلاف على الأساليب والتوقيت
مهرجان "بنعمرها" في طولكرم.. رسالة صمود اقتصادي في وجه الحصار
الفقر والنزوح وانعدام الأمن الغذائي كوابيس تلاحق الغزيين
بداية موسم مشتعلة