عندما تنقلب الحياة في لحظة

نابلس– الحياة الجديدة– بشار دراغمة- في صباح بدا وكأنه يوم عادي على صفحة الحياة المعتادة في مدينة نابلس، كانت الأسواق تضج بحركتها المتأرجحة، التجار يعرضون بضائعهم كمن يسابق الزمن في مسيرة لا تعرف الركود رغم كل العقبات الاقتصادية في ظل حصار خانق، هناك بين الأزقة المتشابكة التي تنبض بروح التاريخ، وبين الضجيج اليومي الذي بات جزءا من ذاكرة المدينة، يعرف المواطنون جيدا أن كل شيء قد يتغير في لحظة في ظل احتلال يستهدف المدينة في كل الأوقات.
في لحظة لا تُنسى، علا صوت الضجيج، وتوقفت عقارب الوقت لتترك مكانها لصوت مدو يشق السماء. قوات احتلالية خاصة تقتحم قلب نابلس التجاري.. تلك اللحظة كانت كالكابوس الذي يتجسد أمام أعين المارة، حالة من الرعب والذهول أصابت كل من كان يقف تحت الشمس في تلك الساحة المزدحمة.
في زاوية من زوايا السوق المكتظ، كانت الأم تحاول أن تكون الحصن الأخير لطفلها الذي لم يتجاوز الخامسة من عمره. بين ذراعيها الهزيلتين، حاولت أن تصنع من جسدها درعا بشريا يقيه من هذا الجحيم المتفجر حولهما. الطفل، بعينين بريئتين لم يفهم حتى اللحظة ماذا يجري، كان يبكي بحرقة، صوته يختلط بأصوات الرصاص والصراخ، وكأنه يحاول أن يجد في بكائه ملاذا من هذا الجنون الذي لا يفهمه.
بيديه الصغيرتين، كان يمسك ثوب والدته بكل ما أوتي من قوة، وكأن الثوب كان حبل النجاة الذي سيسحبه بعيدا عن هذا الكابوس. كلما ازداد الرصاص قربا، ازداد التشبث، وزادت الأم اقترابا منه في حضنها، محاولة احتواء خوفه وجسده معا.
كانت تسحب رأسه نحو صدرها، وكأنها تعتقد أن بإخفاء عينيه عن المشهد، ستنجح في إخفاء الحقيقة القاسية عنه، أو ربما كانت تحاول إخفاء الحقيقة عن نفسها، تلك الحقيقة التي كانت تقول إن الخطر يحيط بكل شيء، وإن الرصاص لا يفرق بين طفل بريء وأم مذهولة.
وسط الفوضى التي اجتاحت أرجاء البلدة القديمة في نابلس ومنطقة ميدان الشهداء والمركز التجاري، جاء الرصاص الاحتلالي كأنه طوفان عشوائي لا يُميز بين حجر وإنسان. أربعة مواطنين سُجلوا على قيد الألم، بينهم ثلاثة كانوا وسط الأسواق، حيث كانوا في لحظة عابرة يمارسون حياتهم اليومية، متجولين بين أروقة التاريخ المزدحمة بالبضائع والذكريات.
المصابون لم يكونوا سوى شهود على يوم آخر من فصول القهر الذي تعيشه نابلس. ففي لمح البصر، تحولت الأسواق التي كانت تضج بالحياة إلى مسرح لإصابات ممددة على الأرض، دماؤهم تمتزج برائحة البارود الذي ملأ الهواء.
المشهد كان خليطا من الأصوات: صراخ هنا، وطلقات هناك، وخطوات هاربة تتردد في أرجاء المكان. لم يكن في المدينة خيار سوى الفرار أو الاحتماء بجدران طالما شهدت في صمتها مآسي الاحتلال. العيون اتسعت في خوف، والقلوب تسارعت في نبضاتها وكأنها تحاول الهروب من صدورها في ظل كل هذه الرعب الذي نشره المحتل.
تسللت القوة الاحتلالية إلى قلب نابلس بخبث مدروس، متنكرة في سيارة مدنية فلسطينية، وكأنها شبح لا يرى، اختارت القوة أن تستغل أجواء المدينة الاعتيادية لتخفي وجودها، مدركة أن الشوارع والأسواق لن تشتبه في سيارة تُشبه ما يراه الناس كل يوم. كأنهم أعدوا مسرحا للغدر، يتحركون بين الناس دون أن يثيروا انتباه أحد، حتى اللحظة التي انقلبت فيها الأمور.
ما هي إلا دقائق حتى انكشف الستار، ومعه انفجرت المدينة في فوضى لا تُحتمل. اقتحمت عدة آليات عسكرية أخرى، لتعلن بدء العدوان على الأرض والناس. السيارات المدرعة تتقدم كوحوش معدنية، تملأ المكان بزئير محركاتها وأزيز رصاصها الذي لم يتوقف.
مواضيع ذات صلة
مستعمرون وجنود الاحتلال يهاجمون قرية المغير
مستعمرون يقطعون نحو 300 شجرة زيتون في سهل ترمسعيا شمال رام الله
الاحتلال ينصب حاجزا عسكريا في المغير شرق رام الله
عائلات فلسطينية في تجمع الميتة بالأغوار تفكك مساكنها وترحل بسبب اعتداءات المستعمرين
إصابة شاب برصاص الاحتلال في الرام
الاحتلال يعتقل 4 مواطنين من الخليل
الذهب يتعافى ويتجه لتحقيق مكاسب أسبوعية