عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 01 أيار 2023

رحيل ذي الرّاحة البيضاء النّاصعة

تغريدة الصباح- محمد علي طه

في اليوم التّاسع والعشرين من شهر نيسان/أبريل 2023، رحل ذو الرّاحة البيضاء النّاصعة الصّديق الوفيّ النّقيّ المناضل المقاتل الفتحاويّ الماركسيّ، كما كان يحلو لمعلّمه وقائده وبوصلته أبي عمّار أن يسمّيه.

رحل الكاتب المحاضر والمفكّر التّقدّميّ والمؤرّخ والمحدّث اللبق الذي يشدّ القارئ إذا كتب ويشدّ السّامع إذا تكلّم.

رحل النّجم اللامع في قصري هيئة الأمم المتّحدة في مؤتمرات جنيف وفيينا للمنظّمات غير الحكوميّة الدّاعمة للقضيّة الفلسطينيّة في ثمانيّنيات وتسعينيّات القرن الماضي الذي حاور الإسرائيليّين والأجانب والعرب بعقل مفتوح فقدّروه وأحبّوه.

رحل الثّائر الذي رافق أبا عمّار في الطّائرة من تونس إلى لارنكا ثمّ في زورق بحريّ صغير إلى شاطئ طرابلس اللبنانيّة في الليل الدّامس وعندما جلسا على رمل الشّاطئ سأل أبو عمّار رفيق سفره: ماذا يريدون منّي؟ وتناول قلمه من جيب سترته وقال: يريدون هذا ولن أسلّمه لأحد، سيبقى القرار فلسطينيًّا دائماً.

رحل أبو فارس د.مرعي عبد الرحمن ابن قرية الشّجرة التي ارتبط اسمها بالشّهيد الشّاعر عبد الرّحيم محمود الذي حمل روحه على راحته ثمّ ارتبط باسم الفنّان الكبير الشّهيد ناجي العليّ.

التقيته لأول مرّة في جنيف ثمّ في فيينا واستضافني مع صديقي أبي فريد في بيته في تونس الخضراء ثمّ كانت لنا لقاءات عديدة لا تحصى في رام الله وكابول وعكّا والبعنة وحيفا والنّاصرة وعمّان وعلى أطلال الشّجرة وعلى أطلال ميعار.

سهرنا ليالي عديدة في بيته في رام الله مع أصدقاء وأحباب كما سهرنا في بيتي في كابول وكان يرفض عندما يزورني أن ينام على سرير بل يصرّ على النّوم فوق فراش بسيط على الأرص قائلا لي: هل تريد أن تدلّل الرّجل الذي كان ينام على البلّان وفي الكهوف؟

سافرنا ذات مرّة في سيّارتي من بيتي في كابول إلى مدينة حيفا وشربنا القهوة مع أبي إلياس توفيق طوبي في بيته العامر في شارع قيساريا وكان مرعي معجبا بإميل توما مؤرّخ القضيّة الفلسطينيّة وبالتّوفيقين، طوبي وزيّاد، وفي حيفا اختطفه منّي صديقنا المشترك صليبا خميس وحينما التقيت بهما في الغداة كان مرعي يضحك ملء صدره ويقول لي أصرّ صليبا أن يفطّرني فطوراً حضاريًّا كما يزعم.

جاء إلى مؤسّسة الأسوار في عكّا ليشارك في أمسية تكريميّة لي فتحدّث فيها بدفء وبعمق عن نتاجي الأدبيّ وعاتب شريكتي أم عليّ لأنّها لا تجيد طبخ العكّوب وهو لا يدري أنّ العكّوب لا ينبت في الجليل الغربيّ مثلما يكثر في الجليل الشّرقيّ ومرج ابن عامر.

مات أبو فارس يوم السّبت 29 نيسان للمرّة الثّانية بعدما مات قبل عشرين عاماً عندما احتلّ الجّيش الإسرائيليّ في نيسان 2022 مدينة رام الله وحاصر المقاطعة بعد أن أعلن العنصريّ باراك قبل أشهر (لا يوجد شريك فلسطينيّ) وأطلق الرّصاص مع صنوه شارون على اتّفاق أوسلو وعلى مسيرة السّلام وعلى حلم الشّعبين بحياة تخلو من الحروب والقتل والسّجون.

قضى أبو فارس فترة في مستشفى رام الله بعد أن أصابته جلطة خطيرة في أثناء الحصار ثمّ نقلته زوجته الفاضلة الوفيّة إلى مشفى في الأردن فسافرتُ إلى عمّان وعدته هناك.

هاتفني في أحد الأيّام وهو في عمّان وأخبرني أنّ عرس ابنه فراس سيكون بعد يومين في 24 أيلول 2002 في مدينة رام الله وطلب منّي أن أقوم بدور والده في حفل العرس فسافرتُ قاصداً رام الله إلّا أنّ العسكر أوقفني على حاجز قلنديا ومنعني من دخول رام الله ولم أحقّق رغبة صديقي.

خرج أبو فارس من المشفى إنساناً آخر. اختفى المحدّث اللبق وبقي الإنسان الصّامت. أسأله كيف حالك يا أبو فارس؟ فيجيب: داحلة! داحلة! ولا شيء غير ذلك وعندما أحثّه على الكلام ينظر إليّ ويسألني سؤالاً واحداً وحيداً: ما أخبار الرّجل الصّفديّ؟

غاب الكاتب والمحلّل والقارئ وفارس السّهرات والنّدوات والجلسات وبقي مرعي "بقايا إنسان" بعد احتلال رام الله وحصار المقاطعة.

رعته زوجته المناضلة المثقّفة شادية حلو بوفاء وبإخلاص وبحبّ كبير فسهرت على صحّته وعلى طعامه وعلى دوائه وعلى أناقته طيلة عقدين.

انتسب مرعي إلى الثّورة وهو طالب فقير وابن المخيّم وابن المرأة الشّجراوية "عيّوش" وأصبح ذا مكانة عالية وخرج من الدّنيا لا يملك مالاً ولا عقاراً بل يملك سمعة طيبة وراحة بيضاء ناصعة.

رحمه الله.