عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 30 أيلول 2024

يوسف أبو دُرَّة.. الثائر المنسيّ

جنين- الحياة الجديدة-عبد الباسط خلف-  يطلق مواطنون من سيلة الحارثية، شمال غرب جنين، على ابن بلدتهم يوسف سعيد كامل جرادات، المشهور بأبي درة لقب "الثائر المنسي".

فوفق ما يؤكدون، لم ينل أحد قادة ثورة عام 1936 حقه في تداول سيرته أو نشرها، وخاصة بين الأجيال الشابة، وبقي في الظل.

لكن دارسة الاجتماعيات رفيقة حسن أحمد، قررت عام 2007 تكريس بحث تخرجها في جامعة القدس المفتوحة لتتبع سيرة ابن بلدها، فعادت إلى 16 مرجعا، وساعدها زوجها المهندس راغب زيد في جمع 8 شهادات شفوية عن أحد قادة ثورة مجابهة الاحتلال البريطاني، الذي لم ينل حقه في التاريخ.

واختزلت الباحثة، لمناسبة السنوية الخامسة والثمانين لإعدام أبي درة، في القدس، عقب اعتقاله خلال محاولة العبور من سوريا إلى فلسطين لإنعاش الثورة، التي تسلل إليها اليأس بعد فقدان رموزها، ونقص تسليحها.

وقالت، وهي تتصفح أطروحة تخرجها: إن أبا درة ولد في سيلة الحارثية عام 1900، لأسرة فقيرة وصغيرة، بينما عمل والده في الزراعة ورعي الأغنام بالعفولة، ولم يكن له غير أخت واحدة (خزنة) وأخ غير شقيق (مصطفى)، ونال لقبه من اسم زوجة والده (درة).

 

سبعة رجال

وتابعت: إن جرادات انتقل بعد تعلمه الأساسي من بلدته إلى حيفا؛ للعمل في سكة الحديد، وتعرف على الشيخ القسام في جامع الاستقلال، وأصبح من رواد حلقاته التي جمعت بين الدين والثورة، حتى صار أحد الأركان السبعة المساعدين للقسام: العبد قاسم، وسليمان عبد الجبار، وعلي محمود زعرور، وأبو إبراهيم الكبير، والشيخ فرحان السعدي، ومحمد صالح.

ووفق الباحثة، فإن أبا درة تزوج من أنيسة جرادات، وأنجب 3 أبناء (عبد الرحمن، وعبد الكريم، وعبد القادر) وابنة (جهاد)، وبسبب ضيق يده ومطاردته من المستعمرين، منحت العائلة منزلها (بيتها) لأسرته للإقامة فيه.

وتابعت: خلال وجوده في حيفا اعتقله البريطانيون، ولم يمكث طويلا خلف القضبان، ثم عاد إلى الشيخ القسام ليتسلم مهام عسكرية، وأسس حلقة سرية، وتسلم لجنة من لجان ثورة القسام.

واستنادا لما وثقته، فإن القسام اختار جنين لنشر ثورته، لطبيعة جبالها واتساعها، ولكن بعد وقت قصير وقعت معركة أحراش يعبد نهاية تشرين الثاني 1935، واستطاع أبو درة الانسحاب، واختفى فترة.

وقالت إنه بعد فترة من انتهاء ثورة القسام واستشهاد معظم رفاقه، انضم أبو درة إلى ثورة 1936 مع عبد القادر الحسيني، وحسن سلامة، وعبد الرحيم الحاج محمد، وعبد المجيد المرداوي، الذين قسموا فلسطين إلى 9 مناطق مقاومة.

وأكدت أن جرادات انتقل إلى منطقة جنين التي كانت تضم بيسان بقيادة الشيخ عطية، الذي استشهد لاحقا في معركة اليامون ودفن في السيلة الحارثية، وانتقلت إليه قيادة المنطقة في آذار 1938، ليصبح واحدا من خمسة يقودون الثورة.

 

ديوان ومعارك

واستنادا إلى الساردة ومراجعها، فقد كان أبو درة محسوبا على القائد عبد القادر الحسيني، برفقة مجموعة منهم عزت دروزة ومعين الماضي، ليبرز أبو درة ويكون أحد ثلاثة مع عارف عبد الرازق، وعبد الرحيم الحاج محمد، وشارك في اجتماع بلعا ومؤتمر دير غسانة الشهير، الذي أسس (ديوان الثورة العربية) بقيادة اتفقت على التناوب، هم عارف عبد الرازق، وعبد الرحيم الحاج محمد، وحسن سلامة، إضافة إلى أبي درة.

وقالت رفيقة إنه استلم قيادة ديوان الثورة، بعد عبد الرحيم الحاج محمد، وكان له ختم خاص لإمضاء رسائله. كما انخرط في عديد المعارك، منها معركة المراح قرب حيفا، التي اختطف فيها الثوار عائلة يهودية من 6 أفراد، وأعاد أبو درة أطفالها الثلاثة (شهدت لاحقا الابنة الكبيرة ضده خلال محاكمته وإعدامه عام 1939).

