نابلس.. من ضجيج الزوار إلى صمت الحصار

نابلس– الحياة الجديدة– بشار دراغمة- في أزقة نابلس العتيقة، تلك المدينة التي اعتادت أن تنبض بالحياة والحركة، تغلبت مظاهر الحصار على بريقها المعتاد، منذ أن اشتدت القبضة الحديدية للاحتلال على المدينة بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، تغيرت ملامح هذه المدينة، التي لطالما احتضنت أفواج المتسوقين والزوار في أرجائها، لتصبح أشبه بمدينة أشباح.
في خان التجار، حيث كانت الحياة تعج بالحركة والضجيج، وتلتقي الوجوه الباسمة بالتفاصيل القديمة للمدينة، صار اليوم وكأن الزمن توقف فيه. لم يعد هناك ذلك الزخم البشري الذي كان يعمر المكان، بل باتت بعض الأقدام المتعبة هي التي تتجول بين الأزقة، تستطلع ما تبقى من ملامح المدينة العتيقة.
تراث تغيب عنه أقدام السياح وكاميراتهم، ففي قلب مدينة نابلس، كانت الحمامات التركية تروي قصة تاريخ عريق وثقافة غنية. تلك الحمامات، التي كانت تفتح أبوابها للجميع، من زوار ومقيمين على حد سواء، لتقدم تجربة فريدة من نوعها، تجمع بين الاسترخاء والاستشفاء، وتستحضر في أروقتها عبق الماضي وجمال التقاليد. لكن، مع اشتداد الحصار الاحتلالي وتقييد الحركة، تغيرت تلك الصورة النابضة بالحياة.
وقف محمد نصر عند مدخل حمام الشفاء التركي، ملوحا بيده إلى الشارع الذي يشق طريقه وسط البلدة القديمة قائلا: "شارع خاو بعدما ظل مزدحما لسنوات طويلة".
أما عن الحمام التركي فيقول نصر: "كانت الحمامات التركية تعتمد بشكل رئيسي على الزوار القادمين من خارج المدينة، أولئك الذين كانوا يبحثون عن تجربة استثنائية تمزج بين التراث والرفاهية. اليوم، تبدو هذه الحمامات خالية، إلا من قلة قليلة من الزبائن الذين لا يزالون يترددون على المكان، ربما بحثا عن بصيص من الأمل أو رغبة في استعادة بعض من روتينهم".
تدخل إلى الحمامات التركية في نابلس تجد الصمت قد حل مكان الضجيج المعتاد، والبخار الذي كان يملأ الجو بعبق الأعشاب العطرية صار خفيفا كأنه ينعكس حزنا على ما آلت إليه الأحوال. غرف الاستراحة التي كانت تستقبل ضيوفها بمشروبات الأعشاب والأحاديث الودية، صارت الآن شبه خالية، تجلس فيها بعض الأرواح التي تتذكر بحسرة أيامها الجميلة في هذا المكان.
هذه الشكوى من غياب زوار المدينة ليست مقتصرة على البلدة القديمة وحماماته التركية فحسب، بل تجدها تنتقل كالألم من سوق إلى سوق، ومن ميدان إلى ميدان. في ميدان الشهداء، تلك الساحة التي طالما شهدت على حياة المدينة، تجد المحال شبه خالية، وأصحابها يقفون خلف بضائعهم بنظرات حائرة، يتساءلون عن مصير مدينتهم التي طال أمد حصارها.
يقول زاهر حسن الذي وقف خلف بضاعته في محله التجاري المخصص لبيع الملابس: "مرت ست ساعات من الصباح حتى الآن ولم أبع شيئا، هذا حال لم نعهده من قبل".
قطاع المطاعم في نابلس لم يسلم من هذا الشح في الرواد، فداخل أحد المطاعم الفاخرة، الذي طلب صاحبه عدم ذكر اسم مطعمه، تجد الصالة مضاءة بأضواء ساطعة، لكن خالية من زبائنها الذين كانوا يشكلون في السابق حشدا يملأ المكان بالحياة.
ما تعانيه نابلس نتيجة حصار مستمر، يضيق الخناق على المدينة ويخنق روحها. تزداد تبعاته يوما بعد آخر فمنذ السابع من أكتوبر، أصبح الدخول إلى نابلس والخروج منها رهينة بمزاج جندي احتلالي يقف على الحاجز العسكري، يتحكم في بوابة المدينة، يفتحها ويغلقها متى شاء، تاركا المدينة وأسواقها تئن من الداخل ببطء.
فباتت نابلس مدينة تسكنها الذكريات والحنين، وتحاصرها القيود والحواجز، مدينة تنتظر بفارغ الصبر لحظة انكسار قيدها.
مواضيع ذات صلة
إصابات واعتقالات خلال مهاجمة المستعمرون بمسافر يطا
قوات الاحتلال تعتدي على المحتفلين بعيد الخضر
اللجنة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني حقوقه تواصل اجتماعاتها الأوروبية
الرويضي يُطلع مسؤولًا عُمانيًا على أوضاع شعبنا الفلسطيني في غزة والضفة
الهباش يطلع وزير الشؤون الدينية الباكستاني على الأوضاع في فلسطين
شهيدان وإصابات بقصف الاحتلال شرق غزة وغربها
توقيع اتفاقيات إطلاق مشروع "تجديد" لمعالجة المياه العادمة شمال غرب جنين