عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 06 آب 2024

نابلس.. تخريب للأصل وإعمار للتاريخ المزيف في ذات المكان

نابلس – الحياة الجديدة – بشار دراغمة- في مشهد يصير الحطام مسرحا لصمود الإنسان، كانت نابلس، تلك المدينة العتيقة التي تتجلى فيها أصالة التاريخ وعنفوان الأمل، تعيش ليلة جديدة من فصول الحصار والاحتلال.

فجر أمس الاثنين وحينما كانت جرافات الاحتلال تجول بشوارع المدينة، ناشرة سحبا من الغضب والقهر بين أزقتها وحاراتها، كانت هناك حكاية أخرى تروى في سوق الخضار المركزي، حكاية تبدأ بإطار مطاطي مشتعل جرفته آليات الاحتلال نحو السوق ما أدى لحريق ضخم.

في وسط هذا المشهد المروع، وبينما تتصاعد ألسنة اللهب معلنة عن تحد جديد، كان رجال الإطفاء في بلدية نابلس والدفاع المدني يقفون كالجنود في وجه الحقد الاحتلالي.

 كانت النيران تحاصرهم من جهة، وآليات الاحتلال ورصاص الجنود من جهة أخرى، ولكن إرادة الحياة في عروقهم كانت تتحدى المستحيل.. كانوا يعرفون أن مهمتهم لا تقتصر على إخماد الحريق فحسب، بل هي رسالة للعالم بأن الحياة ستظل تنبض في نابلس رغم كل شيء.

وفيما كانت نيران الحقد تلتهم أجزاء من نابلس، كان مشهد آخر يعكس المفارقة الأليمة والواقع المرير. على بعد خطوات قليلة من ألسنة اللهب، كان المستوطنون الذين اقتحموا المدينة برفقة تعزيزات عسكرية، يقومون بأعمال صيانة وترميم لـ "قبر يوسف".

مشهد تتجلى فيه قسوة التناقضات، حيث يرممون أماكن يعتبرونها مقدسة بالنسبة له في رواية مزعومة ينفيها تاريخ المدينة، بينما تدمر المدينة الحية التي تعج بالأرواح والمشاعر.

كان المستوطنون ينهمكون في ترميم حجارة يعتقدون أنها تحمل تاريخا مقدسا، في الوقت الذي كانت فيه شوارع نابلس تعاني من التخريب والتدمير بفعل الاحتلال.

يقول سعيد أيوب الذي يسكن قريبا من منطقة "قبر يوسف" عن مشهد الإعمار والدمار "إنه مشهد يثير في النفس ألما لا يمكن وصفه، كيف يمكن لمن يزعمون الحفاظ على تراث تاريخي أن يكونوا هم أنفسهم مصدرا للخراب والتدمير في نفس اللحظة والمكان، كيف يمكن أن تنشغل الأيادي في بناء ضريح مزعوم بينما تشعل نفس الأيادي النار في أزقة المدينة وتدمر ممتلكاتها"؟

ويضيف: "تلك المفارقة الغريبة بين التدمير والتعمير، بين الحقد والبناء، تعكس حقيقة مأساوية نعيشها هنا بعد يوم. ففي الوقت الذي تحترق فيه نابلس بنيران الغضب والاحتلال، كان المستوطنون يتظاهرون بالحفاظ على ما يدعون أنه إرث ديني".

ويصف المواطن محمد أبو حلمي غضب الاحتلال على المدينة بأنه لوحة مريرة من التناقضات، تبرز فيها ازدواجية المعايير بأبشع صورها.

ويقول: "في الوقت الذي يهدم فيه جزء من المدينة تحت وطأة الجرافات والنيران، كان جزء آخر يرمم بحرص ودقة. هي محاولة لطمس الهوية الحقيقية للمدينة، ومحاولة أخرى لفرض هوية زائفة لا تنتمي لها. لكن نابلس، المدينة الصامدة، تعرف أن هويتها تكمن في إرادة أبنائها، وفي صمودهم أمام كل محاولات التدمير والتهويد".