وتبعا للباحثة، كان أبو درة أحد قادة معركة وادي عارة عام 1936، ومعركة أم الفحم في العام نفسه بعد وقف الإضراب الكبير، حيث خطط لتوقيتها عصرا للاستفادة من كون الشمس تشوش الرؤية في وجه المحتلين غربا، وللمباغتة أثناء تبديل مناوبات الجنود، مع تموضع الثوار من الشمال والجنوب، وترك الشرق نحو أم الفحم؛ للإيقاع بالجنود داخل بيوتها، وقد تمكن الثوار بالفعل من قتل 20 جنديا، وفر المستعمرون داخل بيوت القرية وقتها.

ومن سطور سيرة جرادات، أنه أرسل في آب 1937 ابن قباطية، الشاب علي أحمد أبو عين أبو الرب، الذي تمكن من اغتيال حاكم اللواء البريطاني في جنين، (وولتر موفت)، ومساعد لواء حاكم نابلس في مكتبه بمقر السراي (القيادة) داخل جنين.

وشارك أبو درة في معركة اليامون عام 1938، التي كانت ردا من المستعمرين على مهاجمة الثوار لمراكزهم في جنين، والاستيلاء على أسلحة، وقتل مجموعة جنود، واستخدم الإنجليز الطائرات في المعركة، واستشهد الشيخ عطية، ثم استلم أبو درة قيادة الثورة خلفا له.

 

أسرى و"مستعربون"

وأردفت الباحثة، أن الثائر المنسي قاد معركة أم الدرج في 9 حزيران 1938، وكان مهندس الهجوم على سجن عتليت جنوب حيفا، في 17 آب من العام نفسه، بمشاركة المئات من الثوار على رأسهم سليم الصعبي ويوسف الحمدان، وقد بدأت المعركة باحتلال منزل مجاور للسجن، وفتح عدد من الثوار النار على مراكز حراس السجن، وكمنوا للنجدات البريطانية القادمة، واشتبكوا معها من الشمال والجنوب، واستمرت المعركة 3 ساعات، وانسحب بعدها الثوار إلى جبل الكرمل، بعد أن قتلوا 20 بريطانيا وضابطا يهوديا، وتحرير جميع الأسرى، وأسر نائب مدير السجن البريطاني وزوجته وصهره وأطفاله الثلاثة.

وأكملت: قاد أبو درة معركة قرية بريكة، ووقف على رأس معركة أم الزينات، نهاية تشرين الثاني 1938، وقتل الثوار 35 جنديا خلال تسللهم إلى جبال محيط حيفا الوعرة، وأسقطوا طائرتين، وأشاع الإنجليز استشهاد أبو درة، لكنه رد ببيان نفي.

وأكدت فارس أن معركة سيلة الحارثية في كانون الثاني عام 1938، يمكن اعتبارها أول مرة يتقمص المستعمر البريطاني شخصية الثوار للإيقاع بهم، كالمستعربين وفرق الموت اليوم، ولم يكشفهم غير عدم إجادة نطقهم لكلمة السر بين الثوار (رحمن)، التي نطقوها (رهمان)، وقتلوا عددا منهم.

 

نجم وسماء

ومما غناه الشاعر نوح إبراهيم حول القائد جرادات: "فلسطين لا تفزعي نجمك في السما درة، حولك فوارس يوم المواقع درة، ما يهابوا الموت ولو ما بقي ذرة، ثوار حايزين النصر صيتهم بالدنيا لمع، يهاجموا الأعداء وسيوفهم تضوي لمع، إسلام ونصارى نجمهم بالسماء لمع، يا رب نصرك ما دام رئيسهم أبو درة".

وتقول الباحثة: انتقل أبو درة بعد ضعف الثورة وتلقيها عدة ضربات وتوقف تسلحها إلى سوريا، لكنه عاد إلى فلسطين عبر الأردن، واعتقل في 25 تموز 1939 وسجن في الكرك، ثم نقل إلى القدس، وحكم عليه بالإعدام في 30 أيلول 1939، وأحضر المستعمرون جثمانه من القدس إلى مسقط رأسه على ظهر مصفحة، وخرجت له جنازة مهيبة، كانت محاطة بسعف النخيل، ومحمولة على الأكف، وبهتاف أهالي بلدته والتجمعات المحيطة، ومشاركة النساء، ووري الثرى بجوار مقام الشيخ أبو ربيع العبيدي.

واختتمت، رفيقة الحاصلة على شهادتين في الاجتماعيات والعلوم المنزلية، بالتأكيد على أن الأجيال الشابة لا تعرف قاماتها وقادتها، الذين كان لهم الباع الطويل في مقارعة المستعمر البريطاني، وأنها تأمل في جمع المزيد من الشهادات حول أبي درة، والالتقاء بأحفاده المقيمين في المهجر.