عاجل

الرئيسية » تقارير » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 31 تشرين الأول 2024

أم العبد.. جوهرة سوق جنين العتيق

جنين- الحياة الجديدة- عبد الباسط خلف- تجلس الثمانينية غضية عارف بزور، عند الزاوية نفسها لحسبة جنين القديمة منذ 51 عاما، لتسويق بضاعتها.

وتعتمر أم العبد، كما يعرفها تجار السوق العتيق وزبائنه، كوفية بيضاء فيما تشاركها تجاعيد عميقة في الوجه، وتختزن سيرة حافلة لسيدة عصامية لأقدم وآخر بائعة ورقيات ونباتات عطرية في جنين كلها.

أبصرت بزور النور في رابا جنوب شرق جنين، عام 1940، والتصقت منذ طفولتها بالأرض، وكانت ذراع والدها الأيمن، وجمعت بين زراعة الأرض، وحراسة حقول البطيخ، والاعتناء بالأبقار والأغنام، ورعاية الدواجن والحمام، وتوفير معظم ما تحتاجه الأسرة ذاتيا، وإعداد الخبز.

 

سيدة الورقيات

وقالت إنها تجلس منذ عام 1973 في المكان ذاته، أمام حانوت رفيق دربها صالح عبد القادر الرزي، الذي رحل قبل 20 عاما، وتهتم بكل تفاصيل الورقيات والأعشاب، فتقطف ورق الملوخية والزعتر، وتنزع الأجزاء غير المحببة من البامية، وتحضر الفول والبازيلاء، وترتب بعناية أوراق العنب، وتهتم بأدق التفاصيل للعلك والبقدونس والفجل والنعناع والجرجير واللوف والجعدة وعديد الورقيات الصيفية والشتوية، وتبيع السمسم واليانسون والعدس، وتجفف الملوخية والبامية والجعدة واللوف حسب الطلب، لكن ذلك تراجع اليوم.

 

بين جيلين

وقارنت أم العبد، الأجيال السابقة من النساء بفتيات اليوم، فقديما كانت المرأة مهتمة بكل تفاصيل المنزل، فترعى الأبناء، وتعمل في الأرض، وتخزن مئونة البيت لفصل الشتاء، وتحضر الخبز بالطابون، وتملأ الماء من الينابيع والآبار، وتبحث عن الحطب من الجبال للطهي، وتتولى شؤون الأغنام والأبقار والدواجن، وتعد النار لتدفئة المنزل شتاءـ

وتحضر الصابون البلدي ورب البندورة والسمن والجبن والبرغل والكثير من احتياجات البيت، وتساعد والدتها في صناعة جرار الماء من الطين، وتهتم بالخوابي (أمكنة من الطين أو الصفيح لتخزين القمح)، وكانت بارعة في إعداد خبز الذرة والشعير (كراديش).

وأشارت إلى أن الأجيال الصاعدة لم تعمل بالأرض، وظلت بعيدة عنها، ولم تتعب من أجل توفير الطعام والشراب، وهذا برأيها سبب المشكلة في قلة الحيلة وكثرة الأمراض والعلل.

وأضافت أنها لا تشعر اليوم بالغربة في السوق، رغم أنها وحيدة بعد رحيل زميلاتها في المهنة: رقية أبو النافع، ونظمية مروح، ونورة أم جابر، وهي بعيدة عن زكية بائعة الفواكه الوحيدة في السوق الشرقي الملاصق للمسجد الكبير.

تشتغل بزور اليوم برفقة ابنها الوحيد عبد القادر، 45 عاما، فيما لم تعمل في السوق بناتها الثلاث: سعاد، وعفاف، وباسمة، بينما كان زوجها يتاجر قبل وفاته بالعطارة وبالمواد الغذائية، في المتجر نفسه الذي لم يتغير عليه أي شيء.

 

أحوال وإضرابات

وأفادت أن حال جنين تبدل أمامها، فقد اختفت الكثير من الأصناف والمعاملات التجارية، فلا بيع اليوم بالمقايضة، ولا يمكن شراء السمن والطحينة والدبس بالصحن. بينما ظهرت أنواع جديدة كالأفوكادو والشومر غير البلدي، وصارت الخضراوات وورق العنب في غير مواسمها عقب انتشار الدفيئات، بينما قديما لم نكن نشاهد البندورة إلا في الصيف وما يعرض من حباتها المجففة خلال انقطاعها شتاء.

وشهد السوق أيام مد وجزر، كما استذكرت بزور، فقد راجت خلال انتفاضة عام 1987 الإضرابات التجارية، ثم صار جيش الاحتلال يطلب من أصحاب المتاجر فتحها بالقوة، بعدها صار يجبرها على الإغلاق، كما تكررت الإضرابات بعد انتفاضة عام 2000، وتعيش اليوم على وقع اقتحامات مستمرة، وتفتقد زبائنها من الداخل المحتل، الذين غابوا منذ أكثر من عام.

وأكدت أن الأسعار ارتفعت كثيرا، فقديما كان يمكن شراء كيلو ورق العنب بـ 3 شواقل، لكنه في وقت كهذا، وبعد انتهاء الموسم وشح الورق يحتاج 50 شيقلا.

تناصر أم العبد تجفيف الخضراوات، فهي كانت تتقن ذلك مع البندورة، وفي قلائد البامية والفلفل والجعدة واللوف وغيرها، ولا تفضل التخزين بالتبريد والتجميد، وتستخدم هاتفا متنقلا غير ذكي، ولا تعرف عالم الإنترنت.

تبدأ بزور نهارها عند السابعة والنصف وينقضي بتسويق ما يحضره ابنها عبد القادر من ورقيات وطلبيات، ولم تخرج في إجازات إلا لتأدية فريضة الحج مرة واحدة والعمرة ثلاث مرات، وتحرص على زيارة شقيقها في الأردن، وتستغرب من ظواهر لم تكن شائعة قديما كتوفير مستلزمات باهظة الثمن في المتاجر للعناية بالكلاب والقطط، وتوقف الناس عن تخزين القمح والطحين، والإفراط في شراء كماليات، وهجرة الأرض.

بدوره، قال عبد القادر، إنه يشعر بالفخر بوالدته وكفاحها، فهي تعمل قبل ولادته، وساعدت والده رحمه الله، وهي مكافحة وعصامية، وصارت أحد أركان السوق، وحين تسافر نشعر بالفراغ الذي تتركه.