المضارب البدوية في الأغوار الشمالية.. حياة شبه مستحيلة
خيام في وجه العاصفة

الأغوار الشمالية- الحياة الجديدة- ميساء بشارات- تحاول الحاجة أم يوسف، بمساعدة زوجها شد حبال خيمتها البالية، ووضع بعض الكتل الترابية وأحجار الحور فوقها، حتى تثبتها كي تصمد في مواجهة العاصفة. تشد الحاجة الستينية خيمتها وتتفقدها وتضمن ثباتها، فقد حصل وأن طارت الخيمة قبل أسابيع عن رأسها وزوجها وهم نيام.
وتقول أم يوسف التي تقطن منذ عقود في منطقة الفارسية في الأغوار الشمالية في محافظة طوباس: "إن لم نضع هذه التثبيتات على الخيمة فلن نستطيع مواجهة المنخفض، فالحياة في الفارسية تفتقد لأبسط مقومات الحياة، عيشة صعبة جدا، خاصة في ظل المنخفضات الجوية التي تزيد الطين بلة".
وتضيف: "ما أن ينزل المطر حتى تدخل المياه على الخيمة، ومع هبوب أي ريح تهدم الخيمة على رؤوسنا، إن لم نثبتها جيدا سيكون وضعنا مزريا وقاسيا".
وتشير إلى أن سلطات الاحتلال تمنعهم من تشييد منزل صغير أو حتى بركس من الزينكو، ليقيهم برد الشتاء والرياح، وفي هذه الظروف لا يستطيعون جلب احتياجاتهم الأساسية، نظرا لعدم وجود بنية تحتية أو شبكة مواصلات واتصالات.
وتعتمد عائلة أم يوسف وغيرها من العائلات في التجمعات البدوية على الحطب والنار لقضاء حاجاتهم، عوضا عن الغاز والكهرباء اللذين لم يصلا إلى منطقتهم بعد.
وتقول أم يوسف: "الناس داخل المنازل يقتنون الغاز والكهرباء ووسائل التدفئة ويشعرون بالبرد، فكيف سيكون وضعنا نحن الساكنين في خيم مفتوحة بالية!".
وتتابع الحاجة ويداها تنتفضان من البرودة، وقد وضعت على رأسها معصبا وآخر على وسطها، "ما بعلم بحالنا غير رب العالمين سكعة مووت وغنماتنا متن من البرد.. وشو بدنا نسوي!"

وعلى بعد مترين من الخيمة أشعل أبو يوسف الحطب لتدفئة أهله، ويقول الرجل وهو يرتدي طبقات من الملابس لمواجهة البرد، ويغطي رأسه بوشاح، "أبتعد عن الخيمة قليلا وأشعل النار كي لا يدخل الدخان إلى الخيمة، ويسبب لنا الحساسية".
ويضيف أبو يوسف، أن الجيش منذ عشرة أيام يمنعهم من الخروج والرعي بالأغنام، ما يكبدهم المزيد من الخسائر بسبب اطعامهم للمواشي الأعلاف بدلا عن تسريحها في المراعي".
وينقل أبو يوسف (66 عاما) خطواته بثقل، بسبب تراكم الطين عليها، ويقول: "الواحد مش عارف يمشي من الوحل الذي نعيش فيه والسكعة التي تسكن فينا".
ويشير إلى أنهم يعتمدون حاليا على الحطب لتوفير التدفئة، رغم أنه يسبب لهم المرض من الدخان الناتج عنه، وقسمت عائلة أبو يوسف الخيمة إلى ثلاثة أقسام، واحد جعلت منه مطبخا وآخر للمنام، والجزء الأصغر حمام.
ويفرشون أرضية الخيمة الترابية بقطعة من البلاستيك فوقها قطعة من القماش، وضعت فوقها فرشات.
ويشكو أبو يوسف المرض نتيجة البرودة التي يتعرض لها ليل نهار في هذه المنطقة، والتي تزيد الآلام.
وحول متابعة حالة الطقس، يقول أبو يوسف نحن لا نتابعه، فلا يوجد عندنا أكثر من هذه الخيمة لنحتمي بها من المنخفضات الجوية، فالحالة الجوية نتركها على التساهيل، ولا يوجد عندنا تلفاز أو راديو لنتابع الأخبار لعدم وجود كهرباء في منطقة الفارسية.
ويشير إلى أنه في بعض الأحيان يقوم بشحن هاتفه من أقرب منطقة يوجد فيها كهرباء وهي عين البيضاء أو طوباس، لاستخدامه في الأمور الضرورية فقط.
من جانبه، يقول رئيس مجلس المضارب والتجمعات البدوية في الأغوار الشمالية عارف دراغمة: "إن الأجواء لا توصف في المضارب البدوية، نظرا لعيش الأهالي داخل خيم لا تقيهم برد الشتاء ولا حر الصيف".
ويضيف تنعدم البنية التحتية في المضارب البدوية، وتمنع سلطات الاحتلال البناء فيها بحجة أنها مناطق "ج"، كما تمارس تجاه سكانها أقسى الممارسات العنصرية والاحتلالية فتمنع السكان من إقامة أي منشأة حيوية ما يؤدي إلى تفاقم الوضع في المنخفضات الجوية، عن الظروف الطبيعية".
ويعيش معظم السكان في المضارب البدوية بخيام بعضها متهالك، وشوارع ترابية غير معبدة أو مناسبة، لا تخدمهم في التنقل من منطقة إلى أخرى، للوصول إلى الخدمات البعيدة عنهم، بل تزيد من معاناتهم.

