عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 28 أيلول 2024

"علي الكاز".. عميد أصحاب محطات الوقود

جنين- الحياة الجديدة-عبد الباسط خلف- يرافق الثمانيني علي أمين أبو عودة مهنة تعبئة الوقود وبيعه منذ 69 عاما، مثلما منحته حرفته لقب (الكاز)، وأصبح من قدامى مالكي ومشغلي وموظفي محطات المشتقات النفطية في فلسطين، وصار مرجعا للتغيرات التي عصفت بالمركبات والبترول ومحطات التعبئة.

وقال ببشاشة وسرعة: دخلت هذه المهنة في نيسان 1955، وتنقلت بين محطتين، وأسست عملا خاصا، وكنت أبيع الكاز والسولار بمقاييس التنك القديمة، وأواصل عملي وقد تغير كل شيء من حولي، ولو أحسب الوقود الذي عملت لصرت اليوم صاحب بئر نفط.

أبصر أبو عودة النور أواسط أيار 1941 في العفولة، ثم انتقل إلى المقيبلة التي سقطت عام النكبة، وهجر منها ليقيم قليلا في دير أبو ضعيف، ثم ليستقر في برقين غرب جنين.

بعدها، شرع في العمل بمحطة عبد الرحيم جرار (السياسي وعضو مجلس النواب الأردني لأربع دورات، والمجلس الوطني الفلسطيني لثلاث دورات، ورئيس بلدية جنين)، ثم انتقل بعد عشر سنوات إلى محطة أنيس النفاع حتى عام 1972، ليطلق مشروعه الخاص مطلع الثمانينات وحتى اليوم.

 

لقب ومقاييس

وروى: أطلق علي محمود صالح خلف لقب (الكاز)، وصرت افتخر بهذا الاسم منذ  عقود، ولا يعرف أغلب الناس اسم عائلتي الحقيقي، وكنت أبيع الكاز والسولار في مخزن بجانب بقالتي الصغيرة، ويفتخر أولادي باللقب، ويضعونه على (فيسبوك)، وسمي ابني ناصر بقالته (الأويل)، نسبة إلى النفط والكاز.

ووفق "الكاز"، فإن النفط قبل النكسة كان "بتراب المصاري"، إذ تراوحت تكلفة تنكة الكاز (20 لترا) 22 قرشا، وتنكة السولار بالقيمة ذاتها، أما البنزين فكان يباع بـ 77 قرشا. وكان الوقود يصل الأردن عبر ميناء العقبة أو من بيروت، ثم ينقل بصهاريج إلى الضفة الغربية، وليبدأ أصحاب المحطات بتسويقه بنظام (التنكة) التي تقلصت لاحقا إلى 18 لترا، وكانت تقسم إلى أنصاف وأرباع وفق رغبة الزبائن.

ومضى: لما دخلت العدادات، فإنها كانت تحتسب اللترات دون إشارة إلى النقود، التي تجري جبايتها يدويا في محطات تعمل 24 ساعة يوميا، وتدار بمحرك يدوي قبل وصول الكهرباء.

واستذكر تركه محطة المحروقات في صباه، وذهابه إلى المقهى القريب للعب الورق واحتساء القهوة، يوم كانت السيارات بعدد أصابع اليد الواحدة، وترى في المناسبات السعيدة.

 

أسعار ملتهبة

وأكمل: بدأت أسعار الوقود ترتفع بعد النكسة، و"التنكة" اليوم من السولار زادت أكثر من 100 ضعف في ثمنها، أما السيارات فأصبحت لا تعد ولا تحصى، وكانت جنين بثلاث محطات تعبئة أما الآن فيتجاوز العدد 20، ولم يكن في بلدي غير مركبتين، أما اليوم فهناك بيوت فيها 3 أو 4 سيارات.

والطريف، حسب أبو عودة، أن الجرارات الزراعية والثلاجات كانت تدار بالكاز أيضا، فيما كان استهلاك بلدته كل شهر ثلاثة آلاف لتر للتدفئة على الحطب، وإمداد الفوانيس بزيتها، أما اليوم فلم يعد السائل الشفاف يطلب إلا صدفة، حتى توقف عن بيعه قبل 7 سنوات.

وزاد: لم نعرف على طرق بلدتنا غير حافلة واحدة لشركة الشخشير التي جاءت من نابلس، ولم تملك القرى الشرقية لجنين سوى سيارتين، وعرابة أربع، وقباطية خمس، واليامون 3، وكفر دان واحدة، ولم تكن بلدات وقرى كثيرة تعرف إلا الباصات التي تذهب مرتين أو ثلاثا. أما الركاب فكانوا يدفعون وقتها قرشا واحدا أو قرشا ونصف القرش، ولم يكن في جنين من شرقها إلى غربها سوى جرار زراعي واحد لإحدى الجمعيات التعاونية. وكنا نملأ خزانات الوقود للسيارات الأربع التي تعمل على طريق جنين- عمان- بيروت- الشام، وكانت تحتاج السيارة إلى دينارين ونصف لإكمال مخزنها، وطوال النهار والليل كانت مبيعات المحطة لا تتجاوز 25 دينارا.

 

رواتب وروائح

حصل الكاز على أربعة دنانير كأجر شهري حتى عام 1960، ثم تضاعف الراتب إلى ثمانية عام 1972، واليوم يدفع أكثر من 400 دينار شهريا لموظفي خدمات التعبئة في محطته.

وأفاد: صارت رائحة المحروقات عادية لي، ولم أعد أشعر بها، ولا أنسى السيارات التي كان يصمم لها أصحابها الأضواء الجانبية بطريقة يدوية، فيما كنا نحضر الكاز والسولار ببراميل كبيرة (200 لتر لكل واحد)، ولم نكن نعرف تصنيفات الوقود إلى 91 أو 96 (أوكتان) أو دون رصاص.

وطبقا لأبي عودة، فإن أسعار الوقود مقارنة بالسلع الأخرى كانت قليلة، فكيلو اللحم كان يحتاج وقتها إلى 25 قرشا، ويحصل الحلاق لقاء قص الشعر سنويا على صاع  قمح ( قرابة 2 كيلو و35 غراما) ويحظى بصاعين إذا ما نظف الوجه والرأس معا، بنظام يسمى (المطابلة) أو الصفقة.

و"الكاز"، كما يحبب أن نعرف به، أب لثمانية أولاد وتسع بنات، وجد لـ 93 حفيدا وحفيد حفيد، وأكبرهن تقترب من الأربعين وأصغرهم بعمر عدة أيام، ويحرص على الاحتفاظ بالمكاييل القديمة للوقود، ويتمنى أن تنخفض أسعار رفيق عمره، كي تنفرج أحوال الناس، و"يفللوا" سيارتهم دون حسابات وضائقة.

واختتم: يعمل معي ابن واحد، ولا أعرف عدد أحفادي الدقيق، وقبل سنوات كنت أقدم "الحياة الجديدة" هدية لزبائني.