ويقول دراغمة "في حال مرض شخص من أهالي المضارب البدوية، يتم نقله بصعوبة إلى طوباس نظرا لعدم توفر المواصلات للتنقل ما بين المضارب وطوباس أو أي منطقة سكنية أخرى".
ويعتمد السكان على الدواب والجرارات الزراعية في تنقلهم في هذه المناطق البعيدة عن الخدمات.
ويشير دراغمة إلى أن عدم توفر الخيام المناسبة والإضاءة والتدفئة فاقم الوضع سوءا، بالنسبة لسكان المضارب البدوية خاصة في فصل الشتاء، خاصا مع تشكل السيول التي تغلق أحيانا كثيرة الطرق الرئيسية المؤدية إلى مدينة طوباس وهي الأقرب على المضارب البدوية.
ويذكر دراغمة أن هناك حوالي 300 عائلة تعيش على ضوء قنديل الكاز، الذي في كثير من الأحيان لا يستطيع السكان حتى تأمينه.
ويقول إن الاحتلال فرض ظروفا حياتية صعبة جدا على سكان المضارب البدوية، ويقوم بانتهاك حقهم في العيش بكرامة وتوفر الخدمات اللازمة ويفصلهم عن العالم الآخر.
وتشهد المنطقة طوال المنخفضات الجوية تشكل السيول، وانجراف الخيم وحظائر المواشي، ونفوقها من البرد، وتشكل الصقيع، وانعدام البنية التحتية.
ويشير دراغمة إلى أن المواطن في المضارب البدوية يعيش تحت نارين، أو خطرين، فإن أراد الخروج من هذه المنطقة لا يوجد منطقة أخرى يذهب إليها في ظل التدريبات العسكرية التي يقوم بها جيش الاحتلال، والمخلفات التي يتركها وراءه بعد كل تدريب، التي تشكل بحد ذاتها خطر الموت على حياة المواطنين.
والمضارب البدوية في الأغوار الشمالية تضم حوالي 13 تجمعا سكانيا وخربة، يسكن فيها حوالي 430 أسرة فلسطينية، أغلبهم في خيم والباقي في بركسات من الزينكو، وأغلب العائلات تلقت اخطارات بهدم مساكنها.
مواضيع ذات صلة
فاجعة أطفال الهندي تدمي قلوب الغزيين: أين تذهب أموال الجباية؟
مسؤولون يحملون "حماس" وشركة الكهرباء بغزة مسؤولية وفاة الأطفال حرقا
حماس وإسرائيل تقفان في النقطة الأكثر خطورة
محكمة مصرية تحيل أوراق 6 متهمين في قضية "تخابر" إلى المفتي
وفاة ثلاثة أطفال أشقاء في حريق التهم منزلهم بمخيم الشاطئ غرب غزة
"الطلاق" يُدمي جسد الأسرة الغزية… حالتان كل ساعة
مأكولات الضفة تحت قبة الصخرة في قطاع غزة